صار الشعر – باللغة العربية- اليوم سفرا نحو الاستثنائي واللانهائي، ولم يعد مقتصرا على حركية الانتماء الجغرافي، بل هو جزء من الحركية الزمنية التي تشمل الجغرافية الإنسانية ككل.. فالشاعر اليوم لا يكتب انطلاقا من الخارج ليعبّر عنه أو يقول بلسانه، بل أن يكتب فهو يقول ذاته ويرسمها ويخاطبها ويعبّر عنها.. إن فعل الكتابة اليوم هو فعل ذاتي فقط.
لقد انعطفت الكتابة الشعرية العربية بنفسها من الانغلاق والقول الأيديولوجي إلى الانفتاح التام على الحداثة والحساسية… لتصير بالتالي قابلة لأي صورة.. وقد تكون قصيدة النثر الباب الذي فتح للشعر العربي باب عالميته، وأزاح عنه غبار الانغلاق. لما جاءت تؤمن به هذه القصيدة من «التجاوز» و»التخطي» و»القطيعة» كما «الانزياح» و»الاستدراج» و»التفاعلية» و»التشظي»، فهي لا تتجاوز إلا بعدما تستدرج وتنْـزاح فهي تفاعلية بهذا المعنى، لهذا أقول عنها إنها قطيعة مع أي رتابة وأي قالب جاهز. فهذه القصيدة ولدت عبر طموح أصحابها للرفع بالشعر نحو مستويات وأبعاد مخالفة لسابقاتها.
قصيدة النثر، التي ينتمي إليها ديوان الشاعرة المغربية – المقيمة في مدينة الأنوار- غادة الأغزاوي: «قد أعرف أين أمضي»، هي مفتاح ولوجنا إلى عوالم هذا الديوان التي يتخذها شكله وتعبيره ونمطه ومبتغاه كما بدايته.
ماذا أصنعُ / بأيّام الله /التي تمضي حامضة /مثل عظمة في كلمة كلبٍ؟ /ماذا أصنعُ / برمل الرسائل / الذي يستحمّ داخلَ السواد؟
لا تجعل قصيدة النثر لنفسها قيودا، إذ بإمكانها أن تنطلق من شكل أو إيقاع داخلي لتتخلى عنه سريعا إلى شكل آخر، أو لنقل إلى الشعر نفسه – لغةً لا شكلا. فقصيدة النثر كائن شعري هائج يستحيل ترويضه في قالب واحد أو قوالب جاهزة مسبقا.. إنها تعدد بصيغة واحدة. وتأتي قصائد ديوان الشاعرة غادة الأغزاوي، باكورة أعمالها الشعرية، منطلقة بالأساس من الفهم الركيز لكل ما ألمعنا إليه.
قد نكون اليوم فعليا أمام تشكل بناء شعري عربي جديد، لقصيدة النثر الفضل الكبير فيه.. من حيث أنها جعلت لنفسها أن تنعطف عن النسق الأيديولوجي والسياسي والانتمائي، في مرحلة كانت سابقاتها غارقة فيه.
تجيء قصائد هذا الديوان، عامرة بنفحات من الاستقلالية، والكتابة الوجودية اللحظية، والكتابة الذاتية، الذات هنا هي الفاعل الرئيسي داخل النسق والخطاب الشعري في هذا المنجز الشعري، من حيث أن جل القصائد تجعل من ضمير المتكلم (أنا) لسانَ قولها الشعري.
لماذا أرفض اللاإصغاء؟ /يمكن أن أشعلَ / النارَ / والشعر / وسيجارة واحدةً /قبل أن أقولَ: تصبح على خير.
إن الارتهان إلى هذا الضمير له دلالات عدة، من بينها أن الشاعرة تكتب ذاتها أولا وأخيرا، وتنطلق منها لتجعل من القصيدة هي نفسها الشاعرة، في حلول باهر بين الذات الشاعرة وذات القصيدة.. ليس نوعا من الرومانسية المفرطة أو النرجسية، بل هو أسلوب يبتغي الخروج بالذات من الرؤية العامرة بالغموض إلى الانكشاف والوضوح..
أحاولُ أن أُخرج عينيّ منيّ /وأن أقذف بهما في الهواء مثل ألعابٍ ناريّة /وأنا أصرخ: /وداعا.. /وداعا.
ليس الشعر ساحة لتطارح الأفكار الجافة والخالية من أي قشعريرة. فنبض الشعر وروحه في مدى امتلاك القصيدة لصور تهرب بها بعيدا عن الجفاء. ومدى امتلاكها لآليات المجاز وهشاشة الاستعارة تنقلها من الواضح إلى الغامض ومن الغامض إلى الواضح والشفاف، فالشعر – صورته القصيدة- كما هي عند هيدغر «انكشاف لحقيقة وجودنا». وهذا ما تذهب إليه الشاعرة غادة الأغزاوي في متنها الشعري، تجعل من اللحظة أن تتشابك وتُختزل وتُكثف داخل الصورة الشعرية الباهتة والشفافة، كأني بها الشاعرة تنكشف كاملة أمام القارئ. هذا الانكشاف تتيحه قصيدة النثر للشاعرة التي تمكن من آلياتها وآليات الشعر، بعد جهد جهيد مع الكتابة والمحو. فقصيدة النثر صارت تراوح بنفسها، إلى ما نسميه رفقة هيغل بالتقليلية في الفن، وأليس شعر فنا؟ هذه التقليلية التي لا تُتاح للشاعر (الفنان ها هنا) إلا بعد دربة وقلق ومعاناة الكتابة.
كشاعرة ستنتحرُ عندَ منتصف الليل /استيقظت وأنا أحفظُ اسمي جيّدا /اسمي لين يكونَ غداً /رددته طويلا بصوت عالٍ /حتى فاض حليبُ أميّ الطريّ من كل النوافذ.
فالقصيدة عند غادة الأغزاوي، في ديوانها «قد أعرف أين أمضي» تأتي نابعة من القول الشعري المفعم بالاستعارة والمجاز، فالشاعر لا يحيا إلا عبر الاستعارة ولا يموت إلا عبرها، الموت هنا ميلاد جديد. وكما نابعة من القول الشعري الهادئ والبسيط الخالي من أي فذلكة لغوية أو عضلات الآخرين. إنها قصيدة صادقة بهذا المعنى، لكونها نابعة من ذات الشاعرة وتصوراتها المثلى للشعر، وفهْمها الرصين لفلسفته المعاصرة.
كاتب مغربي
عزالدين بوركة