في التعريفات السائدة يُعرّف التروبادور بأنه النوع الشعري الذي ساد في الفترة ما بين نهاية القرن الحادي عشر وبداية القرن الرابع عشر في مناطق الجنوب الفرنسي المعروفة بالميدي، التي تَحدٌّ بإسبانيا والبحر المتوسط جنوبا وإيطاليا شرقا والمحيط الأطلسي غربا. وكان شعراؤه يؤلفون قصائدهم بلغة الأوك، وهي لغة رومانية كانت منتشرة في الجنوب الفرنسي، وفي الشمال الغربي الإيطالي .
أمّا مضامين تلك القصائد في هذه الفترة فكانت حماسية وتتراوح ما بين الهجائية والمدحية، وكان يتمّ تناقـُلها بين قصور النبلاء. وقد انصهر هذا التيار في مرحلة لاحقة بالتيار الغنائي المسمى trouvère الذي يشترك معه في الجذر نفسه trouver/trobar كما هو ملاحظ.
بينما يذهب فريدريك دييز، في كتابه الموسوم «شعر التروبادور» إلى تقديم هذا اللون الشعري بقوله: «نحدد إجمالا تحت مسمّى التروبادور الأشعار التي تنوعت عبر مجرى القرنين السابع عشر والثامن عشر في إطار اللغة البروفانسية». ويعقب قائلا: «وليس هنا البتة مجال تحديد المصدر وربطه بالأصول اللاتينية ، فالمؤكدّ أن التروبادور عرف كأول شعر ينظم باللغات الأوروبية المحلية بدل اللغة اللاتينية». ومن هنا تبرز صعوبة البحث عن أصول التروبادور، حتى أنّ بعض الباحثين أراد العثورَ له على مؤسسة ذات أصول كلتية أو غالية )نسبة إلى بلاد الغال( وأن يقرنوها بالشعراء البروتون الفرسان. ولكن حدوسهم تلك ظلّت مجرّد فرضيات تخلو من الاتساق. ولذلك يبقى من الأفضل النظر في الأسباب الاجتماعية والسياسية للنتاج العفوي للشعر البروفنسالي، إذ أن القوانين المرنة نسبيا في منطقة البروفانس بالجنوب الفرنسي شجعت على انتشاره وكانت موسومة بخاصية التهذيب في ظل حياة آمنة ترعاها حكومة هادئة لمجموعة من الإمارات الصغيرة المتأنقة في مظهرها الحضاري الذي يتأكد معه الأثر النوعي الإضافي للإسبان المجاورين الذين كانوا أكثر تقدما في الحضارة، بعدما استمدوا بدورهم الأثر من عبقرية العرب الفاتحين ومن شهامة فرسانهم وأخلاقهم النبيلة. ومن هنا يبدو تأثير الموشحات الأندلسية وقصائد الزجل التي كانت شائعة في العصر الأندلسي واضحاً في شعر التروبادور، مع فرق بسيط يتمثل في كيفية التعاطي مع الموسيقى. إذ كان شعراء التروبادور يعتمدون على الغناء المنفرد مع مرافقته بالعزف على آلة موسيقية وترية. أمّا شعراء الموشحات العرب فكانوا يعتمدون على الكورال أو الجوقة الموسيقية.
وتعني كلمة تروبادور في اللغة البروفانسية وجَد أوابتكر كما يوضّحها اللفظ الفرنسي trobar/ trouver. أمّا المعنى الاصطلاحي فيعنى بتبيانٍ فصيحٍ الشاعرَ الممارسَ للفنّ أو الشّاعرَ الفنان. وعلى نحو مقارب فهذا يبدو شبيها بالشاعر الشعبي. وهناك من ربط التسمية بفترة رامبو البرتقالي في القرن العاشر، بينما هي تعود إلى أبعد من ذلك. فلقد استعمل غيوم دوبوتييه من قبلُ كلمة التروبادور بمعنى نظم الشعر، حيث يمتدُّ الاختراع بقوة إلى الشكل الذي استقبل صيغ الفن أي الشكل الموسيقي أو الترتيلي، حيث لم تكن كلمة التروبادور تطلق إلا على الشعراء الغنائيين. ولكن الأمر لا يعدّ صائبا لأن الرواية والقصة، على الرغم من بعدهما عن ذروة الأغنية، كانا يقتربان من الشعر الشعبي من خلال بساطة الأسلوب أو الشكل المفتقر إلى الفن، أي الغنائية الأكثر بساطة. وهذا يجعلنا نفهم ما نقلته المخطوطات المحفوظة عن إلياس فونسادا، بأنه لم يكن شاعرا تروبادوريا حقيقيا، وإنما كان فقط مؤلف قصص. وهكذا فإنّ التقابل بين الطرفين المتنافسين آل إلى مآل حسّاس حين نرى إلى أيّ حد يغضب جيرود دو بورناي، من الاستقبال الملائم الذي تلقاه القصص والروايات في البلاطات: «أكون مندهشا وأنا أسمع في البلاطات مجرد صرخة (حكاية مروية) تحظى بكثير من التصفيق تفوق ما تحظى به أغنية نبيلة حول أشياء رفيعة بصدد الزمان وأيام السنة». إن شعراء التروبادور يبحثون خاصة على أن يغمروا بالسعادة التركيبات العالمية للشكل. فها هنا يكمن التروبادور كمصطلح متخصص بامتياز، بحيث أنّ الشعراء لا يرون فنّهم إلا كما يجب أن يمارس بحسّ وذكاء ومعرفة. وهم يندفعون إلى الحضور الدؤوب الذي يصلونه بتشكيل أغانيهم ويقولون في شأن ذلك بأنهم يستعملون المبرد (آلة الصقل). فهم يبنون ويلحمون ويطهّرون ويصقلون قطعة ما ويقدمون الدليل على عمل ينطوي على جهد. وفي كثير من الأحيان يعبّرون عن قلقهم من أنْ تُبتر أغانيهم، جرّاء الإهمال أو سوء الرعاية. يقول جوفر ريدال: «إنّ السعادة التي أنشدها لأغنياتي هي أن لا يبتر منها شيء وأن يكون كلّ شيء في مكانه. وإنّ من سيحفظها عليه أن يحرص على أن لا يتغير منها شيء مهما كان». ويقول آخر: «لَكـَم جرعْت في تأليف أغنياتي منْ تعاسة» وأما ماركابرون فكان يحسن التركيب ويسلسل عبر هذه الطريقة معرضا واضحا من محكي الأحداث ومنظوم الأبيات، بحيث لا يستطيع أحد أن يحذف شيئا. ومن هذا المنطلق فإن الممثلين المأجورين لأداء هذه الأغنيات المحكية كان يمكنهم بسهولة كبرى أن يغيروا النص.
وفي العادة لم يكونوا يتلقون سوى اتصالات شفهية ولا يتوفرون على قطعة الإنشاد إلا عبر الذاكرة. وإن هذه البراعة الفنية الراقية في الأداء كانت على العموم تعتبر مهنة، بل حتى الملوك أنفسهم لم يكونوا يزدرون الشهرة التي كانت تقتصر عليها. أما بالنسبة للشعراء فإن حبّهم الشخصي لقصائدهم كان في كل مرة يحظى بقدر زائد من التوضيح والتفسير. فهذا بيرول يقول موضحا: «يتعيّن أن أغني جيدا لأنّ الحبّ منحني الموهبة وعلّمني كيف أصنع أبياتا جميلة، ولولا ذلك ما كنت لأغدو مغنيا أو يعرفني الكثيرُ من الأشخاص الشرفاء». وأما راكمون غوسليم فهو يبدو أكثر بيانا من خلال قوله : «في كل مرة حللت بمكان، يقولون لي ياراكمون، هل أعْددت لنا شيئا جديدا؟ فأجيبهم في الحين بلطف وصداقة، لأنّني أحبّ أن يتحدثوا عني قائلين: أنظروا ذلك الذي يتقن صناعة القصائد والأغاني». وإن شعراءنا التروبادور هؤلاء يذكرون أيضا بنوع من الرضا أن الناس سيشتكون صمتهم وسيكون ذلك بمثابة الحافز لدعوتهم إلى الغناء. وإنّ أكثرهم هم بالأساس شعراء البلاط وهم يزاوجون في الوقت نفسه بين الغناء والعزف على الآلات. والذي لا يتوفر على هذه المزية فهو يلجأ في العادة إلى إلحاق شخص آخر ينوب عنه في الأداء. وإن العديد منهم كانوا ملحنين وكانوا يؤلفون أغنياتهم بأنفسهم. وهذا ما كانوا يصرون على التنبيه عليه في بداية أو في خاتمة العرض. يقول أحدهم وهو غيوم دو بواتييه: «إن أبياتي كلها ذات طول متوازٍ وأنا أستفيء من الجوّ الذي كيّفته فهو جوّ ممتاز». أما مهارة الإلقاء بصوت مرتفع للمحكيات الشعرية فقد لاقت أيضا نوعا من الاستحسان في زمن كان توجد فيه عبر كل مكان آذان ممتدة لسماع المعجزات والمغامرات ولكن نادرا ما كانت توجد عيون قادرة على قراءتها. كما يتبين أيضا أن عددا من الشعراء كانوا يمتلكون مهارة الكتابة، وإلياس كيريل كان يعدّ من هؤلاء الماهرين، وترجمة حياته تمنح المجال لملاحظة ذلك. أما أرنو كوتينياك فيصرّح خُفْيةً بعجزه حينما يلتمس من رجل دين كتابة بعض الأغنيات. أما غيرو دوكا لانسون فهو يذكر أغنية لشاعر آخر كان التمسه للتأليف. وإنّ الأمر كان يحثّ على اللجوء إلى الإملاء. ومن هنا ندرك إذن لماذا يترادف الإملاء لديهم مع نظم الشعر.
وإجمالا فإن بحث أسلوب التروبادور الموصول بالتحبيك وبالتأمل العميق الموسوم أحيانا بالمنحى التصوفي، جعل الباحثين يقربون هذا الشعر من الثقافة المشرقية ولاسيما في منابعها القديمة. علما بأن كثيرا من شعراء التروبادور تلقوا تكوينهم وتنشئتهم في الأديرة.فتجد أحدهم يتحدث عن معرفة أفلاطون وعبقرية فيرجيل والآخر عن يورفيري، وغيرهما يلمّ بأوفيدو ويستمد المقارنات من الرموز الأسطورية، لكن بمجرّد بلوغ اللون الوطني تمّحي أشكال المحاكاة الأجنبية. وإنّ المنْحى المشرق الجريء والملمح الخفيف لهذا الشعر، والأفكار التي تغذّيه وحماسه الزائد وقوة انتقاده وطريقة نظمه خاصة، كلّ ذلك يجعل منه بحق نوعا أدبيا أصيلا بامتياز.
٭ كاتب مغربي
عبد السلام ناس عبد الكريم