بغداد ـ «القدس العربي» من صفاء ذياب:
أحنّ إلى العراق يا ولدي،
أحنّ إلى نسيمِ دِجلة
يوشوِشُ للنخيلِ،
إلى طينها المِعطار
إلى ذيّاك الخميلِ،
بالله يا ولدي،
إذا ما زُرتَ العراقْ
بعدَ طولِ الفراقْ
قبّلِ الأعتابْ
وسلم على الأحبابْ
وحيّ الديار
وانسَ ما كانَ منهم ومنّا
على الرغم من اضطراره للخــــروج من العــــراق عام 1951 وهو بعمر الثامنـــــة عشر، إلا أن حب الكاتب اليهودي العــــراقي سامي موريه، أو كما أطلق عليه في ما بعد شموئيل، للعراق يردده في كل نص يكتبه أو لقاء صحـــافي، فهو الذي تربّى وعاش في أزقته الأولى، ولم تتمكن إسرائيل نفسها، أن تنسيه العراق وبغداد حتى بعد مرور أكثر من ستين عاماً على المغادرة.
ولد موريه في بغداد بتاريخ 22/ 12/1932 في عائلة تؤمن بالديانة اليهودية. وعاش مع عائلته حتى بلوغه الثامنة عشرة عاماً إذ اضطرت عائلته لإسقاط الجنسية العراقية ومغادرة العراق في 22/ 4/1951 وفق قانون إسقاط الجنسية، الذي صدر أثناء وزارة توفيق السويدي عام 1950. بعد أن درس في مدرسة السعدون الابتدائية النموذجية في البتاويين، لينتقل بعد ذلك إلى مدرسة «فرنك عيني» المتوسطة ومن بعدها أكمل الثانوية في مدرسة «شماش» الإعدادية حتى نال شهادة البكالوريا العراقية عام 1950.
كان عام 1951 فاصلاً في حياة موريه، فقد كتب عن حياته قائلاً: «هاجرت إلى إسرائيل في 22/4/1951 والتحقت بالجامعة العبرية لدراسة الأدب العربي الحديث وعلوم الشرق الأوسط. أنهيت اللقب الجامعي الثاني، الماجستير بتفوق. فأرسلتني الجامعة العبرية لكتابة أطروحة الدكتوراه في معهد العلوم الآسيوية والأفريقية في جامعة لندن، إذ نلت درجة الدكتوراه عن أطروحتي حول الشعر العربي الحديث. وفي مطلع عام 1966 دعتني الجامعة العبرية لتدريس الأدب العربي الحديث، وترأست قسم اللغة العربية فيها بين الأعوام 1979- 1983. وفي عام 1980 أسست رابطة الجامعيين اليهود النازحين من العراق. ونشرت ثمانية وأربعين كتاباً في سلسلة منشورات الرابطة لكبار الأدباء والمؤرخين والشعراء اليهود النازحين من العراق. أعمل أيضا عضوا في هيئات تحرير للعديد من المجلات العلمية الاستشراقية والأدبية، كما قمت بنشر العشرات من الكتب ومئات المقالات، باللغات الإنكليزية والعربية والعبرية، وشاركت أيضاً في عشرات المؤتمرات العلمية في العالم، بإلقاء محاضرات عن تخصصي في الأدب العربي.
أصدر موريه خلال عمله أستاذا جامعيا عدداً مهماً من الكتب التي درست الأدب العربي واليهودي، منها: «المطبوعات العربية التي ألفها أو نشرها الأدباء والعلماء اليهود 1863- 1973. فهرس المطبوعات العربية في إسرائيل 1972- 1984. القصة القصيرة عند يهود العراق 1924- 1978. مختارات من أشعار يهود العراق الحديث. بغداد حبيبتي: يهود العراق، ذكريات وشجون، حيفا. وعجائب الآثار في التراجم والأخبار». فضلاً عن أكثر من ثمانية كتب باللغة العبرية، وعشرة كتب باللغة الإنكليزية.
يتحدث الباحث العراقي كاظم حبيب عن موريه قائلاً: في شتاء عام 2007 بدأ الكثير منا نحن العراقيين، نساء ورجالا، نقرأ ولأول مرة مذكرات تكتب وتنشر بنكهة معطرة ورؤية جديدة ذات أهداف إنسانية واعية ومحركة للعواطف النبيلة للعراقيين، وبلغة عربية ولهجة عراقية بغدادية ممزوجة بلهجة يهود العراق المحببة للنفس، التي تقترب من لهجة أهل الموصل. فمن هو هذا الكاتب الموهوب الذي أثار لدى العراقيين تلك العواطف النبيلة والروح الإنسانية والذكريات. ذاكرة نادرة لرجل شاب كان عمره حين بدأ كتابة هذه المذكرات 77 عاما! من هو هذا العراقي الذي حمل في ذاكرته وأسلوب كتابته ومضمون مذكراته تقاليد وعادات وتراثا وتاريخا لا يعود لعراق النصف الأول من القرن العشرين حسب، بل جسد حياة يهود العراق والعراقيين بشكل عام. من هو هذا الكاتب المبدع الذي أثار لديَّ ولدى الكثير من الناس الطيبين في العراق وخارجه الرغبة الشديدة في متابعة حلقاته التي بلغت 53 حلقة مع خاتمة، واستغرقت الفترة الواقعة بين 12/2/2007 و 21/3/2011؟ وهذه الحلقات صدرت أخيراً في كتاب «بغداد حبيبتي» مع تقديم جميل وجيد لسعد سامي نادر. إنه شموئيل موريه (سامي المعلم)، أستاذ الأدب العربي في الجامعة العبرية في أورشليم القدس ورئيس رابطة الجامعيين اليهود النازحين من العراق، ومؤلف الكثير من الكتب باللغتين العربية والإنكليزية والمشرف على الكثير من رسائل الماجستير والدكتوراه والمحقق لبعض الكتب المهمة والباحث في المسرح العربي، إنه الكاتب والشاعر الغزير في إنتاجه والعميق والإنساني في مضامين كتاباته ورؤيته للعالم.
ويكتب الباحث العراقي سعد سامي نادر، الذي كتب تقديماً لكتاب موريه «بغداد حبيبتي»، أنه كعراقي، وكواحد ممن ترك وطنه مرغماً وعلى مضض. متعة، أن تعيد قراءة «يهود العراق- ذكريات وشجون» لشموئيل «سامي» مورية، ستشدك زفرة ومرارة كلمات بسيطة نابعة من قلب ووجدان ونقاء مواطن عراقي يفيض حبا ووطنية صادقة يغلفها حنينٌ للوطن بلا حدود. ستجبرك لوعات شجونه على المضي معه عبر طريق أحزان وآلام روح سُبيت وأجبرت يوماً على ترك وطنها الأم مثلنا، على مضض. لوعتك وقرفك كقارئ ومهجَّر عراقي، أنك تعرف أدق تفاصيل أحداثها حد صغائر خلفيات وخفايا دسائس مؤامراتها. وتعلم أيضاً بأوليات ونهايات عذابات فواجعها الأليمة.. قلت إنها متعة! لا شك، إن لطعم مرارة الحزن والأسى والألم، متعة ومذاقا إنسانيا عراقيا متفردا. قدرٌ أحمق خصهم الرب وحدهم فيه.. فطعم مرارة الظلم وقسوة الألم ولوعة ساعات التهجير القاتلة ولحظات وداع الأهل ودموع الأحبة، ألم مازوشي له طعم ولذّة، هي ذاتها التي تزيد إصرارك على المضي في تكملة مشوارك مع ألم ولوعات سرد ذكريات وشجون سامي، والسير معها لآخر مطاف جلد الذات بسياط أحداثها الأليمة الدامية. غير أن حلاوة ذكريات صباه المشوقة، تريحك حين تسرح بِك مع «لثغات» لغتها الشعبية – اليهودية المحكية- الضاحكة حد القهقهة ورقرقة العين..
ويشير نادر إلى أن موريه يجبرك على مواصلة قراءة أسطُر شجونه المتبلة بمحكياته العراقية العذبة، والإيغال في تذكر تساؤلات تلك الوجوه التي عاشت معك وشاركتك فرحك وقلقك وخوفك ويأسك. وهل تـُنسى استفهامات عيون أهلنا واصدقائنا الذين شُرّدوا. عيون جفـَّلها الهلع وجفف الفزع والكآبة مآقيها، وأخرس أصواتهم هول مشاهد نزيف دم متواصل بدأ حديثاً مع جريمة الفرهود الأولى، التي صنعها عملاء النازية عام 1941 .
وربما كان حب موريه وحنينه الدائم إلى العراق، مرضه الذي لم يشف منه حتى رحيله ليلة الثاني والعشرين من هذا الشهر عن عمر يناهز الخامسة والثمانين عاماً، فهو الذي كتب:
قالت لي أمي: «ظلمونا في العراق،
وضاقَ المُقامُ بنا يا ولدي،
فما لنا و«للصبر الجميل» ؟
فهيا بنا للرحيل!»
وعندما بلغنا الوصيدا،
قالت لي: «يا ولدي لا تَحزنْ،
إِللّي ما يريدكْ لا تريدَهْ «،
هَمستْ: «يا حافرَ البير «
«بربكَ قلْ لي لهذا سببْ؟»
ورَحلنا …
وقبلَ رَحيلِها الأخيرْ،
قالتْ لي أمّي،
والقلبُ كسيرْ :
«أحنّ إلى العراق يا ولدي،
أحنّ إلى نسيمِ دِجلة
يوشوِشُ للنخيلِ،
إلى طينها المِعطار
إلى ذيّاك الخميلِ،
بالله يا ولدي،
إذا ما زُرتَ العراقْ
بعدَ طولِ الفراقْ
قبّلِ الأعتابْ
وسلم على الأحبابْ
وحيّ الديار
وانسَ ما كانَ منهم ومنّا!»
وقد ذكر الباحث الفلسطيني صقر أبوفخر في مقال بعنوان: أدباء وعرب يهود ومعادون للصهيونية» هناك مجموعة من الكتاب والشعراء والروائيون اليهود استمروا بالكتابة في العربية الى فترة طويلة بعد فرارهم الى إسرائيل قسراً. لكن بعضهم وجد نفسه معزولا عن الجمهور اليهودي الواسع الذي لايمكنه القراءة بالعربية، بل يقرأ العبرية وحدها. فآثر هؤلاء الانتقال الى الكتابة بالعبرية، وكان ذلك نوعاً من «قمع الذات الثقافية» أمثال شموئيل مورييه وسامي ميخائيل وشمعون بلاص.