شكرته وشكرت له

حجم الخط
41

يُحسن إليك مَن يُحسن، وأنت تروم شكره، فأمامك عدد من التشكيلات اللغوية التي تؤدي ذلك الشكر، ومنها: أشكرك على إحسانك./ أشكرك لإحسانك/ أشكر إحسانَك/ أشكر لك إحسانك/ شكرا لك.
فهل من فروق بينها؟
لا شك في أن بينها فروقا دقيقة لا تجدها في التعبير عن الشكر في اللغات الأخرى. فكلمات مثل (Merci) الفرنسية أو (Thank you) الإنكليزية أو (Danke) الألمانية، وغيرها من لغات، ليس لها إيحاءات بما وراء اللفظ، كالتي نتبينها في اللغة العربية، فهي لا تدل على أكثر من استلطاف ما قاله أو فعله الطرف الآخر.
وقبل أن نذكر الفروق بين معاني الجمل المذكورة ودلالاتها، لا بد أن نعرف شيئا من معاني الشكر، حيث يمكن أن نجمع كل معانيه في: الإكثار من الخير. ففي قولك، مثلا: شكر الله سعيكم، أي زادكم الله خيرا مقابل سعيكم. وقريب من هذا: (لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ) وأمثالها. ومنه ثناؤك على صاحبك لقاء إحسان منه. وإذا قنع المرء باليسير قيل: هو شَكور. وشَكِرَت الشجرة بفتح الشين وكسر الكاف إذا كانت ذات ظل طويل يستظل به الناس من وهج الشمس. ثم إن الشكر في العربية أنواع: شكر باللسان، كأن تُسمع صاحبك إحدى الجمل السابقة وما اتسق معها. وشكر بالعمل، وهو أرقى من ذاك بطبيعة الحال، وشكر يجمع بينهما وهو أسمى صور الشكر. وفي القرآن:»اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْرا وَقَلِيلٌ مِّنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ»، فالعمل النافع المفيد تعبير عن الشكر. وفي الآية مَلْمَحٌ آخر، إذ تُقرّر أنْ ليس كل المؤمنين العابدين لله يشكرونه، بل تشكره قلة منهم، أي قَلّ من يجمع شكرا صادقا باللسان والعمل. والشكر لا تؤديه إلا النفوس المتأهلة للاعتراف بالفضل، ولذا قال الشاعر لمن أولاه نعمة:
شكرتُكَ، إن الشكر حَبْلٌ من التّقى
وما كلّ من أُوتيتَه نعمة يقضي
ولننظر الآن في الجمل المذكورة المتداولة بين الناس، لنتبين أيّها أبلغ من غيرها.
* أمّا أشكرك على إحسانك، فتعني أنك تثني على مَن أحسن إليك ممّن تراه مساويا لك، كأن يكون صديقك، أو مماثلك في الدراسة، أو زميلك في العمل. وشاع استعماله لمن هو أرفع مقاما من الشاكر له. وكأنك، بتحديدك سبب الشكر واستعمال (على) الدالة على العلوّ، وعدت بأن تردّ الإحسان بأحسن منه.
* وأمّا أشكرك لإحسانك: فهو منك إلى نظيرك، غالبا، مع الإشادة بما قدّمه لك. وتحديد سبب الشكر، وهو الإحسان الذي لولاه لربّما لم يستحق صاحبك منك أن تشكره. وبهذه الصفة يختلف عن الاستعمال السابق.
* أشكر إحسانك. هذا تعبير عن احترام عميق. فأنت ترى أن المحسن إليك أسمى من أن توجه له شكرك بشكل مباشر، فترمز لذلك بشكر إحسانه. كما في: «وَقَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحا تَرْضَاهُ) وشكر النعمة: أداء حقها، قولا وعملا.
* أشكر لك إحسانَك. هذا أبلغ احتراما وإجلالا واعترافا بالفضل. وأراه أرقى صور التعبير عن الحب والشكر، فأنت، حبا واعترافا بالفضل، تقدم ذكر المحسن، على ذكر الإحسان الذي ربما تكون بمسيس الحاجة إليه، ومنه في التنزيل العزيز: «وَوَصَّيْنَا الانسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ»، وأي فضل أعظم من هذا كي تقدم له شكرا بأعمق صيغة إجلال ومحبة؟
ولك أن تقوله لمن تحب من سائر الناس ممن تحسّ بأنه صاحب فضل سابغ عليك، قدّمه إليك بلا مَنّ ولا أذى.
* شكرا لك. تقوله ثناء في مقابل أي إحسان من أية جهة جاء. والأغلب عليه أن يكون موجها إلى نظير لك. أمّا اكتفاؤك بقولك: شكرا، فيعمّ نظيرَك وغيرَه. وقد تقوله تأنيبا لمن يسيء إليك.
ابعد الله عنكم وعنا من أساء ومن يسيء.
باحث جامعي عراقي ـ لندن

شكرته وشكرت له

هادي حسن حمودي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية