شقراوتا ترامب في مؤتمر القمة

مثلت زيارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب التاريخية للمنطقة حدثا مركزيا في النقاشات التي دارت طوال الاسبوع الماضي، ومادة أساسية للأخبار والقصص الصحافية، التي تناولت كل تفصيلة مهما كانت صغيرة أو كبيرة في الزيارة. فالزيارة اعتبرت تاريخية، لانها الزيارة الاولى في تاريخ الولايات المتحدة التي يقوم بها الرئيس كفاتحة لتحركاته الخارجية وتكون في دولة شرق اوسطية عربية اسلامية، وكان بصحبة الرئيس وزير خارجيته ريكس تيلرسون، وجاريد كوشنر كبير مستشاري البيت الابيض، وصهر الرئيس ترامب فهو زوج ابنته ايفانكا، التي كانت ضمن الفريق المرافق للرئيس، دون ان يعلم احد الصفة التي تتواجد بها، بالاضافة طبعا إلى السيدة الاولى زوجة الرئيس ميلانيا ترامب.
فهل خرق الرئيس العرف البروتوكولي باختياره للفريق المصاحب له، كما خرق التوقعات في اختيار الدولة التي ابتدأ رحلته الخارجية الاولى بها؟
السيدة الاولى منصب اجتماعي ذو ابعاد سياسية، له اهمية اجتماعية وبرتوكولية في حياة الامريكيين، ومسيرة ميلانيا كينوس ترامب يشوبها الكثير من علامات التعجب والاستفهام، فهي مهاجرة سلوفينية ولدت عام 1970 في يوغسلافيا السابقة، وهاجرت منها إلى الولايات المتحدة الامريكية، حيث وصلت ارض الاحلام عام 2001 وحصلت على الجنسية الامريكية عام 2006. عملت في مهن متواضعة مختلفة منها فتاة اعلانات، تزوجت الملياردير دونالد ترامب 2005 واصبحت السيدة الاولى عام 2017، لذا هي نموذج لفتاة مهاجرة حصلت على فرصتها الذهبية في ارض الاحلام التي يتخيلها المهاجرون. بينما نجد مسيرة ابنة الرئيس ايفانكا ترامب تمثل الوجه الاخر للمعادلة الامريكية، البنت التي ولدت عام 1981 وفي فمها ملعقة من ذهب لأب ملياردير، ملكة جمال المراهقات في الولايات المتحدة عام 1997، عملت بعد ذلك في مجال الموضة والازياء، بالاضافة إلى عملها الكبير والناجح في صحافة تلفزيون الواقع الذي برعت فيه، وعندما ارادت الزواج ارتبطت عام 2009 بمليونير يهودي شاب ناجح في مجال الاستثمار العقاري هو جاريد كوشنر، الذي عرف بعد ذلك بكونه الذراع الايمن لدونالد ترامب في امبراطوريته المالية، والذي عينه بمجرد تسنمه سدة الرئاسة بمنصب كبير مستشاري البيت الابيض، فهل كل هذه المعلومات ستقودنا لما حصل في زيارة الرئيس للرياض؟
جرت العادة ان يختار الرؤساء الامريكيون في غضون اول شهرين من تسنمهم سدة الحكم، احدى دول الجوار لزيارتها، وكانت العادة ان يذهب الرئيس لكندا او المكسيك، ثم يقوم بعدها بجولاته الخارجية، بحسب جدول أعماله واجندته الخارجية، لكن الرئيس ترامب بتفرده المفاجئ على كل الاصعدة، اختار لجولته الاولى ثلاث دول ذات دلالات دينية غير خافية، وهي السعودية التي تضم اقدس الاماكن الاسلامية، وفلسطين وفيها اقدس الاماكن الاسلامية والمسيحية واليهودية ثم الفاتيكان اقدس الاماكن المسيحية، وقد جاء في كلمة ترامب في مؤتمر القمة العربية الاسلامية الامريكية في الرياض «سأزور الاماكن المقدسة بالنسبة للاديان الابراهيمية الثلاثة، لأقول ان بالامكان تعايش الجميع في هذا العالم، اذا نبذنا العنف والارهاب». وبالطبع لم يحدد ما هو الارهاب ومن هم الارهابيون الذين يجب ان ننبذهم وكيف.
ومن المعروف ضمن بروتوكول الزيارات الرئاسية، ان يستقبل الرئيس الضيف الرئيس المضيف، اما اذا كان الضيف مصطحبا معه زوجته، يتوجب حينها على المضيف ان يصطحب زوجته ايضا، فاذا تعذر ذلك، فإن القائمين على ترتيب الامر يبلغون الضيف بذلك، لتجنب خروقات البروتوكول، وهذا ما شاهدناه في اجراءات استلام وتسليم السلطة في قصر الاليزيه في باريس قبل ايام، اذ ان البروتوكول يشير إلى قدوم السيدة الاولى مع الرئيس الجديد في يوم الاستلام والتسليم، ولكن لخلو قصر الاليزيه من السيدة الاولى، لان الرئيس اولاند مطلق ويعيش وحيدا، لم يصطحب الرئيس ايمانويل ماكرون زوجته بيريجيت ماكرون في وقائع الاستلام والتسليم.
لكن قد يختلف الامر نسبيا في الزيارات الرسمية التي يقوم بها رؤساء او مسؤولون لدول الخليج، حيث انهم يتفهمون الخصوصية الاجتماعية والدينية لهذه البلدان، ويقدرون خصوصية وضع المرأة في هذه المجتمعات، فيتم التهاون مع بعض قواعد البروتوكول، فلا وجود للسيدة الاولى في هذه الدول، لأنها لا تظهر في المناسبات العامة، لذلك جرت العادة على أن يستقبل الملك، أو الامراء الضيف وزوجته دون وجود نسوي من طرف المضيف، كما جرت العادة أن تحضر السيدة الاولى بعض مراسم الاحتفاء بالضيوف مثل المهرجانات او النشاطات الفنية والثقافية، لكن الكثيرين تفاجأوا من الفريق الامريكي الذي حضر القمة العربية الاسلامية الامريكية في الرياض يوم الاحد 21 مايو 2017، فهي قمة رسمية حضرها رؤساء وملوك وزعماء 55 دولة، في اكبر تجمع من نوعه، بينما تمثل الفريق الامريكي بالرئيس ترامب طبعا يرافقه وزير خارجيته ريكس تيلرسون، والسيدة الاولى ميلانيا ترامب، والابنة الاولى كما يطلق على ابنة الرئيس في الولايات المتحدة ايفانكا ترامب وزوجها كبير مستشاري البيت الابيض جاريد كوشنر.
مئات المسؤولين والزعماء من مختلف دول العالم جلسوا في قاعة القمة العربية الاسلامية الامريكية وجلست مقابلهم شقراوتان لا محل لهما ولا علاقة بكل ما يدور، القمة تناقش الارهاب ومعالجة القضايا الساخنة في المنطقة وصفقات التسليح وولادة التحالفات الجديدة، بينما الشقراوتان المختصتان بالجمال والموضة تنظران إلى هذا التجمع السياسي وترسمان بسمات ناعمة على وجهيهما، ألم يسأل أحد المضيفين او منسقي اللقاء من ادارة ترامب عن سبب هذا الخرق البروتوكولي؟ ولنطرح السؤال بصيغة مقلوبة لتقريب وجهة النظر؛هل حضر فيليب ماي زوج رئيسة الوزراء البريطانية تيريزا ماي معها جلسات القمة الخليجية البريطانية في ديسمبر الماضي؟ بالتأكيد لا، لانه لا صفة رسمية له تؤهله لحضور المؤتمرات والاجتماعات الرسمية، أو هل يحضر يواكيم ساور زوج أنغيلا ميركل في جولاتها الرسمية ويحضر لقاءاتها الخاضعة للعرف البروتوكولي، بالتأكيد لا، اذن ما الذي حصل؟ هل هي شطحة من شطحات الرئيس دونالد ترامب فقط؟
عزا بعض المدققين في سيرة الرئيس ترامب الرئاسية القصيرة، أمر حضور زوجته وابنته النشاطات الرسمية، لعدة اسباب منها، ان ترامب متهم بسوء معاملة النساء في حياته العملية والشخصية، وقد كانت هذه النقطة إحدى اهم نقاط الضعف التي هوجم من خلالها اثناء الحملات الانتخابية، لذلك هو يحاول ان يرد على الامر في بلد تعاني منه المرأة من قيود كثيرة، من خلال إظهار زوجته وابنته بمواقف القوة امام تجمع رئاسي بهذا الحجم، ومن ناحية ثانية كانت زوجة ترامب البطن الرخو الذي كادت تطيح به في حملته الاولية للترشح عن الحزب الجمهوري، امام منافسه السيناتور الجمهوري تيد كروز، حيث لجأ المتنافسان للضرب تحت الحزام، عندما نشر مقربون من تيد كروز صورا عارية قديمة لميلانيا زوجة ترامب عندما كانت تعمل فتاة اعلانات في مجلة (GQ)، فما كان من ترامب العصبي الا ان يهدد علنا بتغريدة على تويتر منافسه تيد كروز بنشر فضائح زوجة كروز الجنسية، اذا تطلب الامر ذلك، كل ذلك جعل اخصائيو لغة الجسد يركزون كثيرا على وجود ميلانيا في اللقاءات الرسمية مع الرئيس وطريقة تعامله معها، والطريقة الفجة التي تفلت منه في بعض التصرفات التي يوجهها لها، ولانه معروف بأنه حرون ويعشق التحدي، فقد سعى لإظهارها في هذه الزيارة حتى في الاجتماعات الرسمية التي يرفض البروتوكول حضورها فيها.
اما ردود فعل الشارع العربي، التي يمكن ان نستشعرها من انعكاساتها على وسائل التواصل الاجتماعي، فقد كانت ساخنة وساخرة ومرتكزة على مجموعة من القفشات المركبة على فيديوات الزيارة، التي قامت على مفارقة وجود الشقراوتين وسط حشود رجالية ناظرة لهما باحترام وخوف مشوب بشهوة مكتومة، تقابلها ضحكات الفريق الامريكي القائم على اخلاق عالم المال، الذي لم يهتم سوى بالخروج بأكبر صفقة عقود في زيارة واحدة في التاريخ.
كاتب عراقي

شقراوتا ترامب في مؤتمر القمة

صادق الطائي

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية