في أغلب تقارير الأخبار التي تغطّي قضية محاكمة الجندي الإسرائيلي ليئور أزاريا الذي قتل الجريح الفلسطيني الملقى أرضاً عبد الفتاح الشريف، نجد الجندي مبتسماً أو يتلقّى القبلات والحضن من المتعاطفين والمعجبين به فيما يموج الشارع الإسرائيلي بالغضب بسبب الحكم عليه بجريمة القتل مهدداً رئيس الأركان وقضاة المحكمة بالاغتيال، ويقوم السياسيون، وعلى رأسهم رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بإبداء التعاطف معه وطلب العفو عنه.
تحيل قضية اتهام الجندي، وإخضاعه للمحاكمة، وإصرار الجيش الإسرائيلي، (ممثلاً برئيس أركانه غادي إزينكوت) على محاكمته، وصولاً إلى قرار القاضية في المحكمة العسكرية بإدانته، إلى مشهد عامّ يخدم الصورة العالميّة المكرّسة لإسرائيل، باعتبارها واحة للديمقراطية السياسية وأنموذجاً في فصل سلطات القضاء والتشريع والتنفيذ، والأمثلة على ذلك تنطبق حتى على عليّة القوم ونخبتهم من السياسيين، مثل نتنياهو الذي تحقّق معه الشرطة في قضايا فساد، وإيهود أولمرت، رئيس الوزراء الأسبق الذي حكم واقتيد فعليّا لقضاء محكوميته في السجن، كما تنطبق على الضباط الكبار في الجيش والشرطة الخ… وهو ما يشكّل تعبيراً عن «القوّة الناعمة» الإسرائيلية التي تتدرّع، في الوقت نفسه، بالقوة الضاربة لجيشها، وجهازها الأمني الذي يعتبر أحد علاماتها التجارية الكبيرة، وقوّتها النووية، ونفوذها المالي والسياسي المتغلغل في أكثر مناطق النفوذ تأثيراً في العالم.
يحوّل النفوذ الكبير الناتج عن اجتماع القوّتين الناعمة والصلبة إسرائيل إلى عنوان لمؤامرة عالمية كبرى على المسلمين والعرب بحيث لا تنفكّ تسمع في كل مكان من الأرض العربية أحاديث شعبية تنسب بعض الطغاة العرب إلى نسب يهوديّ أو علاقة خفيّة بإسرائيل فلا يعود هناك تاريخ خاص بالعرب ويغدو ما يحصل في بلادهم استتباعا لغرفة عمليّات تدير الكون من تل أبيب (أو نيويورك أو لندن، حسب أوهام سياسية أخرى).
يشكل الفصل بين السلطات وممارسة الديمقراطية في إسرائيل تحدّياً فكريّاً هائلاً للعرب ففي الوقت الذي لا يستطيعون فيه إنكار اشتغال الآليات الديمقراطية لما فيه صالح إسرائيل السياسي والعسكري والأمني لكنهم لا يربطون ذلك بأسباب تخلّفهم عن محاولة مكافحتها اللهم إلا في باب القوّة الماديّة: السلاح والمال.
غير أن لقوّة إسرائيل «الناعمة» حدودا كبرى تقف عندها، كما هو جدير بدولة قائمة على تناقضات هائلة، أوّلها وأهمّها أنها امتداد لماض انتهى، سواء كان أسطورتها الدينية حول عودة الشعب اليهودي، أو حقيقتها الفعلية وهي أنها استعمار استيطانيّ نتج عن مفاعيل الحرب العالمية الثانية، ولا يمكن لهذا الماضي أن يستمرّ إلا بالغلبة والقوة والهيمنة والسيطرة المستحيلة على مصير شعب آخر.
تستند محاكمة أزاريا إلى تفصيل صغير يفضح المشهد بأكمله وهو أن الجريمة تمّ تصويرها وتحوّلت إلى شأن إعلاميّ عالميّ وبالتالي فإن الأرباح (وهي اللغة العبرية الأعلى مقاماً) المتوقعة من محاكمة الجنديّ ستفوق بمقادير هائلة كلفة تبرئته والعفو عنه (وهو أمر سيحصل بشكل أو بآخر).
الفلسطينيون والعرب سيفهمون المعنى الحقيقي للمحاكمة وهو عكس الرسالة الموجّهة للعالم وهي أن قتل الفلسطيني حلال ومسموح ومطلوب لكن طالما أن الجريمة صوّرت فعلى السلطات التصرف حسب قواعد «الاتيكيت» الإعلامي العالمية.
أزاريا، حسب قواعد الاشتباك الإعلامي مع العالم، ذهب ضحيّة الكاميرا، وهو سيقبض ثمن هذا «الإحراج» الدمويّ شعبية وإعجاباً وعفواً لاحقاً وسيعامل كبطل في إسرائيل الحقيقية التي هي ديمقراطية لليهود وعنصرية وإجرام وتوحش مع «الغوييم». كنا نعرف وسنظل نعرف طبعاً أن عدالة إسرائيل مسمومة ولكن كيف سنواجهها؟
رأي القدس