«شنغهاي» و«بريكس»: أفق لعالم جديد؟

حجم الخط
4

تلعب روسيا والصين حالياً لعبة سياسية كبرى أداتها كل من «منظمة شنغهاي للتعاون» ومجموعة «بريكس».
«منظمة شنغهاي» دعت باكستان والهند للدخول في هذه المؤسسة العالمية في توجه مدروس لتشكيل حلف آسيوي جديد يضم نصف سكان العالم.
بهذه الخطوة يتوسع الحلف المذكور محمولا على أجنحة طموح لا يخفى، لتأسيس نظام عالمي جديد، أهم ميزاته أنه قادر، رغم أن دوله كلها آسيوية، على خلق قوة اقتصادية وعسكرية وسياسية هائلة.
وبالتناظر مع «مجموعة بريكس» التي تضم إضافة إلى روسيا والبرازيل والهند والصين وجنوب إفريقيا، فإن حركات الحلف المذكور ستكون مدروسة وستعمل على هذين المسارين الكبيرين اللذين، رغم التمايز الجغرافي المهم بينهما (باعتبار جنوب إفريقيا والبرازيل من قارتين مختلفتين)، فإنهما ستستفيدان من العلاقات والتوازنات المستجدة لفرض شروط لعبة جديدة على الغرب والولايات المتحدة الأمريكية.
يثير الاهتمام أن مجموعتي «بريكس» و»شنغهاي» اجتمعتا الخميس والجمعة الماضيين في الوقت والمكان نفسيهما (مدينة أوفه الروسية)، ولكن إذا كان هذا لم يثر ما يكفي من اهتمام (أو رعب) العالم الغربي، فمهمّ أن يفكر من يقفون على المقعد الآخر من الميزان العالمي في حضور الرئيس الإيراني حسن روحاني القمة وتقديم بلاده طلب عضوية كاملة للمنظمة عام 2008، وكذلك في إعلان الرئيس التركي أكثر من مرة عن رغبته في الانضمام إلى دول اتفاقية «شنغهاي»، وهو إعلان واضح عن اتجاه الغاضبين والراغبين في التفلّت من سطوة الغرب وابتزازه وكافة أشكال الغطرسة والإملاءات التي يقيمها على كل من ليس ضمن الحلقة الضيّقة للنادي الغربي.
وعلى عكس التجانس النسبي الذي يطبع العلاقات التحالفية بين أمريكا وأوروبا الغربية (فأمريكا، رغم المحيط الأطلسي، لا تبدو غير امتداد ثقافي كبير لأوروبا) فإن دول «شنغهاي» و»بريكس» تتميّز بالغلبة الآسيوية جغرافياً، ولكنّها، وهذا الأهمّ، تتميّز بالتعدد الهائل للثقافات والأديان والأنظمة السياسية.
التعدّد الثقافي والديني والسياسي لمجموعتي «شنغهاي» و»بريكس»، بهذا المعنى، يشكّل قوة كبرى قادرة على منافسة التفوق الأخلاقي الذي يدّعيه الغرب، والقائمة على النظم البرلمانية التي تمنع تسلط السياسيين واستحكامهم بالسلطات، والقضاء الذي يحفظ العدالة بين المواطنين، والإعلام الذي يراقب الساسة والرأسماليين الكبار ويمنع استغوالهم ويفضح فسادهم.
غير أن هذه الأنظمة الديمقراطية التي ترعى حقوق مواطنيها وشعوبها نفسها هي التي خلقت، مستغلة قدراتها الاقتصادية والعسكرية والإعلامية، فجوة هائلة من الجوع والبؤس والظلم في العالم، وخصوصاً فيما يسمّى «الشرق الأوسط» الذي قامت باختراعه وأسست لنزاعات هائلة فيه وساهمت في أكبر كارثة إنسانية ممكنة في ربوعه، في فلسطين وسوريا والعراق ومصر، وساهمت في منع تطوّره المدني والديمقراطي وحافظت على قلعة الطغيان: إسرائيل.
لذلك فإن التحدّي الحقيقي الأكبر لدول «شنغهاي» و»بريكس» لا يتعلّق بالقوى الاقتصادية الهائلة التي تمتلكها هذه الدول، ولا بجحافل الجيوش والصواريخ النووية العابرة للقارات، ولا حتى بقدرتها على موازنة الغطرسة الأمريكية، ولكن بالسعي لنظام تعدّدي يتفوّق أخلاقياً على نظم الغرب، همّه الأول ازدهار شعوبه ورفعتها وتساويها مع شعوب العالم الأخرى، وليس خلق نظم فاشية جديدة لدول مستبدة راغبة بالانتقام.
المطلوب توازن عادل يحمي كوكب الأرض وبشريته المنحدرة إلى البؤس يوما بعد يوم.

رأي القدس

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية