شغف الإفرنج بالإسلام وغريزة المستشرقين الموروثة

حجم الخط
1

ما زال موضوع تتبع النزوع الغربي المبكر، المعرفي والديني، نحو آثار الثقافة العربية – الإسلامية المدونة ومقاصدها الحضارية والإنسانية، مبعث جدل سديد وسط المفكرين العرب ومؤرخي التفاعل الحضاري المتبادل بين العالمين العربي الإسلامي والنصراني اللاتيني في العصر الوسيط. ولا مراء أنه لا تماثل واضح يضع حداً لهذا السجال المديد، وتحديد زمن نشوء اهتمام الأوساط الغربية المنظم بنجازات الفكر الإسلامي المقروءة. فبعضهم ينسب نزوع الكتاب واللاهوتيين النصارى وانجذابهم نحو جمع آثار المعارف الإسلامية ودراستها إلى القرن الحادي عشر الميلادي، الذي اتسم بتعاظم حملات المؤمنين النصارى لزيارة مهد السيد المسيح وبيت المقدس وما هو متصل بتاريخهم المقدس في فلسطين، واستثمارها في إنماء العلوم الإنسانية والطبيعية والارتقاء بالتعليم والتهذيب، وإثراء الحياة الاجتماعية والثقافية، والانتعاش الروحي في غرب أوروبا النصراني الناهض للتو، ورصد مواطن تفاعلها المعرفي مع حضارات الشرق القديم ودياناته السماوية والوضعية. فيما يعزو البعض الآخر اشتغال الإفرنج المنظم باللغة العربية وميراثها المكتوب إلى النصف الثاني من القرن العاشر الميلادي، ويربطونه بأعمال المترجمين الفرنجة الأوائل، وأبرزهم الراهب الفرنسي جرير دي أورياك (940-1003)، الذي قصد الأندلس وتتلمذ على أساتذتها في أشبيلية وقرطبة حتى أصبح أوسع علماء عصره ثقافة بالعربية والرياضيات والفلك، شغل أواخر عمره كرسي بابا روما وَعُرِفَ بسلفستر الثاني، والتوغل معرفياً في ما كُتب فيها من العلم الطبيعي والطب والفلسفة (نجيب العقيقي المستشرقون). وما أن بلغوا أغوار علومها حتى شرّعوا في نقل منتخبات إلى اللاتينية، ذات أهمية ملحة للإبداع الفكري واهتمامات المجتمع اللاتيني والكنيسة النصرانية. وتدريجياً، يلاحظ المستشرق رودنسون في «تُراث الإسلام»، انتشرت ثروة العرب والمسلمين العلمية والأدبية في أوروبا. وحينها لم يجر البحث في المخطوطات العربية عن تعاليم الإسلام وقيمه أو العالم الإسلامي، بل عن المعرفة الموضوعية للطبيعة. ويرى أن بعض المجتهدين الأوروبيين حاولوا زيادة ذخيرة المعرفة النظرية عن العالم والإنسان، وكانوا قد علموا أن لدى المسلمين ترجمات عربية للأعمال الأساسية للعالم القديم، وأنهم كانوا مطلعين على مؤلفات كاملة في علوم الدين والطبيعة والفلسفة. وهذا ما كان له أثر عظيم في إنجازات الحضارة الأوروبية مع تعاقب العصور.

كيد المترجمين ووعي مزايا القُرآن الجميلة

على أن اهتمام الغرب النصراني المبكر بالثقافة والعلوم الإسلامية، حسب محمود زقزوق، يتمثل في الصراع الذي دار بين العالمين الإسلامي والنصراني في الأندلس وصقلية، وأيضاً اندلاع الحروب الصليبية التي دفعت الأوروبيين إلى الاشتغال بتعاليم الإسلام وإرثه الحضاري وعاداته. وحينئذ تباينت مقاصد المشتغلين الفرنجة بالإسلام، عقيدة وحضارة. فبينهم من قصد الافتراء على الدين الحنيف، فيما رغب معشر منهم في الاستنارة بعلوم الإسلام وسبر غور عقيدة التوحيد، وحينها كان للعلماء والمجتهدين المسلمين (ترجمات عربية للأعمال الأساسية للعالم القديم)، فيما كانت أوروبا القرون الوسطى (متأخرة قياساً بالشرق مسيحياً كان أم مسلما). وبفضل المستنيرين الفرنجة أدت تفاعلات (التقاء تيار الاهتمام الفكري بالإرث العلمي الإسلامي بتيار حب الاستطلاع عن الإسلام، الذي ساد على المستوى الشعبي، إلى ولادة ذلك الجهد الكبير الذي قام به رئيس رهبان كلوني بطرس المُبجل، الذي تجسد في تشكيل جماعة من المترجمين يعملون كفريق لنقل كتابات دينية إسلامية إلى اللاتينية. والمعروف أن بطرس المُبجل كان وراء ظهور أول ترجمة لمعاني القرآن الكريم إلى اللغة اللاتينية أعدها عام (1143) الإنكليزي روبرت كيتون. ورغم أن المرء، يقول المستشرق فرانز روزنتال في «تراث الإسلام»، قد يميل إلى أن يدرج هذا العمل في سلك الأعمال الأدبية، فإنّه جاء في الواقع بعيداً عن ذلك. ويضيف؛ حتى لو كان لدى المترجمين أي وعي بالمزايا الجميلة لأسلوب القُرآن، وهو أمر مشكوك فيه، فإن الإعجاب بهذه المزايا، أو إظهار أي التفات نحوها، كان أبعد ما يكون عن مقصدهم. ويعتقد المستشرق روزنتال أنَّ غرض المترجمين الوحيد هو الوصول إلى فهم عميق للتفكير الديني الكلامي عند المسلمين. واستغلال ما كانوا يتصورون أنّه مواطن الضعف فيه. وتذكر المصادر أنَّ أول مترجم لمعاني القُرآن الكريم، كيتون، كرس معارفه للكيد والافتراء على الإسلام وتشويه تعاليمه الحنفية، واعتبر (الدين الإسلامي هرطقة نصرانية).

التشبه بالعرب في لباسهم وحدود الكنيسة

وما هو نقيض لهذا المنهج غير المنصف، نجده في أعمال فريدريك الثاني حاكم صقلية وقد اتخذ موقفاً صائباً من العرب والإسلام. وكان (يعرف العربية، ويتشبه بالعرب في لباسهم وعاداتهم، ويتحمس للثقافة والعلوم العربية الإسلامية، وكانت هذه العلوم تدرس بشغف في قصره وأصبحت في متناول اللاتينيين). ويذكر العلامة الهولندي ت. دي بور في «تاريخ الفلسفة في الإسلام» أن الإمبراطور فريدريك الثاني أسس جامعة نابولي عام (1224)، وجعل منها أكاديمية لإدخال علوم اللغة العربية والإسلام إلى العالم الغربي. ويرى الباحث إ. رانيلا أن الجانب الأكبر من المعارف الإغريقية التي تضمنت العلم والفلسفة، وصلت الغرب عن طريق البيزنطيين من خلال الترجمات العربية عن الإغريقية. وقد نَمّى العرب هذه المعارف وانتقلت عنهم في العصور الوسطى إلى اللغة اللاتينية. ويلاحظ رانيلا أن مشروعات الترجمة الكبرى إبان القرن الثاني عشر في إسبانيا وصقلية كانت جسورا انتقلت عبرها المعارف العلمية من العرب إلى غرب أوروبا التي كانت في مرحلة بدائية.، ونعرف أيضاً، من كِتاب «المستشرقون البريطانيون» لآرثر آربري المختص بالتصوف والأدب الفارسي، أنّه وبعد صدور قرار مجمع فينا الكنسي عام (1312) القاضي بإنشاء كراسي اللغة العربية في بعض الجامعات الأوروبية، بدأ المستشرقون الأوروبيون يهتمون بشكل منظم في جمع المخطوطات والآثار العربية والإسلامية. وزاد اهتمام المستشرقين المحدثين بتاريخ وثقافة وآداب العرب والمسلمين في القرن السابع عشر في أعقاب إنشاء منصبي أستاذ لتدريس اللغة العربية وآدابها، أحدهما في جامعة كامبردج (1633)، والآخر في جامعة أكسفورد (1636). وقام الأساتذة الذين شغلوا هذين المنصبين بتدريب جيل من الطلبة على استخدام اللغة العربية وآدابها، وبتوجيهه إلى الاهتمام بالمخطوطات العربية والإسلامية وجمعها، ونشر النصوص العربية وترجمتها إلى اللاتينية أو الإنكليزية. يذكر محمود زقزوق في «الاستشراق والخلفية الفكرية للصراع الحضاري»، أنّ هذا القرار «نص صراحة على خدمة هدفين؛ الأول تجاري والثاني تنصيري». وأورد خطاب المراجع الأكاديمية في جامعة كامبردج (9/5/1636)، التي كشفت عن أهداف إنشاء كرسي اللغة العربية؛ «إنّنا لا نهدف من هذا العمل إلى الاقتراب من الأدب الجيد بتعريض جانب كبير من المعرفة للنور بدلاً من احتباسه في نطاق من اللغة التي نسعى إلى تعلمها، ولكننا نهدف أيضاً إلى تقديم خدمة نافعة إلى الملك والدولة عن طريق تجارتنا مع الأقطار الشرقية، وإلى تمجيد الله بتوسيع حدود الكنيسة والدعوة إلى الديانة المسيحية بين هؤلاء الذين يعيشون الآن في الظلمات».

تحامل المستشرقين غريزة موروثة

ولعل الصورة المشوهة التي تشكلت في مخيلة الفرنجة وآدابهم عن تعاليم الإسلام وتاريخه وإرثه المدون والمنقول شفهياً، في رأي المفكر النمساوي أسد، كانت مدبرة على أساس يضمن التأثير في موقف الأوروبيين من (الوثنيين). كما أن المستشرقين الأولين في العصور الحديثة (كانوا مبشرين نصارى يعملون في البلاد الإسلامية). غير أن هذا التشويه المقصود، الذي لاحظه المفكر أسد استمر، (مع أن علوم الاستشراق قد تحررت من نفوذ التبشير ولم يبق لهذه العلوم عذر وحمية دينية جاهلة تسيء توجيهها). ويبدو تحامل المستشرقين على الإسلام، في كتابات المفكرين المنصفين، غريزة موروثة، خاصة طبيعة تقوم على المؤثرات التي خلقتها الحروب الصليبية بكل ما لها من ذيول في عقول الأوروبيين الأولين. ومن المهم أن نذكر باقتضاب مبررات مواقف المستشرقين واللاهوتيين الغربيين غير العادلة تجاه الإسلام والمسلمين، كما أوضحها محمود زايد؛1- الخوف من الإسلام بوصفه ديناً يتزايد انتشاره يوماً بعد يوم حتى في قلب أوروبا ذاتها، وبوصفه حركة تهدف إلى توحيد العالم تحت لوائه. 2- أن كثيراً من المشتغلين بتاريخ العرب والإسلام كانوا من القساوسة الذين عملوا بالتبشير وتعاونوا مع الدوائر الاستعمارية، أو من رجالات الإدارات الاستعمارية. 3- تأثير المذهب العقلي الذي تمخض عنه تقدم العلم والتقنية في القرن التاسع عشر. وقد أدى هذا فيما أدى إليه انتشار (اللاإدرية)، التي ينكر أصحابها الخوارق ويؤمنون بأن الحقائق الوحيدة التي يمكن إقامة الدليل عليها هي الحقائق العلمية.

لوبون:؛ العرب فاتحون متسامحون

بلا شك أن عقيدة التحامل والكيد على الإسلام والمسلمين غير المبررة أبداً هزت وبشكل فادح مصداقية الاستشراق الغربي وأصوله المعرفية ورسالته العلمية ومداه الحضاري، الأمر الذي نحى به إلى الابتعاد عن مصادر رسالة الإسلام السماوية وتعاليمه السمحة، واللجوء إلى تفسير ظهوره وانتشاره وما سطر في القرآن الكريم من كلام الله وأصول عقيدته وسيرة الرسول (ص)، إلى صور وروايات يغلب عليها الوهم والتشويه المهين والأساطير المشبعة بالجهل والضلالة، التي لا تمت بتاتاً بصلة ما إلى طهرانية الإسلام وتعاليمه وفرائضه ومناسكه عابرة القرون. ولعل المستشرق أرنولد شوبرت على حق حين أكد أن صورة الإسلام في الغرب قاتمة، بسبب الموقف العدائي تجاه هذا الدين السماوي، منذ العصور الوسطى، وما تبعها من احتلال الغرب لبلاد العرب، وإذلاله لها مادياً ومعنوياً. ولاحظ أن الصهيونية تساهم في تشويه الصورة وتدمغ الإسلام بأنه دين «إرهابي دموي»، من أجل تخويف الغرب منه ومن انتشاره، وبهدف وقف زحفه. غير أنّنا نجد في إكبار المستشرق الألماني هردر للقرآن الكريم ولغته العربية وتراثهما الثري المديد ما ينصف الإسلام ومنجزاته الحضارية؛ (لو توافر للجرمان الذين غزو أوروبا كتاب شبيه بالقُرآن لما غدت اللاتينية أبداً سيدة لغتهم، ولا تفرقت قبائلهم وظلّت في كل سبيل). وأخيراّ يتعين علينا أن نُذكّر بقول المستشرق لوبون الذي يعتقد أن حلم العرب وتسامحهم كان من الأسباب السريعة في اتساع فتوحاتهم. وفي سهولة اعتناق كثير من الأمم لدينهم ونظمهم ولغتهم. ويقرر أن الأمم لم تعرف فاتحين متسامحين مثل العرب، ولا دينا مثل دينهم. ربما لأن العرب المسلمين نظروا إلى الميراث الحضاري للشعوب التي فتحوا بلدانها نظرة المؤمن إلى الحكمة التي ينشدها.

٭ باحث وأُستاذ جامعي عراقي ـ روسيا

شغف الإفرنج بالإسلام وغريزة المستشرقين الموروثة

ناظم مجيد حمود

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية