شعبوية ترامب محاولة في فهم المصطلح

بات استخدام وصف «الشعبوي» سبة أو وصفا سلبيا في عالم السياسة والإعلام، ومع تصاعد تخبطات ترامب في شهره الأول في سدة الرئاسة، أصبح وصف «الشعبوي» الأكثر التصاقا بالرئيس الجديد، فماذا يعني هذا الوصف؟
وهل هو مصطلح سياسي له حدود واضحة قابلة للدراسة الأكاديمية؟ هل هو مصطلح يقتصر استعماله في عالم السياسة فقط؟ أم أنه يتعدى ذلك إلى عالم الاقتصاد والثقافة؟ هل هو توصيف سلبي أم إيجابي؟ كيف نفهم هذا المصطلح الاحجية بعد التصاقه بتيارات متنوعة، ربما كان أحدثها ولا أقول آخرها ترامب، الرئيس الامريكي الظاهرة.
التخويف من تصرفات ترامب بات مقترنا بشكل واضح بوصفه شعبويا، ففي مؤتمر دافوس الاقتصادي الأخير في سويسرا بحث المشاركون في أعمال المنتدى في حلول لمشكلة تنامي النزعة الشعبوية في العالم، وبشكل خاص في أمريكا، كما أشارت الكاتبة الأمريكية ترودي روبين في مقالها بصحيفة «فيلادلفيا إنكوايرر» إلى أن «شعبوية ترامب تهدد استقرار العالم»، كذلك قالت ويندي ران، أستاذة العلوم السياسية في جامعة مينيسوتا، التي أجرت دراسات على ناخبي ترامب، «أرى أفكاراً متشابهة على جانبي الأطلسي، شعورا قويا بتهديد الهوية الوطنية ومناهضة للعولمة وحنينا إلى الماضي، وشعورا بأن النخب غير مسؤولة». اذن توصيف ترامب وسياسته بالشعبوية بات أمرا مفروغا منه.
الشعبوية وهي ترجمة للكلمة الانكليزية (Populism)، رغم أن جذرها اللغوي بالعربية يربطها بالشعب، إلا ان الدقة في فهم المصطلح الغربي يجعلنا نربطها في تنويعات سلبية مرادفة للشعب في اللغة العربية مثل، الغوغاء أو الرعاع أو العامة، ومن هنا يبدأ اللبس بين سلبية المعنى وإيجابية التعميم، فالشعب وما يرتبط به ليس سلبيا، او المفروض أنه ليس كذلك، لكنه بات كذلك، لذا نجد الحركات السياسية الحديثة استبدلته بمصطلحات جديدة نسبيا مثل الجماهير والبروليتاريا، أو الطبقة العاملة والمواطنين وغيرها.
وفي بحثه التاريخي عن جذر مصطلح الشعبوية كتب الباحث الأرجنتيني إيثيكييل آدموفسكي مقالا ذكر فيه، أن مفهوم الشعبوية استخدم للمرة الأولى في نهاية القرن التاسع عشر، لوصف نمط محدد من الحركات السياسيّة، فالمصطلح ظهر في روسيا عام 1878 لتسمية مرحلة من مراحل تطوّر الحركة الاشتراكية المحلّية. وفي إحدى دراساته الكلاسيكية، يذكر المؤرخ ريتشارد بايبس أن مصطلح شعبوي استُخدم حينها لوصف موجة العداء للثقافة التي انتشرت في عقد السبعينيات من القرن التاسع عشر، والاعتقاد السائد حينها أن على الاشتراكيين أن يتعلموا من الشعب أكثر من محاولتهم أن يكونوا أدلاء له. بعد ذلك بسنواتٍ قليلة، بدأ الماركسيون الروس باستخدام المصطلح، كتوصيف سلبي للإشارة إلى الحركات الثورية التي تناهض الطبقات العليا في المجتمعات، وعلى عكس الماركسية، تتبنّى توجهات قوميّة وتتماهى مع الفلاحين.
بالتوازي تاريخياً مع روسيا، وإن دون علاقة مباشرة معها، ظهر المصطلح في أمريكا في تسعينيات القرن التاسع عشر، في إشارة لحزب الشعب الأمريكي، وهو الحزب الذي كانت قاعدته الشعبية مكوّنة بشكل أساسي من المزارعين الفقراء، وحمل أفكاراً تقدّمية ومعادية للنخب. وكما حصل في روسيا، أشار المصطلح في سياقه الأمريكي إلى حركة ريفية ذات توجّهات معادية للثقافة، وسرعان ما تحوّل إلى مصطلح ذي معنى سلبي كونه استُخدم بشكل أساس من قبل المعادين لحزب الشعب.
وانزوى هذا المصطلح ولم يظهر أو يستخدم في الحياة الأكاديمية الا في حقبة الخمسينيات من القرن العشرين، حيث عرفه عالم الاجتماع إدوارد شيلز بأنه (إيديولوجيا الاستياء الموجّهة ضد نظام اجتماعي مفروض من قبل طبقة مضى على وجودها في وضع الهيمنة فترة زمنية طويلة، ويُفترض أنها تحتكر السلطة والثروة والامتيازات والثقافة)، ومن هذا التعريف يمكننا ان نلاحظ أن الشعبوية تلتقي مع الكثير من الحركات الثورية، عبر التوصيف الذي وضعه شيلز. كذلك نجد ان هذا التعريف لم يكن سلبيا في توصيفه للشعبوية وكذلك جمع حركات متعددة في بوتقة التعريف الذي ضم حركات من أقصى اليسار مثل، الحركة البلشفية الروسية، إلى أقصى اليمين مثل الحركات الفاشية والنازية في ايطاليا والمانيا، بل حتى المكارثية في الولايات المتحدة في الخمسينيات، يمكن اعتبارها حركة شعبوية بحسب هذ التوصيف الاكاديمي.
ثم عاد المصطلح للظهور وبقوة في الستينيات والسبعينيات من القرن الماضي، في توصيف حركات في العالم الثالث مثل، الحركة البيرونية في الارجنتين والفارغيّة في البرازيل؛ والكاردينيّة في المكسيك والناصرية في مصر، حيث اشار بعض الاكاديميين ممن تناولوا شعبوية حركات التحررفي العالم الثالث إلى أنها تشترك في مواصفات نمط القيادات التي ظهرت في هذه الحركات، كونها شخصانيّة تلتف جماهيرها حول رمز كارزمي، قد يكون نواة لحكم شمولي أكثر من كونها مؤسساتيّة؛ أو أنها حركات عاطفيّة ذات طابع يعتمد التجييش العاطفي على حساب العقلانيّة، وبالتالي يمكن أن تتسبب في هبات جماهيرية غير محسوبة العواقب كالحروب الاقليمية والانقلابات المتعددة، كما ان هذه الحركات عادة ما تكون باحثة عن إجماعات أكثر من اهتمامها بالحفاظ على التعدديّة، ومن الواضح جدا ان هذا التوصيف، أو اذا شئنا الدقة التقييم، نابع من معايير ديمقراطيات العالم الأول الليبرالية، حيث معيار التقييم يكون معتمدا بشكل أساس على قرب او ابتعاد هذه الحركات من الليبرالية بشكلها الغربي.
ولم تكن وجهات النظر، أو التقييمات التي وجهت الى الشعبوية سلبية دائمة، فقد حصل التغير الاهم على يد الاكاديمي والفيلسوف الارجنتيني إرنستو لاكلاو، وقد كتب ضمن موجة (ما بعد الماركسية ) كتابه «عن المنطق الشعبوي» الذي طرح فيه وجهة نظر جديدة عن الشعبوية عندما اعتبرها نمطا خاصا من العمل السياسي يحيل إلى «شعب» في مواجهة الطبقات المُهيمنة، إذ يقول «تنطلق الشعبوية اعتباراً من تقديم العناصر الشعبية – الديمقراطية كخيار مضاد لإيديولوجيا الكُتلة المهيمنة» ولم يستخدم اصطلاحا مغايرا أو قريبا كان يمكن ان يفي بالغرض مثل «الديمقراطية الشعبية» لتوصيف الظاهرة، وقد ادت طروحات لاكلاو الى ظهور شريحة من المثقفين والاكاديميين في الارجنتين وكذلك في إسبانيا التي انتقل لاكلاو للعيش فيها، اعتبر هؤلاء المثقفين العضويين انفسهم مثقفين شعبويين في اشارة تحمل المصطلح معاني ايجابية وتبعده عن المنظور السلبي الذي تلبسه. وانتقد هؤلاء المثقفون وجهة النظر الغربية في صراعها مع الشعبوية.
لكن الملاحظ في العقدين الاخيرين على وسائل الاعلام الغربية أنها ابتدأت تطلق صفة الشعبوية السلبية على بعض الحركات المقاربة لحركات الستينيات اللاتينية، مثل حكومات أمريكا اللاتينية، الرافضة للامتثال للسياسات الأمريكية وتوصيات صندوق النقد الدولي، حيث اعتُبرت حكومات فنزويلا ونيكاراغوا والأرجنتين وبوليفيا والباراغواي وإكوادور والبرازيل بأنها تمثّل «خطراً شعبوياً» على الديمقراطية في المنطقة، وهنا يمكننا ان نسير مع هذا التوصيف ونعتبر انفسنا قد ابتدأنا نفهم توصيف الشعبوية المعادي لتوجهات الولايات المتحدة، وذات سمات او نمط يساري. والمثال الابرز لذلك هو حكومة هوغو شافيز في فنزويلا، لكن الاعلام الغربي ذاته اطلق على سلفيو برلسكوني وتصرفاته السياسية المتسمة بالفجاجة والفساد والزبائنية بأنها سياسة شعبوية لكون خطابه الموجه للجموع غير المتعلمة او الغوغائية بطريقة فيها تلاعب على العواطف الجمعية، ما يجعل برلسكوني يكسب الجمهور الى صفه في الانتخابات، وكذلك وصفت احزاب اليمين الاوروبية، التي ترسم سياستها الحزبية بناء على اجندة النقاء العرقي ومحاربة اللاجئين، والسلوك العنصري تجاه المهاجرين، يصفها الاعلام الغربي وبعض الاكاديميات بانها حركات او احزاب تمارس سياسات شعبوية تحاول تعبئة شارعها السياسي، بناء على شعارات تحاول ان تكسب تعاطفهم عبرها نتيجة تدهور الاوضاع الاقتصادية، حيث تعزى الازمة الاقتصادية لاسباب غير حقيقية، مفادها ان السبب هو تدفق المهاجرين واللاجئين الذين سرقوا فرص العمل من المواطنين.
مع هذه الخلطة العجيبة يعود مفهوم الشعبوية الى حالته الضبابية من جديد، وفي صعود الرئيس ترامب في الانتخابات الاخيرة، كثيرا ما وصفت حملته الانتخابية وخطاباته بأنها شعبوية تلعب على مشاعر الطبقة العاملة الامريكية محدودة التعليم التي تعاني من البطالة، بسبب منافسة المنتج الاسيوي، ومن اتفاقات التجارة المجحفة التي اضرت بامريكا. في المقابل نجد وسائل الاعلام ذاتها اتهمت التيار المعادي لترامب بالشعبوية، حيث تلقى باراك أوباما سابقاً اتهاماً بالشعبوية، فقط لأنه صرّح بأنه سيكون سعيداً لو حصلت زيادة طفيفة على الضرائب المفروضة على أصحاب رؤوس الأموال الكبرى. كما اتهمت «وول ستريت جورنال» هيلاري كلينتون بالشعبوية، لأنها اعتبرت أن على الكونغرس أن «يركّز على خلق فرص عمل، وعلى تحسين دخول عائلات الطبقات الوسطى»، وكان هذا كافياً بالنسبة للصحيفة لاتهامها بالشعبوية، لنصل في النهاية الى أن الشعبوية باتت تمثل مصطلحا يُستخدم لوضع أفكار ومفاهيم شديدة التباين فيما بينها في الخانة نفسها، فهو يتأرجح بين الغوغائية والسلطوية والقوميّة والابتذال أو حتى القرارات او السياسات الاقتصادية غير النمطية. فهل ينطبق ذلك على ترامب؟ وإذا كان ترامب شعبويا فهل بات وجوده خطرا على الديمقراطية في العالم؟ هذا ما ستبينه لنا الايام.
كاتب عراقي

شعبوية ترامب محاولة في فهم المصطلح

صادق الطائي

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية