بيروت ـ «القدس العربي»: أن يكون لمنطقة نائية من لبنان الصغير حضورها الحيوي الملحوظ في الحياة الثقافية أمر يطرح السؤال كبيراً. فالاحتكار والمركزية المدينية سمة لبنانية في الثقافة وغيرها.
كان لقضاء راشيا الوادي اختراق تلك المسلمة منذ حلّ اتفاق الطائف بين اللبنانيين مسوياً نزاعاتهم. «جمعية محترف راشيا الوادي للفن التشكيلي والثقافة والفنون» تأسست سنة 1992 وبدأ اسم راشيا يُتداول في الإعلام الثقافي صورة وخبراً، وبدأ الحراك في المنطقة المعنية. تبعد راشيا الوادي عن مدينة بيروت مسافة 85 كلم، مطمئنة في حضن جبل حرمون، الذي تقع خلفه من الشرق قرى سورية عدة، وفي جنوبه فلسطين المحتلة. تُعرف راشيا بقلعتها التاريخية التي يعود بناؤها للقرن الحادي عشر. وفيها سجن رجال الاستقلال اللبناني في تشرين الثاني/نوفمبر 1943. أسس ويرأس جمعية محترف راشيا الوادي شوق دلال، فنان تشكيلي وأستاذ في معهد الفنون في الجامعة اللبنانية.
يرى في حوافز تأسيس جمعية محترف راشيا رغبة جامحة في كسر تلك العزلة، التي فرضتها الحرب الأهلية بين المناطق «بحيث يمكننا استضافة أهل الثقافة والفكر والفن من كافة المناطق، وكذلك من الدول العربية. رغبنا بخلق نموذج للتلاقي اللبناني الحقيقي من خلال الثقافة، التي توحد، أما السياسة فتفرق. ولبثّ الحيوية الثقافية في منطقتنا الغنية نظمنا معارض فن ونحت. ناقشنا كتبا مميزة». والكثير غيرها. ظاهرة الإقبال على النشاطات الثقافية في راشيا الوادي كانت خير دافع لاستمرارها ونموها. وبرأي دلال أن «الغنى في التنوع الذي يميز راشيا ساهم بفعل إيجابي لثقافة تشبه ناسها». لم تكن معارض الفن التشكيلي تقصد المناطق النائية. ربما يحتاج أهل تلك المناطق للتبصر في لوحات وأعمال من فعل الإنسان، بعد معايشة دهرية لأخرى من فعل الطبيعة. نستطلع فعل تلك المعارض بالمواطنين الذين يحرسون الحدود وكم غيرت من مسار حياتهم؟ نعم، كان لتلك النشاطات تحريك الذائقة الفنية لدى الجمهور يقول دلال، ويعلل ذلك بأن هذا الجمهور يملك من الثقافة ما يؤهله لمتابعة هذا النوع من الفنون. لا شك بالفن الفطري، وبأنه يعيش في تفاصيل حياتنا، إنما الفن التشكيلي البصري يحتاج لثقافة، وهذا متوفر بغزارة في منطقتنا. «المعارض التي أقمناها في منطقتنا دفعت الكثير من المواهب المغمورة لإعلان نفسها، وكان هناك تعاون معهم وتوجيه. وأخذت الجمعية على عاتقها تنشيط الفن في مدارس لبنان، منها حتى الآن 19 مسابقة رسم يشترك فيها 100 ألف تلميذ من المدارس الرسمية والخاصة، عبر تعميم من مديريتي التعليم الخاص والرسمي، ونحتفل بإعلان النتائج كل عام في قصر الأونيسكو. هذا النشاط مكننا من اكتشاف طاقات فنية هائلة على مستوى لبنان، ومن ثم المساهمة في توجيهها بالطريق الصحيح.
أهم انعكاسات النشاط الثقافي في المناطق النائية أنه ينتشلها من إحساس العزلة، وتالياً هي أنتجت هجرة ثقافية معاكسة من المدينة إلى الريف. وهذه من الإيجابيات التي يفتخر بها شوقي دلال. وفي المقابل يعترف بأن نشاطه الدؤوب مع آخرين للحفاظ على البيوت التراثية في لبنان يصاب بخيبات. ويقول رداً على سؤال: رفعنا الأصابع العشرة مرات، إنما لن نيأس. الواقع اللبناني في هذا الجانب مرير، والملكية الخاصة تغلب الملكية العامة. لهذا عملنا لتشجيع أصحاب المنازل التراثية لاستثمارها عبر ترميمها، لأن بدلها سيرتفع. لهذا الهدف جمعنا أصحاب المنازل التراثية باقتصاديين ومن خلال ندوات متخصصة في أكثر من بلدة لبنانية فيها بيوت تراثية. كان ضرورياً أن نتخاطب بلغة العقل التجاري لنحافظ قدر الممكن على البيوت التراثية.
