القاهرة ـ أحمد مجدي همام: كثيراً ما يحدث، أن يكتب الشاعر السرد، هذا أمر معتاد، فللسرد غوايته، وتحرره من الكثير من قوانين، القديم منها كعروض الخليل بن أحمد، أو الجديد كشروط أنسي الحاج وسوزان برنار.
يشكل هذا التخفف عامل إغواء لأي صاحب قلم، لذلك نرى في الأدب العربي الحديث الكثير من الهجرات التي حدثت من كتابة القصيدة إلى كتابة الرواية والقصة والنصوص السردية المفتوحة، السوري سليم بركات، اللبنانيان عبّاس بيضون، رشيد الضعيف، المصري أسامة الدناصوري، وعن هذا الأخير نقتبس فقرة بعنوان «عن الشعر والنثر» من روايته الوحيدة «كلبي الهرم.. كلبي الحبيب»: «كنت أسكن أرض الشعر وأعتبر نفسي مواطناً من الدرجة الأولى. ولأن أرض الشعر أرضٌ فوق واقعية، فهي ليست هي بالضبط في عين كل قاطنيها. فالبعض يراها واحة خصبة، وأرضاً مثمرة، وأشجاراً خضراء طوال العام. والبعض الآخر يراها جرداء وعرة. يظل يسير فيها فراسخ وأميال، عابراً السراب تلو السراب، حتى يظفر في النهاية بشجرة وحيدة، تتدلى منها ثمرة وحيدة، يتفيأ ظلها قليلاً، ثم يعاود السير، بعد أن يبتل ريقه بالعصير الحلو، وتهدأ معدته. كلا البعضين يشفق على الآخر. فالأول من فرط إشفاقه على الثاني، لا يراه. أما الثاني، فإنه يرى الأول جيداً، ويعرف كم هو بائس، ويعرف أيضاً أن ما يكنزه من ثمار ما هي إلا (زَنْزَلَخْت) لا يصلح لشيء. أما أرض النثر فهي كالغابة المتشابكة الأغصان، كل أشجارها مثمرة، وقريبة المنال. لكن الثمار المرجوة دائماً خفية، إذ لا يراها سوى قاطنيها. لا.. ليس كل قاطنيها، بل ذلك الذي يمكنه أن يكون حطَّاباً، وطالع نخل، وصياداً، ومستكشفاً، وقصّاص أثرٍ، في شخص واحد. حتى تمكنه الغابة من ثمارها العزيزة.
لقد غزوت أرض النثر مرات معدودة من قبل، في كل مرة كنت أتسلل على وجل واستحياء، وأعود سريعا، بعد أن أختلس ثمرة صغيرة. الآن بعد أن تجرأت وتوغلت قليلا، أوشك أن أقول: (بائس هو الشاعر الذي لم يعرف النثر أبداً)»
في هذا السياق، تفتح «القدس العربي» ملفاً بعنوان «شعراء يكتبون السرد»، نتوجه لهم فيه بالأسئلة التالية: هل اخترت أن تجرّب كتابة السرد؟ أم أن الأمر يكون أشبه بنداء داخلي يدعوك لذلك؟ الشعر، القصة والرواية.. كيف ترى الفروق بين الألوان الكتابية الثلاثة؟ بعد التجربة السردية.. هل ستبقى ملتزماً بالشعر؟ أم أن الهجرة نحو السرد نهائية؟ ولماذا لا يحظى الشعر بمعدلات المقروئية نفسها التي يحظى بها السرد؟
الماء في البحر والواحة والقارورة
سُكينة حبيب الله ـ شاعرة مغربية
ثلاثة دواوين شعرية، أصدرتها المغربية سكينة حبيب الله، تخللتها رواية وحيدة، تقول صاحبة «بيت القشلة»: كانَ السَّرد رفيقي دائماً، حتى وأنا أكتُب الشِّعر فقصائدي لا تخلو من الطّابع السردي. قصص كثيرة لا يمكن أن تكتب سوى في رواية، لذلك حين تخمَّرت الحكاية التي في رأسي، وصار ضجيج الشّخصيات يرتفع ويرتفع كان عليّ أن أجلسَ إلى حاسوبي وأضع حداً للأمر. قد أكتُب لاحقاً في المسرح، وقد أكتب في أيّ نوعٍ أدبي كفيل بجعلِ الحياة تكثرُ من حولي. في رأيي، سواء في الرواية أو القِصّة أو القصيدة يحضرُ الشِّعر دائماً، بطريقةٍ أو بأخرى، شيءٌ أشبه بالماء الذي تجدُه في البحر، والواحةِ، وقارورة المياه المعدنية. فالبحرُ كالرِّواية، الماءُ فيه قد لا يبرِّد الجوف، لكنّ بمقدوره حمل سفينةٍ، وفي أعماقه تكمن حياةٍ هائلة. وفي الواحةِ التي تشبه القِصَّة، يبدُو الماءُ واضحاً وجيزاً، ويبدو العطشُ الذي يقفُ متربِّصاً كفيلا بجعلِه يشفي الغليل، أمَّا قنينة المياه المعدنية فقصيدة، الماءُ فيها مكثَّفٌ، عذبٌ، بالإمكانِ حمله معك في أيّ مكانٍ لينقذك، وفي النِّهاية عليك دفع الثمن كي تستحقَّه. بعدَ إصداري لروايتي الأولى «بيت القشلة» قمتُ بنشرِ مجموعتي الشِّعرية الثالثة «خمس فراشات منزوعة الأجنحة»، قدمي يحرِّكها الشِّعر وعيناي كذلك، الشِّعر بالنسبة لي هو الطَّريقة الوحيدة التي أثبَتت لي الأيَّام أن بوسعي تزجية الحياة من خلالها. لذلك تبدو لي مجرد فكرة تركِ الشِّعر مخيفة ومهدّدة للقلبِ والعين. لست في حالةِ كتابة دائمة للشعر، القصائد تأتي أحياناً في هيئة أغنية قديمة تخرجُ سليمة من أدغال النِّسيان، وينامُ على إثرها طفلي، وأحياناً في النّافذة التي أفتح صباحاً، فتخبرني الأزهار التي زرعتها الصَّيف الماضي أن إمكانية الورد لا تزال قائمة. الممسوسون بالأدب هم أشخاص حكمَت عليهم الحياة بعقابٍ غامض، أن يقفُوا على قدمٍ واحدة، أحياناً تتعبُ القِصَّة فنقفُ على قدم الرواية، وها نحنُ نبدِّل الوقفة من قدمٍ لقدمٍ برؤوس يغلي فيها الشِّعر. إذا أخذنا القارئ الورقي كمرجع فالشِّعر يعتبر غير مقروء بالفعل. لكن بالنَّظر إلى الفيسبوك فهو الأكثر مقروئية، على عكس النّصوص السردية الطويلة التي تعتبر هناك بلا قارئ تقريباً. لذلك قارئ الشِّعر موجود وجداً، لكنَّه لا يفضِّل المكتبات.
السفر بعيداً عن «فن القِلَّة»
عماد فؤاد ـ شاعر مصري
أصدر المصري عماد فؤاد خمسة أعمال شعرية، حضوره راسخ على ضفة قصيدة النثر، إلا أن ذلك لم يمنعه من كتابة الرواية، وعن ذلك يقول فؤاد: «الحالة صفر» لم تكن تجربة أحببت خوضها، كانت ضرورة لي في فترة معينة من حياتي، وكان يجب عليها أن تخرج بالشكل الذي خرجت عليه، طوال عمري وأنا أعرف أن لحظة ما سـتأتي عليّ وأستسلم فيها لفكرة كتابة السرد المتحرّر من قيود الشِّعر، أحببت أن أجرِّب كتابة مختلفة عليّ فكانت هذه التجربة، والحقيقة أنها تظل من أمتع التجارب الكتابية التي خضتها حتى اليوم، ولا أعتقد أنها ستكون الأخيرة، ذلك أن متعة كتابة السرد شيء آخر غير متعة كتابة الشِّعر، وهي المتعة التي اكتشفتها أثناء كتابتي للرواية، وهذا الاكتشاف يجعلني راغباً في تكرار التجربة من جديد.
