في ساعة متأخرة من الليل، في منتصف الليل تقريباً، تصاعدت تنهيدة ارتياح جماعية من بيوت جموع الإسرائيليين العاقلين. مع أخذ الظروف بالاعتبار، ليس هناك مفر من مقارنتها بعرض السرور المعروف الذي ينطلق من النوافذ عندما يتم تسجيل هدف رائع في الدقيقة الـ 89. محظور تجاهل هذا السرور، وكذلك أيضاً عدم الخجل منه. جاءت اللحظة التي فيها أيضاً إنسان يحب بلاده يفهم أنه يجدر بها أن تتلقى صفعة معينة تعيدها إلى اليقظة. ويفضل بالطبع أن يحدث هذا بواسطة إلغاء مباراة كرة قدم وليس بهجوم مفاجىء على الحصن.
من المبكر بالطبع أن نعرف إذا كان إلغاء وصول منتخب الأرجنتين إلى إسرائيل سيتم تذكّره كمفترق طرق أو مجرد ضربة صغيرة للجناح. لكن فائدته واضحة: تبديد غيوم النشوة، بالوقاحة والاستقواء التي داخلها تصرفت في الشهر الماضي إسرائيل الرسمية والكثير من سكانها. وليس أفضل من أن يقوم ليو ميسي بتفجير هذا البالون بوخزة حادة، ميسي الذي يبدو أنه أكبر لاعبي كرة القدم في كل العصور.
ميسي هو بطل قومي في إسرائيل. موضوع للتقدير النهائي. يصعب تصنيفه كلاسامي بالنسبة لإسرائيل مثل روجر ووترز. كما أنه لا يوجد معنى حقيقي للسؤال هل هو وزملاؤه دخلوا إلى عمق الاعتبارات السياسية، أو أنهم مجرد أشخاص لم يرق لهم أن يتصرفوا كدمى استعراضية في ساحة تغلي ومختلف عليها قبل أسبوع من المباراة الافتتاحية لهم في كأس العالم. في اختبار النتائج يدور الحديث عن هزيمة سياسية وإعلامية. إنقلاب تحوّل إلى مهزلة بقيادة وزيرة الثقافة التي ثمل القوة صعد إلى رأسها («ميسي سيأتي ليقبل حائط المبكى»، «سنرى من سيضغط أيدي من»).
في إطار العدل المثير للشفقة سارعت مذعورة ويائسة لإشغال رئيس الحكومة الطائر جاذبة إياه ليلعب دوراً فعالاً في الفضيحة. كان صعبا عدم الابتسام برضا إزاء جهود وساطته لدى رئيس الأرجنتين الذي اضطر إلى أن يوضح له أنه في بلاده السليمة فإن اتحاد كرة القدم هو جسم مستقل وليست للسلطات قدرة على إعطاء تعليمات له (ما هي قيمة المنتخب إذا كنا لا نسيطر عليه؟). الأرجنتين ليست معروفة في يوم ما بأنها مثال للديمقراطية أو أنها معقل لحقوق الانسان، لكن في هذه المرة كان من نصيبها شرف القيام بالشيء الصحيح في الوقت الصحيح: أن تقول «إلى هنا». أن تحصل على مقابل بسيط من دولة صغيرة تشوشت وأصبحت تصدق أنه مسموح لها كل شيء. تفجيرات متحدية في سوريا، صور وقحة في سماء بيروت، عرض ملفات يغرس أصبعاً في عين طهران، احتمال إلغاء الاتفاق النووي ونقل السفارة إلى القدس، شلل سياسي، وفوق كل شيء قتل وجرح جموع متظاهري الجدار في غزة، من دون الاعتذار أو حتى الأسف، في الوقت الذي يرقص فيه الجمهور في ميدان المدينة احتفالا بالفوز في الاورفزيون والمحكمة العليا تعطي مصادقتها القانونية على تعليمات فتح النار. أحد ما كان يجب عليه أن يشوش على تطبيع الاحتلال وتأمين الحصار، وبالتأكيد التسييس الفاضح للرياضة ووقاحة نقل المباراة إلى القدس.
الآن ريغف تندب «تهديدات منظمات فلسطينية»، وفي الصحيفة الناطقة باسم نتنياهو يولولون على أن «الأرجنتين خضعت للإرهاب». ولكن الحقيقة هي أن إسرائيلهم جلبت على نفسها هذه الضربة.
في هذه الأثناء جبريل الرجوب سارع إلى توضيح أنه لم تكن للفلسطينيين أية مشكلة لو أن المباراة جرت في حيفا مثلما كان مخططاً لها، واتحاد البث الاوروبي سبق وحذر من أن الاورفزيون لا يحتمل التدخل السياسي، وأن إجراءه في القدس مشكوك فيه. هذا كما يبدو اللغة الوحيدة التي يفهمونها هنا، لهذا رغم أن القلب يشفق على من بذروا أموالهم في شراء بطاقات بأسعار مبالغ فيها، ليس هناك مناص من القول «شكراً لك يا ميسي».
هآرتس 7/6/2018
أوري مسغاف