لم تعترف أي جهة أو مجموعة فلسطينية بخطف الاسرائيليين الثلاثة، حتى ان كان الفلسطينيون هم المختطِفين، فمن يعطي الحق لأسرائيل ان تحاصر محافظة الخليل وتقصف قطاع غزة كعقاب جماعي. قامت اسرائيل بحملة اعتقالات شملت الاسرى المحررين، في انتهاك صارخ للمعايير القانونية والاخلاقية. لا أحد يستغرب مثل هذه التصرفات من اسرائيل، التي طالما ضربت عرض الحائط كل المواثيق والتعهدات التي وقّعت عليها. من واجب السلطة فضح الممارسات الاسرائيلية في المحافل الدولية والاعلامية. هناك عدة احتمالات لفقدان هؤلاء الشبان، اولها ان تكون جنائية لها علاقة بالجريمة العشوائية او المرتبطة بالمال أو الجنس أو المخدرات، وكلها منتشرة في اسرائيل. ووارد أيضا ان الفلسطينيين فعلوها مع ان الاحتمال ضعيف جدا، بسبب المصالحة حديثة الولادة ومولودها الجديد، حكومة الوفاق الوطني. الاحتمال الاقوى ان اسرائيل هي التي فعلتها، لا لم تخطفهم، بل اخفتهم في مكان آمن. ماذا تستفيد من هذا؟ الكثير، تجد لنفسها الذرائع لافشال المصالحة الفلسطينية، وتعتقل من تشاء، وتقصف غزة، وربما تغتال قياديين من حماس، أو أن تقوم بعملية اوسع على القطاع، وكذلك تصرف نظر الاعلام عن اضراب الاسرى الاداريين.
موقف السلطة الفلسطينية جاء مخيبا للآمال بكل ما تحمله الكلمة من معنى، فالسلطة بمشاركتها البحث عن المفقودين اثبتت انها تعمل كشرطة لحماية اسرائيل بدلا من حماية الفلسطينيين من حملات الدهم والتفتيش والاعتقالات والتضييق على الناس في معيشتهم اليومية من قبل جنود الاحتلال، في منطقة من المفترض ان تكون تابعة امنيا للسلطة، ولا يجوز لاسرائيل استباحتها، أليس هذا ما تنص عليه معاهدة كامب ديفيد المشؤومة، حسبما تردد السلطة على اسماعنا ليلا ونهارا، سرا وجهارا، بأنها تحترم هذه الاتفاقية وتعهداتها الدولية. فلماذا تحترمها هي ولا تحترمها اسرائيل؟
الرئيس عباس كلما فتح فاه تّلفظ بعبارات ترضي اسرائيل وتشيع روح الانقسام بين الفلسطينيين، وقد حمدنا الله الف مرة انهم تصالحوا بعد طول انتظار، ونتمنى الا يكون أجل حكومة التوافق قد قرب بسبب المفقودين الثلاثة، وتصريحات عباس المثيرة للجدل. في تصريحاته عقب تشكيل الحكومة لم يأت عباس على تناول الشأن الفلسطيني ومعاناة الناس تحت الاحتلال ووضعهم الاقتصادي المزري، كل ما قاله، ان هذه الحكومة تعترف باسرائيل، وانها تحترم تعهداتها الدولية، يقصد سيئة الذكر والسمعة كامب ديفيد، وان التعاون الامني مع اسرائيل سيستمر. ولنا ان نتساءل، أعلى هذه المبادئ تمت المصالحة؟ لا نظن هذا.
في مؤتمر وزراء خارجية منظمة المؤتمر الاسلامي المنعقد في جدة، قال الرئيس عباس كل ما قاله من قبل، بالاضافة الى تعاطفه الانساني مع المفقودين وعائلاتهم، وليته اضاف انه يتعاطف مع اهالي الاسرى والشهداء والمبعدين الفلسطينيين، ولكنه لم يفعل. لكنه قال كلاما أخطر هذه المرة، قال ان التعاون الامني مع اسرائيل هو لمنع انتفاضة جديدة، وقال ان الانتفاضات لم تجلب على الفلسطينيين سوى الدمار، ولعله تناسى ان منظمته استغلت الاثار الايجابية للانتفاضة الاولى لتبرم اتفاقية اوسلو وتعود الى الضفة، وكأنها هي التي سيّرت الجماهير في الشوارع، أما الانتفاضة الثانية فقد اتت به وبدحلان (وقد اختلفا في ما بعد) على رأس السلطة كبدلاء لياسر عرفات، بعد ان افاق وعرف دهاء الاسرائيليين ومماطلاتهم الحقوق الفلسطينية الاساسية، كحق العودة والقدس ودولة ذات سيادة ، فاذا كان يقصد ان مجيئه ودحلان و….. كان بمثابة الدمار للشعب الفلسطيني، فاننا نتفهم صراحته واعترافاته المتأخرة جدا، وهذا موضوع آخر ليوم آخر.
قال ايضا اننا بصراحة غير قادرين على مواجهة اسرائيل عسكريا، وان كان هذا صحيحا نظريا ومرحليا فمن غير اللائق قوله، ثم من قال ان الانتفاضة هي معركة عسكرية بين جيشين، انها ثورة شعبية قد تأخذ اشكالا نضالية مختلفة، من اضرابات واعتصامات ومسيرات ومظاهرات وعصيان مدني (كثورة غاندي ومانديلا)، فالجانب العسكري فيها ضئيل على اهميته. المطلوب من الرئيس، اعلاميا، رفع الروح المعنوية لشعبه، لا تدميرها. انه يحرق كل اوراقه ويعترف بشلله، فلكم ايها الاسرائيليون ان تفرضوا علينا كل شروطكم واملاءاتكم، وستجدوننا ان شاء الله لكم صاغرين، أهذا ما يود قوله؟ انه يقول هذا هو الواقع بصراحة، لا ليس صحيحا، انه يقلل من امكانات شعبه الذي ضحى بالكثير، وما زال مستعدا للتضحية، فهذه الارض تستحق كل التضحيات، ثم ان موازين القوى المحلية والدولية قد تتغير. صحيح ان المنطقة تمر الان بمرحلة حرجة، وقد تتغير نحو الافضل، ولو بعد حين. التاريخ ومصائر الشعوب لا يحدد في يضع سنين، ولا في مرحلة صعبة، ولكن ارادة الشعوب وتمسكها بحقوقها هي ما يحدد مستقبلها السياسي والحضاري.
الشبان الاسرائيليون الثلاثة، سواء كانوا مفقودين أم مخطوفين، وفي اي مكان هم الان، محتجزين مع خاطفيهم، او مغيّبين من قبل اسرائيل لحاجة (او حاجات) في نفس يعقوب (اسرائيل) فلا ينبغي لهم ان يحوّلوا حياة شعب بأكمله الى جحيم، ولتتوقف السلطة عن مواصلة مسلسل البحث عنهم، ولتلتفت الاجهزة الامنية الفلسطينية الى توفير الراحة والامن لمواطنيها، أليست اجدر بهذه المهمة النبيلة بدل مهمة حماية الاحتلال ومستوطنيه؟
صاروخ ارض ارض: لعل من ايجابيات المصالحة الفلسطينية انها ستمّهد لانتخابات رئاسية قادمة، فلربما نرزق برئيس جديد يحترم شعبه، ويدافع عن حقوقه، ويتكلم بحكمة، ولا يخاف في الله لومة لائم.
٭ كاتب فلسطيني
د. خليل قطاطو