الفروق كثيرة وعديدة بين الألوان الكتابية الثلاثة: الشِّعر والقصة القصيرة والرواية، أرى أن الشِّعر والقصة القصيرة هما الفنَّان الأكثر تطلباً، سواء كان ذلك على مستوى اللغة والبلاغة، أو الحذف والكثافة، في حين تشكل الرواية لي تحرّراً غير محدود، لكن إيماني عميق بأنّ كل نصّ يستنُّ قانونه الخاص به أثناء كتابته، هذا القانون هو ما يحكم تفاصيل العمل الفني في قالب أو شكل ما يتخذه النص لنفسه، بعيداً عن القوالب المعروفة، أو قل المتفق عليها، لم تعد الحدود قائمة بين هذه الألوان الكتابية كما كانت في السابق، تستفيد هذه الفنون الكتابية اليوم من بعضها بعضا، وتتبادل التقنيات الفنية وتتشاركها، كل لون بحساسيته المميزة وحضوره الخاص. هي ليست فكرة التزام أو هجرة من نوع أدبي ما إلى آخر مغاير له، هي التزام بفكرة «الكتابة» في مطلقها، بغض النظر عن الشكل الذي ستخرج فيه هذه الكتابة إلى القراء، وأنا شخص مزاجي جدًا مع الكتابة، أكتب ببطء ولا أنشر ما أكتبه إلا حين أشعر أنه اكتمل ولم يعد بوسعي الإضافة إليه أو التعديل فيه.
مقروئية الشِّعر أقل من مقروئية السرد للسبب الذي أخبرتك به، الشِّعر هو الفن الكتابي الأكثر تطلباً، لذلك فإن قرّاءه قلّة، والأمر ليس قاصراً فقط على الشِّعر العربي، الشِّعر في جميع الثقافات واللغات حاله لا يختلف كثيراً عن الشِّعر في عالمنا العربي، يظل الشِّعر أينما كان وشئنا أم أبينا «فن القلَّة».
الكاتب الجوّال
رائد وحش ـ شاعر فلسطيني سوري
«دم أبي»، «عندما لم تقع الحرب»، «لا أحد يحلم كأحد»، و«مشاة نلتقي.. مشاة نفترق»، هي الأعمال الشعرية للشاعر رائد وحش، يتخللها عمل سردي وحيد «قطعة ناقصة من سماء دمشق». في الفروق والمشتركات بين دروب الكتاب الشعرية ونثرية يقول الكاتب المقيم في ألمانيا: «بينما كان الزمن يسير بخطى حثيثةٍ نحو التخصّص في مختلف المجالات، سجلت الكتابة عصيانَها وسارت في طريق انفتاح الأنواع الفنية على بعضها بعضا، إلى درجة أنه قلّ أن تجد كاتبًا همّه أن يكون متخصّصًا في نوعٍ محدّد. كتّاب كثر من العالم يُقدمون لنا كروائيين، بسبب طبيعة عملية التسويق التي تميل إلى الأكثر رواجًا، لكن سيرهم وقوائم كتبهم تقول إنهم كتبوا شعرًا وقصصًا ومسرحًا وأفلامًا ورحلاتٍ، وربما تجدهم رسامين أو موسيقيين، أو نقادًا أو أكاديميين. عادة ما يبدأ الكثيرون مع الشعر، ليعودوا وينطلقوا منه إلى مختلف جهات الكتابة. في ملمح عام، يبدو الشعر وكأنّه جواز سفر، فيما ممارسة بقية الفنون الأدبية أشبه بزياراتٍ، ربما تتحول إلى إقامات. بالنسبة لي، أؤمن بالكاتب الجوّال الذي يتردّد على عوالم مختلفة، سواء فعلها بعقل المستكشف أو الغازي، أكثر من إيماني بكاتب متنسّك، يعامل فنًّا أدبيًا كدِيْن لا يرتد عنه. في ذلك التجوال ستتذوّق نكهاتٍ التوابل الشعرية في القصة، وسترى ملامح مسرحية أو سردية في الشعر.. هذا الاختلاط سيوسّع من هوية النوع إلى حدود بعيدة، نقرأ في بعض تجاربها الناجحة نصوصًا واسعة الطيف أقرب إلى فن التجهيز «Installation» الذي يجمع الرسم والنحت والفيديو في مساحة واحدة.
هناك أكذوبة رائجة لا تنفك تؤكّد أن الشعراء هم أفضل من يكتبون النثر. وهذه لها وجهان، جميلها إعلاء شأن الدخيل، وقبيحها منح الشعراء بالذات ميزة التفوّق، يكفي أن يكتب طبيب أو سياسي رواية فذة ليطيح بهذا الهراء.
من فضائل الثورات على الكتابة أنها منحت المرء صفة الشاهد، فأصبح في مكنته كتابة اليوميات أو السيرة، التي يعاين من خلالها أحداثًا عاشها عبر شكل أدبي، ولأنّ ثقافتنا تميل إلى مجافاة صوت الفرد، جاءت مقاربة المواضيع العامة من منظوراتٍ شخصية نوعًا من الحلّ الماكر، أهميته أنه مكّن في كثير من الأحيان من رؤية الجموع كأفراد، لتشابه التجارب في ألمها وأساها، ولحاجة الجميع إلى أصوات تسارع إلى كتابة «التاريخ الصغير»، إن جاز التعبير، بما يجعل عملية مقاومة الأنظمة تجري على مستويات، خصوصًا في مستواها الثقافي»
نداء داخلي يدعوني إلى السرد
علي عطا ـ شاعر مصري
بعد سنوات طويلة من الشعر، أصدر الكاتب المصري مؤخراً روايته الأولى «حافة الكوثر»، عن الدار المصرية اللبنانية. يرى عطا أن شعره دائماً ما يخالطه سرد، لذلك لا يعد كتابته للرواية هجرة من عالم الشعر بقدر كونها نداء داخلياً، يقول عطا: جربتُ السرد، منذ أن تعلمتُ الكتابةَ بمعناها البسيط، خصوصاً أن ذلك ارتبط بشغف بالقراءة منذ الطفولة، لا أعرف مصدره، بما أني نشأت في أسرةٍ، الأب فيها لا يقرأ ولا يكتب، والأم تفك الخط بالكاد، وأخي الأكبر تسرَّب مبكراً من التعليم الإلزامي، ومحيطنا من أقارب وجيران لم يخرج عن ذلك الإطار. جربتُ السرد عبر رسائل للحبيبة الأولى، وما تلاها من حبيبات، بعضهن اخترعتُه، وغالباً كان التجاوب محبطاً، بما أنني كنت أتوقع تلقي رسائل رداً على ما أرسله، ولكن خاب توقعي إلا نادراً. وفي تلك المرحلة المبكرة، عرفت كتابة الشعر الزاخر بعواطف جيَّاشة، ثم تمكنتُ بعد ما يزيد على عشرين سنة من الاستعلاء نسبياً على الرومانسية المجانية، من خلال ديواني الأول «على سبيل التمويه»، والذي أزعم أنه لا يخلو من السرد. ولا أخفيك سراً حين أقول لك الآن إن تلك البواكير أفادتني عندما وجدتُني مدفوعاً عام 2015 لكتابة روايتي الأولى، فقد عثرتُ على نصٍ كتبتُه وأنا في الجامعة عن حكاية القُبلة الجنسية الأولى في حياتي. هذا النص أنا كتبتُه بعد سنوات من واقعة القبلة تلك، ووجدته مناسباً لأن يكون ضمن محطات يستعيدها بطل رواية «حافة الكوثر»؛ «حسين عبد الحميد جاد» من طفولته، ولذلك كان المقطع الوحيد في العمل الذي له عنوان، وذلك العنوان كان مجرد سنة كتابته 1984. نعم؛ كان الأمر أشبه بنداء داخلي يدعوني إلى السرد، مجدداً. لا أرى بينه وبين الألوان الكتابية الثلاثة، الرواية والقصة والشعر، فروقاً جوهرية، فكلها تقوم على التخييل وقيمتها تستند إلى مدى ما تحققه من صدق فني. بما أنني ذكرت حالاً أن الأمر كان أشبه بنداء داخلي، فإن ذلك يستتبع التأكيد على أنني لم أهجر الشعر إلى السرد. ثم أنني، كما ذكرت أيضاً أجد في تجربتي الشعرية سرداً، وهذا لاحظه عدد لا بأس به من النقاد. حتى السرد المحض لا بد أن تتخلله روح الشعر التي أؤمن بضرورة وجودها في كل فن رفيع.
لا يحظى الشعر بمعدلات مقروئية عالية بسبب رتابة كثير مما يصلنا من الشعر. وهذا أمر قديم. انتشار الشعر المنشور في كتب هو أمر استثنائي، دائماً، عرفناه حديثاً مع نزار قباني مثلاً. وهناك حالياً جمهور واسع للشعر، الذي يلقيه صاحبه في منتديات ويجري تسجيله بالفيديو، وغالباً تصاحبه موسيقى حالمة، ويرفع على اليوتيوب. عندنا أزمة قراءة عموماً، حتى بالنسبة إلى الصحف، وهي عند غيرنا أيضاً، في ظل انتشار ميديا التواصل الاجتماعي.