شهادات جامعية عُليا… صحيح؟

في أيام المدرسة، كان المدرّسون يشجعوننا للتفوق في الدراسة لكي نلتحق بالجامعة، حيث من يتفوق يحصل على بعثة حكومية للدراسات العليا، في الخارج، أي في أوروبا وأمريكا. وقد أثّر هذا التشجيع في بعضنا، فأرسلته الحكومة، إلى جامعة في الخارج، بعد أن قرأوا في أذنه لزوم أن يلتزم بالتصرّفات الأخلاقية ويجب أن يعمل جهده في الإفادة من معرفة يعود بها لخدمة وطنه… إلى آخر تلك المواعظ التي احترمَها بعضنا وعمل بها، وآلمه أن يرى غيره لا يعمل بها.
كانت أول مفاجأة صادمة لي، في جامعة أمريكية مشهورة أن أرى طالب بعثة من بلد عربي شقيق، جاء ببعثة لدراسة التاريخ الإسلامي، على حساب هيئة إسلامية عليا، ترافقه زوجته، بنت عمه، لكي لا يزوغ بصره على الشقراوات الفاتنات. كنا حوالي عشرة طلبة في الدراسات العليا، من أقطار عربية شتى، نلتقي غالباً في فترة الغداء، في بعض المطاعم قرب الجامعة. كان صاحبنا يحضر دائماً، وعند الخروج من الغداء، كانت الشقراوات يخرجن زرافات ووحدانا، فيبدأ صاحبنا باطلاق التعليقات والنكات، الغليظة، بلغته التي لا تفهمها الشقراوات. بعضهن يبتسمن، وبعضهن يكشرّن، أو يطلقن إهانات، مهذبة، وصاحبنا لا يرعوي، أين الحفاظ على سمعة بلده؟ واستمر الحال ونحن في ضحك أو استنكار أو محاولة لنبدو أننا لسنا من صحب هذا الفهلوي… إلى أن جاء يوم مناقشة هذا الفارس المغوار. سألناه: ما موضوع رسالتك في التاريخ الإسلامي؟ قال: كتبتُ عن، محمد، هكذا، بلا عبارات احترام. ماذا يمكن أن يُقال من جديد؟ قال: الجميع يقول محمد عبقري. أنا أقول: لأ.. هذا كان تاجراً! لم نسأل كيف سيكون وقع هذا الكلام على الهيئة الإسلامية العليا؟ لكن صاحبنا اجتاز الامتحان… ونجح فاستعد للعودة إلى وطنه، وكان أول عمل جليل قام به أن أعاد زوجته، وحدها، بالباخرة، ليستولي على فرق سعر الطائرة، المدفوع من الهيئة الإسلامية العليا. وثاني عمل جليل قام به صاحبنا.. أن عاد من الميناء إلى أقرب مكتب بريد وأرسل إلى زوجته، ورقة الطلاق، لتكون بانتظارها عند وصولها إلى بلدها. مثال الأخلاق وحُسن التصرف.
وبعد سنوات، حضرتُ إلى بريطانيا لمؤتمر أدبي. وكنتُ أسير على رصيف شارع ضيق يعلو على النهر. وإذا بسيارة صغيرة تخطف إلى جانبي وتشحط في صخب، وينزل منها صاحبنا وقد عرفني وجاء ليسألني ما الذي جاء بي إلى بريطانيا.. وترك باب سيارته مشرعاً مما عطل المرور خلفه في ذلك المعبر الضيق، وتجمعت السيارات، صابرة، وأصحابها ينظرون إلينا لننتهي من حديث كنتُ أحاول اختصاره، وأنا أشير إلى باب سيارته المشرّع.. قال لي بسرعة: متى تزورني في الجامعة التي أعمل فيها؟ لا تأتِ قبل الخامسة عصراً فأنا سكران ونائم طول النهار.. مكتبي مع راباي مناحيم، وله لحية أطول من لحيتي، لكنها سوداء… كلانا يدرّس التاريخ الإسلامي! ما شاء الله!
هذه عينة أخرى من خريج كلية الحقوق بدرجة، شحطة، أي مقبول، ذهب إلى إيطاليا على حساب أهله.. وعاد بعد سنتين يحمل «شهادة عليا». دارت الأمور حتى تسلم، هذا المحروس منصباً إداريا في الجامعة، لأنه من أقرباء «الريّس» فكان أن أرغم «اللجنة العلمية» على إصدار قرار باعتبار شهادته ذات السنتين هي «دكتوراه»، لكن الشهادة تقول بالايطالية «دبلوما دي دوتورادو» أي بالضبط: دبلوم دراسات عليا. لكن صاحبنا أصر على أنها شهادة دكتوراه. أما كيف استطاع صاحبنا تعلّم اللغة الإيطالية والدراسة بها وكتابة الدبلوم في سنتين فقط، والإيطالية لا تُدرس في بلاده وقد ذهب خالي الوفاض من تلك اللغة… فعلمها عند ربي، وعند الخائفين من أقارب «الريّس». والطريف أن صاحبنا تقدم بعد سنة من وظيفته المخملية إلى عميد كليته التي تخرج فيها، طالباً توصية ليذهب «إلى الخارج» لدراسة الدكتوراه.. فصاح به العميد، على الهاتف: تريد دكتوراه ثانية؟ أجاب: مزّق طلبي رجاء.. مزقه! ما شاء الله.. كمان مرة!
وهذا مثال ثالث… موظف في مجلة في إحدى حواضر «خليجستان» لا أحد يدري كيف حصل على شهادة في الإعلام… بالمراسلة، دون حضور أية محاضرة في أية جامعة أثناء عمله في المجلة، بشهادة من عمل معه. فجأة قرر أن يصير «دكتور» في الإعلام. وكانت له زميلة من بلد عربي صديق.. وشقيق، زينت له أن «تساعده» في كتابة أطروحة في الإعلام، بأسلوب «الإنتساب» دون حضور محاضرات أو امتحان. فتزوجها.. على سنّة الله ورسوله. مبروك، وعقبال البكاري! وبعد فترة، نشرت المجلة التي كان يعمل فيها صورة على صفحتين متقابلتين، يظهر فيها المحروس.. حاسر الرأس، بحيث لم يتميز صورته من عرفه من زملائه.. جالساً بين يدي لجنة من حكماء الإعلام، ذوي الصلعات الوقورة المحترمة.. وتحت الصورة بخط ملون: مناقشة دكتوراه في الإعلام للزميل فلان الفلاني.. أضافة نوعية إلى مسيرة المجلة في طريق التطور. وماذا كان موضوع الأطروحة؟ دراسة ميدانية بالأرقام والتصريحات الرسمية التي تثبت حقيقة كانت غائبة عن الرأي العام: إن الرخاء الاقتصادي في خليجستان، سببه: اكتشاف النفط! ما شاء الله تاني وتالت. وعاد المحروس إلى أرض الوطن، سالماً، غانماً، مع كاتبة أطروحته. وكان أول عمل جليل قام به أن أطلق سراح المحروسة.. كذلك على سنّة الله ورسوله، وأعادها إلى أهلها، كذلك سالمة غانمة… يا لروعة الإنجاز! هل نقول ما شاء الله؟!
هَوَس كبار المسؤولين، وأبنائهم، بالحصول على «شهادات عليا» ظاهرة قد تكون من خصائص «شرقنا الباحث عن كل فضيلة/في أبي زيد الهلالي» على رأي الخالد نزار. هذا زعيم ذاتي التنصيب في بلاد تركب الافيال.. خسرنا بفقدانه أكبر كوميدي عرفه التاريخ. كان يجهز أبنه ويقول «هذا وريث لعهدي/وسيد القوم بعدي» ومعذرة من روح العقّاد لتحريف بيته الشعري المثير: «هذا وليّ لعهدي/وقيّم الشعر بعدي». ماذا فعل المحروس؟ لم يفعل شيئاً، ولم يفتح كتاباً في حياته، ولكنه كان يقوم بزيارات دورية إلى عاصمة أوروبية بعينها، مشهورة بجامعتها، التي كانت تعاني من ضائقة مالية. فأوحوا إليه ان يتبرع لتلك الجامعة بمليون أو بعض مليون.. فتحركت أريحيته وتبرع.. فكافأته الجامعة الوقورة بدكتوراه في العلوم السياسية، فمن سيسأل عن مؤهلات المحروس عندما يخلف الوالد على العرش، بعد عمر طويل؟ أليس الرجل من «حملة الدكتوراه»؟
وفي أمريكا مهازل أكاديمية من نوع آخر. كلما لاحت في الأفق الأمريكي بوادر أزمة اقتصادية ترتعد فرائص الجامعات، وخصوصاً أقسام العلوم الإنسانية والفنون. فأغلب الجامعات الرسمية هناك تتلقى دعماً سنوياً من الحكومة بالملايين. فإذا نزلت نازلة اقتصادية بالبلاد جن الضرع واحترق الزرع. فصارت الجامعات في بحث مستميت عن مصادر تمويل. وجدوها: الطلبة الأجانب، وبخاصة من بلاد العُرب أوطاني. هؤلاء يأتون محملين بالأموال من حكوماتهم ولا يطلبون منحة دراسية من الجامعة، بل تدفع حكوماتهم بالكامل.. ماذا يريدون؟ دكتوراه في اي موضوع «هفتان». فليكن. وتتكاثر الشهادات العالية، ويعود المحروسون إلى بلادهم ويبدأون في طلب المناصب الجذابة، خارج مجال «تخصصاتهم» في الغالب. من بدأ هذا «الطريق الأعوج»؟ طيب الذكر، هتلر؟ لدي ما يقوي هذا. كان عندنا، أيام الكلية، دكتور في الكيمياء الصناعية من ألمانيا. كيف؟ رواه لنا في اجتماع طلابي عام. قال: كنتُ قبل الحرب العالمية الثانية فتى في أول الدراسة المتوسطة، أعمل دليلاً مع الألمان في الحفريات الآثارية. أحبوا نشاطي، فاقترحوا عليّ ان يصطحبوني إلى ألمانيا للدراسة بالمجان. فذهبت وقامت الحرب وبقيتُ حتى نهايتها، فعدت بدكتوراه بالكيمياء الصناعية. كنا نسال أسئلة خبيثة: كيف تعلّم هذا اليافع اللغة الألمانية وأكمل الدراسة الثانوية ثم التحق بالجامعة وحصل على الدكتوراه.. وكل هذا في سنوات الحرب؟ قالها بصراحة: كان هتلر يقول: أعطوا الشرقيين ما يريدون. كل شيء يكفيهم، وزيادة!
أما الحديث عن موضوعات الأطروحات عند «جماعتنا» فهو حديث يطول.. أذكر أحدهم جاء للبعثة في جامعة أمريكية معروفة، وهو لا يعرف من اللغة الإنكليزية ما «يمشّي الحال» وعاد ولم يتعلم سوى تدخين «البايب» ما موضوع اطروحته؟ «دراسة تحليلية للعبارات المكتوبة على شواهد القبور في أكبر مقابر البلاد»… ألا تخجل مؤسسات «ناسا» من أبحاثها التافهة؟
وآخر ما وصلنا من أخبار من بلاد النهرينستان أن إحداهن حصلت على الدكتوراه ببحث عن «السجاجيد في العتبات المقدسة». هل روعة أكثر من هذه الروعة؟ يا أمة «فَعَلَتْ» في وجهها الأمم!

عبد الواحد لؤلؤة

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية