بيروت-«القدس العربي» ـ سعد الياس: نظرية ما بعد استقالة رئيس الحكومة سعد الحريري غير ما قبلها تنطبق على سلسلة أمور ليست فقط سياسية بل بالدرجة الأولى انتخابية. فالرئيس الحريري الذي مرّ بظروف غير طبيعية في الأسبوعين الماضيين بعد تقديم استقالته المفاجئة من المملكة العربية السعودية لقي تعاطفاً لبنانياً غير مسبوق. وأظهر الاحتفال الشعبي العفوي الذي حظي به في بيت الوسط في قلب بيروت أنه اكتسب في أيام ما خسره طيلة 11 شهراً من التسوية الرئاسة وطيلة سنوات من ابتعاده عن لبنان.
فالرئيس الحريري عاد نوعاً ما إلى مرحلة ما بعد اغتيال والده الرئيس الشهيد رفيق الحريري في العام 2005 عندما خاض الانتخابات النيابية وحقق فوزاً لفريقه، وإن الأزمة التي ألمّت به خدمته بطريقة أو بأخرى وجعلته يرتاح إلى وضعه الشعبي قبل أشهر من موعد الانتخابات بعدما كانت استطلاعات الرأي تتحدث عن تراجع شعبيته وسط الشارع السني خصوصاً والشارع الوطني عموماً نتيجة التنازلات التي قدّمها لفريق 8 آذار وشراكته مع حزب الله في حكومة واحدة، فيما هو كان يعتبر ما يقوم به بمثابة تضحيات من أجل الوطن. وبالتالي فما لم يحققه الحريري خلال فترة حكمه في السراي الحكومي حقّقه في فترة قياسية من دون حاجة إلى خدمات ولا صرف أموال.
وهكذا يمكن للحريري إذا حافظ على هذه الشعبية أن يخوض الانتخابات في بيروت ويحقق أرقاماً عالية بعدما أظهرت نتائج الانتخابات البلدية أن لائحة المجتمع المدني «بيروت مدينتي» نالت اصواتاً كادت فيها أن تفوز على اللائحة التوافقية التي جمعت مختلف القوى السياسية في العاصمة. وبات بإمكان الحريري أن يعود إلى الساحة الطرابلسية التي خسرها في الانتخابات البلدية لصالح اللائحة المدعومة من وزير العدل الأسبق اللواء أشرف ريفي، كما سيتمكّن من الارتياح لوضعه الانتخابي في كل من صيدا وإقليم الخروب والبقاع الغربي في مواجهة خصومه.
ولو كانت الانتخابات ستجرى على أساس النظام الأكثري لكان سعد الحريري تمكّن من اكتساح غالبية المقاعد في الدوائر المذكورة، لكن القانون الانتخابي الجديد القائم على النسبية سيمكّنه من حصد أرقام مرتفعة وتأمين حاصل انتخابي مرتفع للوائحه مقابل أرقام معقولة للوائح المنافسة. وبذلك يكون رئيس تيار المستقبل عاد إلى تحقيق التوازن على الساحة الوطنية مع الثنائي الشيعي، فيما الزعيم الدرزي النائب وليد جنبلاط يبدو مرتاحاً أيضاً في منطقتي الشوف وعاليه، أما التيار الوطني الحر فإذا إستمر تحالفه مع الحريري فسيحقق انتصاراً في عدد من الدوائر غير المسيحية وسيخوض منافسة شديدة في الدوائر المسيحية مع القوات اللبنانية التي لم يُعرَف بعد إذا كانت ستستمر بتحالفها مع تيار المستقبل، علماً أن أي فك لهذا التحالف سيفقدها أوراقاً انتخابية ويجعلها تعوّل على الصوت التفضيلي لفوز مرشحيها.
وهنا يعتقد البعض أنه لولا المخرج الذي تمّ التوصل إليه بالتريّث في تقديم استقالة الحريري لكان أحد المخارج للأزمة الحكومية والسياسية وللعجز عن تأليف الحكومة الجديدة يقضي بتقريب موعد الانتخابات النيابية لتفادي استمرار الأزمة على مدى أشهر حتى أيار/مايو المقبل.
وهنا يُطرَح السؤال هل ما زال اقتراح تقريب موعد الانتخابات قابلاً للنقاش للإفادة من الزخم الشعبي الذي بات يتمتع به الحريري والذي يخوّله التربع من دون منافس على كرسي رئاسة الحكومة؟ وهل تنجح الاتصالات في معالجة الندوب التي تحدث عنها وزير الداخلية نهاد المشنوق في العلاقة بين التيار السنّي الأقوى أي تيار المستقبل والحزب المسيحي الأشد تماسكاً أي القوات اللبنانية اللذين كانا يشكلان منذ العام 2005 رأس حربة فريق 14 آذار في مواجهة حزب الله وفريق 8 آذار، أم ستختلط أوراق التحالفات وتنتهي نهائياً مرحلة 8 و14 آذار؟