اليوم 21 آذار/مارس، هو اليوم العالمي الذي اختارته اليونسكو ليكون اليوم العالمي لللشعر، بعد أن تمخّضت الفكرة على هامش مهرجان الربيع الثقافي الفلسطيني الذي انعقد في باريس 1997، حيث تقدّم ثلاثة شعراء من فلسطين، وهم محمود درويش فدوى طوقان وعزالدين المناصرة، بطلبٍ إلى المدير العام لليونسكو من أجل تحديد يوم عالمي خاص بالشعر. وهو الطلب الذي شجّع مثقفين مغاربة على تقديم طلب مماثل إلى اليونسكو في العام الموالي، قبل أن يصدر القرار عام 1999.
وقد واظبت اليونسكو منذ ست عشرة سنة، على دعوة الدول الأعضاء، في رسالةٍ سنوية، الى الاحتفال بهذا اليوم العالمي وإعلاء صوت الشعر في منصّات الأمسيات الشعرية وفضاءات دور الشباب والمؤسسات التعليمية، في سعي حثيثٍ لتغليب لغة الفن والنقاء الروحي على لغة الرداءة والبشاعة.. ويحتفل شعراء العربيّة بهذا اليوم العالمي هذه السنة في أجواء حزينة جدا وبمرارة في اللسان، بعد أن صارت حياتهم صيداً سهلا لكرابيج المخزن ومزاج الفكر المتطرف، فتارة يُعدم هذا وتارة يُجلد ذاك. وفي أحسن الحالات تتمّ جرجرتهم الى المحاكم ورميهم في السجون بعد محاكمات شكلية وهزليّة في الغالب.
وقبل أيام قليلة، أقدم تنظيم «الدولة الإسلامية في العراق والشام»، المعروف اختصاراً بـ»داعش»، على إعدام الشاعر السوري بشير عاني ونجله إياس في مدينة دير الزور بتهمة «الردة «، ممّا خلّف استياءً عميقاً في الأوساط الحقوقية والثقافيّة. وفي أواخر كانون الاول/ديسمبر الماضي تمّ إعدام الشاعر العراقي أحمد النعيمي صاحب قصيدة «نحن شعب لا يستحي» بالرافعة على الطريقة الفارسية. وباستثناء الذين تداولوا قصيدته /التهمة في مواقع التواصل الاجتماعي، فقد مرّ خبر إعدام الشاعر النعيمي خافتاً وفي صمت مطبقٍ.. وقبل عام، أطلق ضابط مصري ملثم، الرصاص على الشاعرة والناشطة السياسية شيماء الصباغ لتسقط مضرّجة في الدماء عشيّة ذكرى ثورة 25 يناير/كانون الثاني التي أطاحت بالرئيس حسني مبارك. في الوقت الذي لازال الشاعر الفلسطيني أشرف فياض يقبع في سجون السعودية منذ عام 2013، بعد أن أدانته المحكمة بإهانة الذات الإلهية وحكمت عليه بالإعدام ، قبل أن تتراجع المحكمة الموقرة وتستبدل الإعدام بالسجن ثماني سنوات وجلد ظهر الرجل 800 جلدة. وكأن لسان حال هؤلاء يقول أنت تجلدنا بالكلمات ونحن سنعود بك في الزمن إلى الوراء ونجلدك بالكرباج في ساحة عموميّة. ولا يهم أن يموت والد الشاعر فياض بنوبةٍ قلبيّة بعد أن تناهى إلى سمعه خبر الحكم على ابنه بالإعدام.
أما كتّاب الرواية فليسوا أحسن حالا من الشعراء، ففي واقعة مثيرة للاستغراب قضت محكمة مصرية بسجن الروائي أحمد ناجي سنتين، وتغريم طارق الطاهر رئيس تحرير جريدة «أخبار الأدب» 10 آلاف جنيه بتهمةٍ مفادها أنّ مواطنا لما فرغ من قراءة فصلٍ من رواية ناجي «استخدام الحياة» المنشور في الجريدة المذكورة حصل له اضطراب في ضربات القلب وانخفاض حاد في الضغط. كما لو أنّ المحكمة جديّة في الحرص على صحة رعاياها وسلامتهم .
إنّه الاستمرار في التضييق على حريّة الإبداع وتلفيق التهم للشعراء والمبدعين، وإشاعة قتلهم بشتّى الأنواع، «ومن لم يمت بالسيف مات بغيره / تعدّدت الأسباب والموت واحدٌ» بلسان الشاعر ابن نباتة السعدي. وأيّ قانون وضعي هذا الذي يقتل شعراء عزّل على مرأى ومسمع من العالم. وأي صورة تريد هذه الدول أن تروّجها في القرن 21 بعد كلّ هذه البقع السوداء. وبعد أن أصرّت بجميع الوسائل المتاحة على تكميم الأفواه وترهيب الأصوات المضادة.. نعم، لازال من يفترس الطيّور بأسنانه المنشارية ويرى العظام ويبتسم. من يحبّ أن يرى الدم لتبتسم نفسه الشريرة. ومن يتصرّف مع الشعراء كما لو أنّهم قطيع خرفان، يقطع رؤوسهم ويجزّ الصوف متى يشاء.
ويبدو أنّ مسلسل إعدام الشعراء والزجّ بهم في دهاليز السجون لازالت حلقاته مستمرة في أرضٍ كانت منبت الشعراء طوال قرونٍ. ويحدث كلّ هذا بعدما فشلت الأنظمة المتحجّرة في إحكام قبضتها على الأصوات الغاضبة والمضادة في زمن وجود وتنوّع مواقع التواصل الاجتماعي التي ساهمت في ترويج النّص الشعري وإيصاله إلى عموم القرّاء في ظرفٍ وجيز. وخلق نقاش مباشر بين الشاعر والقارئ. وذلك في تحايلٍ جميل على متاريس الحدود وشساعة الجغرافيا ويد الرقيب الباردة، وهي أمور كرّست حضور الشّعر في الحياة اليوميّة أكثر من أيّ وقتٍ مضى. وفي هذا الصدد أبان «الفيسبوك» عن ديمقراطيته وسعة صدره تجاه تجارب شعرية جديدة تفاعلت مع احتجاجات الشارع وهموم الشعب، وهي التجارب التي لم يسعها الصدر الضيّق لبعض المنابر التي لازال خطّها التحريري ينظر إلى متغيّرات المرحلة بعين الريبة والشكّ.
ومهما يكن من أمرٍ فلا يسعنا في مثل هذا اليوم، وفي جميع الأيام، الا أن نرسل تحية إكبار إلى أرواح من فارقنا قسراً من الشعراء والكتّاب. وكم من الوقت يكفي للأحياء كي يراوغوا الموت بقماط الاستعارة والمجاز؟
* شاعر مغربي
حسن بولهويشات*