عندما نتحدث عن التعدد في قصيدة النثر، فإننا نتحدث عن رؤى شعرية مختلفة، استطاعت أن تصنع بنيات نصية جمالية، فالرؤية لا تنفصل عن الشكل، وهي أيضا صانعة الجماليات، مثلما أن الجماليات هي المعبرة عن الرؤية، فبينهما تلاق، أو بالأدق وجهان لعملة واحدة، والعملة هي النص، والوجهان هما الرؤية المنبثقة من الذات في علاقتها بالعالم، وأيضا الشكل الذي يصهر كلا من الذات والعالم في تشكلاته اللغوية والبلاغية.
إن التعدد ضد الفردية والنرجسية التي اعتدنا أن نجدها في ذوات الشعراء، ويعني التعدد أن تصبح الذات الشاعرة أكثر من عقل ونفس وإحساس في النص الواحد، نستشعرها من خلال تعدد الضمائر، أو مخاطبة الذات لذات أخرى تستحضرها في القصيدة، أو الحديث عن الذات بضمير الغائب والمتكلم في آن، أو أن ننظر في أحوال ذواتنا، ومدى علاقتها بأجسادنا، فإما أن نحوّلها أو نبرأ منها أو نجلدها.
ربما يكون هذا المفهوم متواجدا في تجارب شعرية سابقة، ولكن في تجربة قصيدة النثر المعاصرة، يتخذ مناحي مختلفة، لأن تعدد الذات يرتبط بإعادة تقييم الذات لفعلها وإنجازها في الحياة، وأيضا لعلاقاتها مع الآخرين، إذن، الذات تتعدد، وقد تصبح الذوات الأخرى واحدة في نظر الذات المتعددة. وسنتخذ من ديوان «مجرد مرآة مستلقية» الشاعرة الكويتية سعدية مفرح نموذجا في دراستنا، تقول في قصيدة بعنوان «بيننا»:
لها الضوء والصور والأسئلة العائلية
لها رائحة المطبخ وصداع الصغار
لها نافذة تستطيع فتحها، متى شاءت وإجابات عالية النبرة
لها رفقة أزليون وسؤال أزليّ
ولها الآخرون
وأنا؟
أنا لي ستائر مسدلة وتفاصيل
وتفاصيل.. مجرد تفاصيل
فنحن أمام ذاتين كما نعي في ضمائر النص: (لها، أنا)، ولكننا في الحقيقة نجد أننا إزاء ذات واحدة، الأولى تعيش وسط خضم العائلة، بصخب الأطفال وازدحام الحياة اليومية، وهذه هي الأنثى الغائصة وسط العائلة، إنها الأنثى العائلية، المجتمعية، التي تحمل عبء الأطفال والطبخ والضجيج، أما الأنثى أو الذات الشاعرة ( أنا)، فهي صنعت ستائرها التي أسدلتها على ذاتها الخاصة، كي تمارس شعريتها، أو تفردها، أو شغبها، أو ضجيجها، مع نفسها، في خلواتها، حيث تعيش التفاصيل بشكل مختلف. إنها تتأمل حقيقة ذواتنا، عندما نعيش بوجوه عديدة، مع عائلتنا ثم مع إبداعنا الخاص، والغريب أنها جعلت الآخرين (الجميع)، في عينيها ذاتا واحدا، كما في قولها: «ولها الآخرون»، فهم جميع، ولكنهم في نظرها واحد.
ولابد أن ننتبه إلى أن دلالة التفاصيل المتكررة في النص، تعني أمور الحياة ومشاغلها، فهي تغرق الذات العادية المهتمة بالطعام والصخب والأولاد، وتصبح وسيلة للتأمل للذات الشاعرة عندما تسدل ستائرها عليها. والتعدد دال على رؤية متشظية للعالم، وعندما تسطر الذات الشاعرة ما في أعماقها، بكل ما فيه من تنوع وتضاد، سيكون أمرا دالا على اللايقين الذي تعلنه سبيلا وعنوانا، فعقل الشاعر ساع إلى محاولة فهم العالم المحيط أو القبض على الكون الفسيح، وتكون المحصلة صفرا، وعودة العقل إلى الذات خائبا، وتكتفي الذات بالمحاولة من جديد، وتستمر المحاولات بقدر استمرار الأسئلة. وتقول في نص حمل عنوان «هذه الليلة»:
سأستمر في محاولتي الأبدية
لتفسير العالم أو ما يحدث حالا
ومحاولتي الأخرى
لتفسير قصيدتي الجديدة
هذه الليلة
ستكون مورقة بما يكفي لكتابة قصيدة
أو قضم تفاحة عبقة
أرادت الذات أن تفسر العالم ففشلت فلجأت إلى تفسير قصيدتها الجديدة، فلم تستطع، كلها أمل في ليلتها أن تصل إلى نتيجة مثمرة. إنها قصيدة الحالة، أي التي تعبر عن حالة الذات في لحظة معيشة ما، لم تخرج منها، لأنها جعلت نهايتها مفتوحة؛ إما كتابة قصيدة أو التهام تفاحة طيبة الرائحة، وأيضا لم نعلم كيف دخلت في الحالة أو مسبباتها، وإنما قرأنا الحالة في منتصفها بالفعل «سأستمر» الذي يعني دأب المحاولة وتكرارها. بدأت الحالة بالسعي إلى تفسير يقيني للعالم من حولها، ولأن اليقين مفقود والذات أقل كثيرا مما نتخيل، فإنها أرادت تفسير نص شعري/ قصيدة، وهذا سهل لأن الذات الشاعرة تتحدث عن نفسها، فهي تملك النص الشعري الذي هو من إبداعها، ولكنها تكتشف عقم محاولتها، فالنص يتخلق في أعماقها، ولكنها لا تدري أن تخلّق النص في النفس لا يعني امتلاك النفس المبدعة له، والدليل أنها غير قادرة على تفسيره ولا حتى القبض عليه لمعرفة تكوينه، وإلا لما قضمت التفاحة. بعبارة أخرى: نكتشف أن الذات صورة من العالم الذي لا نستطيع فهمه، مثلما لا نستطيع أن نعي حقيقة ذواتنا. وهذا لا يقين جديد، يشمل الذات الشاعرة، مثلما يشمل العالم من حولنا.
ومع فقدان اليقين، تحاول الذات الشاعرة قراءة العالم بشكل مختلف، فما دام اليقين الفكري مفتقدا، فلتبحث عن الحقيقة الموجودة، وما دام تلاقي الأفكار ضائعا، فلتنظر في المتناقضات والمتضادات، دون التوقف عند مفهوم التضاد بلاغيا، حيث يكون التقابل في المعنى واللفظ، فقد يأتي التضاد بين لفظين ظاهرهما عدم التضاد وسياقهما التضاد بعينه، وقد يكون التضاد/ الطباق/ التقابل برؤية البلاغة واقعا، بل يعتمد النص عليه.
وتقول في نص بعنوان: «نسبية»:
أسود وأبيض
بارد وساخن
عالٍ ومنخفض
بعيد وقريب
إلخ
نبحث عن أحدهما دائما
وفيما بينهما تبدأ يومياتنا
وتنتهي
هنا إبحار في المتضادات المعتادة ؛ الأسود والأبيض، البارد والساخن، العالي والمنخفض، البعيد والقريب. لعل الذات تصل إلى يقين ما، أو فهم ما، ولكن الحقيقة أن هذا البحث بين المتضادات، لن يوصلنا إلى شيء، لأننا سنتعلق تلقائيا بأحد طرفي النقيض/ التضاد، فإما نكون مع القريب أو البعيد، فلا يعقل أن نحتوي الاثنين، وهكذا تمضي حياتنا، إنه وجه آخر لقراءة التناقض في عالمنا، ذلك أن الذات هي التي تختار من نفسها أن تكون طرفا، لأنها ببساطة غير قادرة على أن تكون محتوية للطرفين وما بينهما من درجات. والغريب أنها انحصرت في اليوميات في نهاية الأمر، ربما لأنها حقيقة تملكها بدلا من الإبحار في ماض ضائع وغد غير واضح، وحاضر لا نستطيع إلا فهم ما حولنا فيه.
وتقول في نص بعنوان: «سادة»:
موتى يتناسلون
يتبادلون بعضهم
روحا بروح
وجثة بجثة
يمضون إلى موائد القبور متخمين
وينسون
الموت حقيقة، والموتى جزء منها، بل هم الحقيقة المادية فيه، فكما نراهم أحياء، نراهم أيضا أمواتا، ولو نظرنا إلى كل من حولنا من بشر سنكتشف أننا موتى أحياء على الأرض، أو أحياء سيموتون يوما، جثث متحركة، وأرواح ستطير إلى بارئها، هذه الحقيقة الأولى، أما الحقيقة الثانية فهي أن الموتى يُنسَونَ مع دفنهم من جانب أحبائهم الأحياء.
اكاديمي مصري
مصطفى عطية جمعة