سادت الأفراح والأحزان في مشرق العالم العربي ومغربه تجاه المحاولة الانقلابية الفاشلة في تركيا نهاية الأسبوع الماضي.
فئات حزنت لأن المحاولة الانقلابية فشلت فبقي الرئيس رجب طيب أردوغان وحزبه، العدالة والتنمية، ممسكين بزمام الحكم في تركيا سنوات أخرى. وفئات فرحت لأن المحاولة فشلت فلم تتخلص تركيا والمنطقة من هذا الرجل وأسلوب حكمه المثير للجدل.
توزع الأمر على مرحلتين: الفئة التي حزنت في الساعات الأولى لانتشار أخبار المحاولة فرحت في الأخير، والفئة التي فرحت في الأول حزنت في الأخير، لأن اتجاه الأحداث تغيّر في مرحلة ما وأخذ منحى آخر في الاتجاه المعاكس ليبطل الانقلاب ويحوّله إلى محاولة تمرد فاشلة ينفذها هواة، أكثر منه انقلاب تديره قيادة عسكرية صارمة وحازمة.
في مثل هذه المواقف تقاس الأمور سياسيا وبتأثيرها العام ونتيجتها الأخيرة. لكن مع الدول والمجتمعات العربية، لا يمكن التعاطي مع ما حدث ليلة الجمعة/السبت الماضيين من دون إسقاطات نفسية وذاتية. فأحزان بعض العرب أو أفراح بعضهم الآخر لفشل الانقلاب ليست كلها سياسية، بل فيها الكثير من النفسي والذاتي.
المواقف السياسية مما حدث في تلك الليلة التاريخية حكر أكثر على المشتغلين في حقل السياسة، أما الاهتمام الشعبي فيجب البحث له عن تفسيرات أخرى تضاف للتفسيرات التقليدية.
لنضع جانبا عامل المصلحة المباشرة للأفراد العرب في تركيا، مثل كونها وجهة سياحية في متناول كثير من العرب، وتحتضن اللاجئين من الدول المنكوبة في المنطقة، وتستقبل الطلاب الذين أُغلقت في وجوههم الجامعات الغربية، والمستثمرين الذين لا تكفيهم أموالهم للاستقرار في أوروبا وأمريكا.
ولنضع جانبا ـ أيضا ـ كون المنظومة الحاكمة في تركيا قريبة عقائديا من تيار إسلامي عتيد متغلغل جيدا في المجتمعات العربية منذ زمن بعيد، يسمى الإخوان المسلمين.
هناك حقيقة أن الشعوب العربية تمر بعصر ظلمات وانتكاسات يبدو بلا آخر. هي شعوب محرومة من كل شيء، لكن الأخطر حرمانها من الرموز المضيئة والنماذج الجميلة.. من لاعبي كرة القدم إلى العلماء مرورا بالنشطاء الإنسانيين والسياسيين والقادة الشجعان، وصولا إلى المؤسسات المنظمة النظيفة والحكومات الفاعلة المحترمة.
عند العرب، أينما وضعت يدك تجد المعاناة من الفراغ، وتلمس الشعور المخيف بالعجز، فلا غرابة أن يتمسّك هؤلاء بنجم الكرة الفرنسي زين الدين زيدان، وهؤلاء بالوزيرة الفرنسية نجاة بلقاسم وأولئك بالأمريكية داليا مجاهد، وغيرهم من الأفراد الذين طلقوا هذه المنطقة ومعها تخلفها وكل اخفاقاتها ففتحت لهم أبواب الإنسانية وفرض الذات.
ولا غرابة أن يصبح أردوغان، على الرغم من كبواته العديدة، نجما محبوبا ونموذج القائد المفقود، وترتقي تركيا إلى صف الدولة الحلم عند أطياف واسعة من العرب. عند العرب تربت أجيال على الخيبات والمرارات والفشل، وانتهت بلدان إلى الحائط على الرغم من أن عراقتها لا تقل عن عراقة تركيا.
لن أستغرب لو قيل لي أن قطاعا واسعا من المصريين تابعوا بحسرة صور الشبان والشابات الأتراك وهم يقفون عزّلا في طريق دبابات متجهة نحو مؤسسات الحكم، ويرغِمون طواقمها على مغادرتها.. حسرة لا على انتهاء رحلة تلك الدبابات في منتصف الطريق، إنما لأن المصريين وضِعوا في ظروف مشابهة قبل ثلاث سنوات بالضبط وتصرفوا بطريقة مختلفة قادت بالضرورة إلى نتائج مختلفة.
ولا لوم على بعض العرب، أو كثيرهم، لو أن خيالهم ذهب إلى الرئيس المعزول محمد مرسي وهم يتابعون صور أردوغان يدعو شعبه إلى الخروج للشوارع عبر تطبيق بسيط اسمه «فيس تايم» وجهاز أبسط اسمه تلفون ذكي، فغيّر مسيرة التاريخ.
في الساعات التي أعقبت محاولة الانقلاب في تركيا، تبادل جزائريون على مواقع التواصل صور شبان يلعبون الكرة على كورنيش العاصمة في شتاء 1992، مرفقة بهذا التعليق: أثناء الانقلاب (على الانتخابات العامة التي فازت بها جبهة الإنقاذ) كان الجزائريون يلعبون الكرة.
وتبادل آخرون صورة أردوغان على شاشة الهاتف المحمول كما بثها الإعلام الدولي، ومكانه الرئيس بوتفليقة يستغيث: «إنني مختطف من عصابة انقلابية فاخرج للشارع أيها الشعب النائم».
كما تداول المصريون اشياء مماثلة تربط بين ما حدث في تركيا وبلادهم.
بعيدا عن الجانب الكاريكاتيري هنا، هناك جانب نفسي يجب أخذه على محمل الجد، لأن المواد التي يجري تداولها تشبه التعبير بالطلاء على الجدران وفي المراحيض في فترات الحكم الشمولي في الماضي.
هل يجب لوم الإنسان العربي على هذه الحال غير السوية؟ وهل يجب مساءلته على كونه يقف دائما على الهامش، إما سعيداً أو حزينا (متشفيا أحيانا) على آخرين يصنعون التاريخ أمامه، وأحيانا يكون هو وقوده؟
أيًا كان الجواب، هذه تفاصيل من انتكاسة أشمل. والقضية ليست تركيا كتركيا، فحتى لو لم تكن تركيا، لاخترع العرب النموذج الحلم، ولتكن إيران أو مالي أو ماليزيا. لا مشكلة عند مجتمعات في مثل هذا القاع من البحث عن قشة تتعلق بها، ليس للنجاة، لكن للتعويض فقط.
٭ كاتب صحافي جزائري
توفيق رباحي