يقدم الشاعر المغربي محمد السرغيني ديوانه بـ»برولوغ» كما عادة الأعمال الملحمية، وهو ما يعطي انطباعًا لدى القارئ بأنّه بصدد مسرح، ثُمّ يفهم بأنّ هذا المسرح ما هو إلا عالم من الأنقاض تُنْهضه أنا الشاعر بمخيِّلته ويقوّم استيهاماته ونقاهاته. ثمّة تسريد لعالمٍ خرِبٍ بقدرما هو مُشيَّد على الأنقاض حيث تتفسخ روائح الموتى وتُخيِّم على عالم بكامله: «الموت فاكهةٌ تؤجّل تاريخ فسادها». إنّه عالمٌ سرياليٌّ طافح بالموت، وقبيح، يربأ أنا الشاعر بنفسه أن يتلوّث به؛ لأنّ ما يعمل عليه هو همُّ «ملاحقة الألم الحيّ في الأعماق على متن درّاجة عظامها ناتئة».
مثلما أنّه يبحث عن اللغة التي يراهن بها هذا العمل من أجل مزيدٍ من التعمُّق في الوله بالإنسان، والتعلُّق بمستقبلٍ يعيش فيه بعيدًا عن شوائب الخنوع والتبعية للطغيان والبطش الذي تُستمدّ قوّتُه من إرغام الضعيف على الاعتراف بضعفه. ومثل الإنسان، تتحمّل الحياة، التي يتمُّ التكنية عنها بالشجرة، كلَّ أشكال العنف والصلافة والإرهاب، وهي لا تستمدُّ كينونتها إلا من المعرفة التي تبثُّها من حولنا، أيًّا كان شكل هذه المعرفة وطعمها؛ فالخشب ما قيمة طعمه وقد تحوَّل إلى قارب صيد، أو صار كرسيَّ إمبراطورٍ حبشيٍّ، أو استوى رُفوفًا في مكتبة الإسكندرية.
إنّ عالم «تحت الأنقاض» الذي يجري تسريده بإحالات كثيفة ولغةٍ متلاحقة تقطع مع العبارات المسكوكة، إنّما هو أمثولة الموت التي تُتفّه العلاقات الإنسانية على الأرض بما هي موطن استعباد وجشع ومتاع غرور، وتجعل من عالم الأرواح مسرحًا ميلودراميًّا تتجاوب فيه أصوات بول بولز، ولسان الدين بن الخطيب، والشيرازي، وعلي بن أبي طالب، وغارسيا لوركا، والمعتمد بن عباد، وبول فاليري، وإدغار ألان بو، ولوقيانوس السيميساطي، بطريقة أليغورية تعرض الخطايا التي انحدر إليها النوع البشري وأوجد لها من الأمثال والذرائع والمكائد ما يُبرِّر به ويرفع كلفة التبعات عنه: «تُخطئ الإشاعة وهي تحرّر المخالفات ضدّ حادثة تلوك عظامها: يتعلّق الأمر بتهريب أقصر جملة ممكنة إلى تخوم أطول عبارة، فما تنتقل من غلاف الرسالة إلى قارئها حتى تقشعرّ حساسيّته» (الندم زلّة لسان).
تقيم أنا الشاعر تحت الأنقاض، وهي تزعم أنّ ذلك «أولى محاولات الهرب من ‘اليوتوبيّات’ «. هناك- ما يشبه الكوميديا الإلهية حيث يأتمر الإنسان بظهائر غريبة تجري عنوةً على المماليك والرعايا وقطعان الماشية، ووفق منطقها الغرائبي تختلُّ حالاتٌ عن الطبيعة والحسّ والإدراك، فهي فوق طبيعية، وفوق زمانية، وفوق بشرية تكشف جوهر التناقض في صميم الكينونة المشتركة: «عابرو نهر الأردن بالنيابة، مُزيّنو محاكم التفتيش بالأيقونات، مُضاربون بالمذاهب في أسواق تهريب الأسلحة، سدنة مأجورون، مُروِّضو دِببة، هلاليّون أُمّيون، هانيباليّون يلثغون بالراء، نقابيّون حفّارو قبور، براهمة بُعثوا مُتأخّرين، بُداة يُحصون حبّات الرمال بكياسة».
مثل هذه «اليوتوبيات» فاقت كل خيال، وكل حساب، فانحرفت عن قارّة الإنسان المعنى، وهو ما حمل أنا الشاعر على أن ينبعث من ركام الأنقاض وينظر من أعلى بكيفية ساخرة ومفارقة تُمكّنه من تفكيك أجروميّات العالم السفلي في بشاعته ونذالته على أن أملا ينقذ التاريخ من «غباره الملحمي»، وتُعرّي منطقه بِمحجاجته من الداخل فيما هي تفضحه «في زمن يلبس الثياب المستعملة»، قائلًا: «مُتْعةٌ أن أحاكم الأرض من الأعلى وأنا لا أطير». للطيران من أعلى استعارة أليغورية- إشاريّة يستثمرها الشاعر بعقلانية، فهو يتعدى أن يكون فعلًا بل مغامرة في الفعل بما يعينه على «التقاط الإشارات» ويقوده إلى «إشارات الحلم». فالأنا المتلفّظ يستعير الأجنحة من طيور ميثولوجية ورائية لا تحترق إلا لتنبعث من جديد؛ مثل: ققنس المعري، وهدهد سليمان، وسيمرغ العطار، وطائر السمندل. ويأخذ عنها منطقها حيث اللالغة هي استحقاق السفر في البدايات والأدغال السحيقة التي يكتنفها الصمت، أو التي يؤثثها الصمت بنفائسه: «من تحت الأنقاض تتكلّم اللغة/ من فوق الأنقاض يتكلم الفحيح/ أي شيء غير هذين هو الصمت».
داخل الثنائية من التقاطب المكاني من تحت/ من فوق، تحيل نصوص الديوان على وقائع ومراجع ودلالات يعيد أنا الشاعر تحيينها وعكسها على واقعه المعيش والضاغط في آن، ولكنه التراتب الزمني لها كما لو أنّها حدثت البارحة بما يدعوه بـ»الزمن الوتر»، ويمنح للشخصيات التي تعبرها ممن عاشت في الماضي صيرورة جديدة حتى تُكمل ما كانت تحلم به ولم يسعفها الزمن على ذلك.
وبقدر ما هو يُشهِّر في بعض هذه الإحالات بالأيديولوجيات والدوغمائيات من كل نوع، بقدر ما هو يُشيد في بعضها الآخر بكشوفات الإنسان وأعماله التي نذرها للخير وجعلها في بناء الكون وليس في خرابه. وهو ما يسوقنا إلى الحديث عن آليات تشتغل مع بعضها البعض في مسار إنتاج المعنى الشعري حيناً، واللعب عليه حيناً آخر. ويمكن لنا أن نشير، في هذا الصدد، إلى أربع آليات اشتغال تتصل بالأنا المتلفّظ وملفوظاته وأشكال حضوره في الخطاب ككلّ، وهي:
– آلية الاستدعاء حيث يستحضر الشاعر شخصيات من الماضي أو الحديث، ويجعل ذاته تتحاور معها بشكل يخلق بينهما صيغة تذاوت. والتذاوت، هنا، ليس بمعنى اندماج شخص في آخر بحلول أو بتناسخ (اندماج ميثولوجي- ميدوزي)، بل بمعنى أن الأنا معجبٌ بهذه الشخصية أو تلك. وجاز لنا أن نستشهد بشخصيتين اثنتين معجبٌ بهما الشاعر: شخصية الشيخ أحمد زروق (846-899هـ) الذي يرمز به إلى الذات المبدعة التي تدافع باستماتة عن إبداعها وتحفظه في زمن يحتقر الإبداع: وشخصية أبي الفتح الأبشيهي الذي يرمز به على حياة الإنسان في ألفياته الثلاث التي يدينها على لسانه إدانةً شاملة وغير مهادنة. فالاستدعاء هو تذاوت خاص يشدُّ الذات إلى أولئك المبدعين الذين لم يرهبهم الخوف أو القتل من أن يُتمّوا ما نذروا حياتهم القصيرة له.
