برلين- من مبروكة علي: حين أخبرني الشاعر السوري محمد المطرود عن مهرجان للقصيدة السورية في ألمانيا، لا أعرف لماذا تذكرتُ جملة كان قد كتبها في بداية استقراره في ألمانيا «قريب من هناك.. بعيد عن هنا»، جملة على بساطتها تقول الكثير، وكأن هذا السوري المنتشر على كامل الأرض ما يزال هناك، وكأنه لم يطوي أصوات الانفجارات وصور الجرحى و ابتسامة عين الشهداء في حقائب قلبه وهو اللاجئ.
الموت السوري اليومي بأشكاله المختلفة لم يقتل هذا الشعب، يمارس السوريون تمارين الحياة «كتابة»، يخبئون الشوارع وأسماء المدن في خريطة تعرفهم ويعرفونها، يخبئون الملح دلالة على الأصدقاء الذين نجوا والذين لم ينجوا، يخبئون ذاكرة الطفولة دلالة على وطن يتيم، يخبئون رائحة الخبز في استعادة لحضن الأمهات. لن يكون الشعر شعرا ما لم يتدثر بالإنسانية، ما لم يلبس دموع المدن والأمهات والرجال وحبة التراب وقطرة الماء، ما لم يلبسنا حزننا ويسكبه خمرا شهيا. لن يكون الشعر شعرا وهو يفتش عن اللغة لأجل اللغة، وهو لا يعنيه منه شيء غير أنه كلام «جميل» وهو لا يعنيه منك غير لذة اللحظة. لن يكون الشعر شعرا إن لم يسخر إن لم يمدّ يده ويسخر من قبح العالم، إن لم يفتح نافذة على زنزانات التعذيب والعذاب، إن لم يخلق حديقة من شلال الدم، إن لم يقرص الحياة الذابلة ويوقظ الشغف فيها.
ماذا يكون الشعر إن لم تُشوه القبح بذنوب الجمال، إن لم ترفع صوت القهقهة في وجه الموت، إن تصل لحظة الحياة وأنت غارق في الغياب والفقد. ماذا يكون الشعر إن لم تخرج الحياة على أصابعها كراقصة من حقول الرعب. ولأنه أدرك أن الشعر وحده سلم النجاة في فوضى العالم، اختار هؤلاء الشعراء الاحتفاء بسوريتهم وبالشعر وبالثورة جمعا لا فرادى ليمزجوا بين التأكيد على هوية (أنا سوري.. أنا شاعر…أنا موجود) وبين احتفال بتاريخ ثورة وحياة ونصر قريب واليوم العالمي للشعر.
اختيار يومي 19/20 مارس/آذار لم يكن اعتباطيا، بل كان أمرًا مدركا، ليجتمع عشرون شاعرا في كولون/ألمانيا مؤكدين على هويتهم السورية وانتمائهم السوري بعيدا عن الحزبية والطوائف، وإلى غير ذلك مما يفرق.