– آلية التهجين من خلال إدماج ملفوظات متنوعة (ميثولوجية، دينية، شعرية، علمية، دارجة وفصيحة، عربية وفرنسية) تفكّ الارتباط بصفاء اللغة وغنائيتها، وهو ما ينتج عنه استيلاد جمالية جديدة قادرة على كشف عالم في حاجة إلى الكشف باستمرار، ولاسيما كشف المسكوت عنه واللامفكر فيه بطريقة تضع العقل في مواجهة اللاعقل الذي تتخفى وراءه مظاهر وقيم وعادات.
– آلية الحجاج وهي ليست بالمعنى الذي تتمُّ فيه داخل النثر، بل بالمعنى الذي يتخلق فيه الحجاج من صور المجاز والكناية والتورية بطريقة مرنة وشفّافة يترتب عنها فضح العبارات المسكوكة وتجريدها من دلالاتها الموروثة عبر وضعها في سياق آخر يبدو غريباً عنها من أول وهلة. مثل هذا الحجاج هو نوعيٌّ ومخصوص لا يسعى إلى نيل «عطف» القارئ وإنما يتوخى نيل تصديقه، أي استجابته العقلية. فالشاعر، بفضل حدسه الشعري القوي الذي تدعمه ثقافة شعرية عالية، يكشف لقارئه من المعيش وقائع ومواطن تدهشه وتسحره وتثير فيه القلق عبر لغة تستمدُّ قوتها من ارتكازها على الصور والمجازات وليس على الشعارات الباردة والكلام الدوغمائي كما يحدث عادة.
– آلية السخرية حيث يرصد وجوه المفارقة وإبراز ما فيها من عبثية واستهتار بجوهر الإنسان، فتكون وظيفتها هي خلخلة المفاهيم المهترئة والعبارات المسكوكة. ففي نص «الأرض من أعلى» يدين الشاعر ما آل إليه العمران الإنساني الذي أرهقته حضارات بعاهات حملتها معها من المناجم والنفايات وقشور الملاحم. ومثل ذلك نعثر عليه في نص «لغة اللغات القادمة» أو في نص «مديح خراب طوبوغرافي». وفي هذا السياق، تبرز قيمة التقويسات التي تستبطن السخرية المريرة، وتستهدف الإضحاك والتموقف حيال عِلَلٍ وتموضعات إنسانية مثيرة، مثلاً: «لعنت شجرة الدفلى، وبوركت زُهُورُها»، «سكان الأضرحة لا يهاجرون»، «للساكن من الذكاء نصف حقّ ما للمتحرك من الغباء»، «ما جدوى علامات المرور في ليل سديمي»، «الزنبور واسطة بين الوجود والعدم»، «كم هو لذيذ تردد الميت على متاجر قطع الغيار».
وإذن، فقد شفّت نصوص الديوان عن «أنا عاقلٍ» ينظر إلى العالم بغضبٍ وعدم رضا، إلا أنّ نظرته صادقة تكشف في غضبها عن حال راهنٍ حجبت سحبه الملبّدة مجمل تباشيره بالغد. ولئن كان ثمّة إلحاح التشاؤم الحاضر كما في مجمل دواوين الشاعر الذي بلغ من العمر وخبرته عُتيّاً، فإنّ هذا مما ينعش القدرة على التفاؤل الآتي- هنا والآن.
٭ كاتب مغربي