«والشيء بالشيء يُذكر» كتاب صدر حديثاً لشوقي دلال، يجمع بين الخاطرة ورسوم باللون الأسود. لماذا الخاطرة التي تنحو إجمالاً نحو الفلسفة؟ وماذا عن تلك الرسوم التي تستدعي التمهل عند خطوطها وأفكارها؟ أردته كتاباً يتضمن الكثيف اللطيف. كتاب يتضمن 125 لوحة، و125 خاطرة. يصح أن يشكل معرضين، لكنه كتاب يطالعه المهتم أينما وجد بعد التردي في ارتياد المعارض. هو معرض متنقل بين الأنامل. هذا من جهة، ومن جهة أخرى وبما أن اللوحة مفتوحة على التأويل أحببت الكلمة الموجودة في الخاطرة أن تكون بدورها مفتوحة على التأويل.
متصفح «الشيء بالشيء يذكر» يبقى في حال من التيه، فالخواطر التي يقرأها لا تجعله يستقر على حال. يبرر دلال هذا الإحساس حيال المقروء من الكتاب: أهم ما جاء به الإنسان أنه ملأ الدنيا بالأسئلة، فقد يكون الجواب نكبة السؤال. أو كما يقول انشتاين «الغبداع هو نزهة العقل». استطيع القول بأنني كتبت جديداً. في «الشيء بالشيء يذكر» تلتقي فلسفة الخاطرة مع فلسفة اللوحة فأيهما أصعب؟ يأتي الجواب: استطيع القول بفلسفة في النص، إنما في اللوحة لا. أتت الفلسفة لطرح الأسئلة ولهذا اصطدمت مع الدين. إنما في أحيان تصل الفلسفة إلى يقينيات ونظريات ترتبط بأصحابها. في حين أن لوحة ليوناردو دافنشي «الموناليزا» تسمح ومنذ 450 عاماً حتى الآن لكل ناظر إليها بقراءة فلسفية جديدة، برأيي اللوحة ولاّدة فلسفات.
كم يلحّ عليك التعبير الفني لتختلي معه؟ يقول: أظن أن الرسم هو الذي يعبئني بطاقة إنتاجية في مجالات ثقافية شتى. الرسم يحفز خيالي ويتركني في حلم دائم. ومن شأن الحلم أن يحملنا إلى التجربة التي هي «عقل مستأنف» بحسب الإمام علي. لهذا قلقي دائم طلباً للتجديد. ولأن محدثي مولود ومقيم بحماية جبل حرمون ووادي التيم، لهذا حضور المكان في لوحته متأصل كما في داخله. هو يعمل تحت مسّمى أبجدية «إنانة» وهي آلهة الخصب لدى السومريين القدماء، ونحن نعرفها بعشتار. وبما أن جبل حرمون حمل الكثير من الأساطير، وذُكر في ملحمة جلجامش وفي صفحة كاملة، نعم هذا الجبل يسكن في الحركة الثقافية الوجدانية التي نشأت عليها. يقول دلال. مضيفاً: أبجديتي في الرسم تكونت وأتت من جبل حرمون. هو الجبل الذي يحمل مغارة سيدنا آدم، وعليه تجلّى سيدنا عيسى المسيح، ويحتوي مشهد الطائر في القرآن الكريم، ومنه انبثقت دعوة التوحيد لدى طائفة الموحدين الدروز، كما يوجد عليه إله الشمس هليوس، ولا يزال مزاره موجوداً في قرية عين عطا، ومن بعده بـ150 سنة بنيت قلعة بعلبك، وبني من ضمنها إله الشمس وسميت بمدينة الشمس. والملاحظ أن كافة بوابات المعابد القديمة في سلسلة لبنان الغربية تتجه نحو جبل حرمون، وتحديداً نحو الإله الأساس بعل. ومن ثم كانت قبلة المسلمين. إنها الميثولوجيا القديمة التي شكلت ما أتى بعدها.
شوقي دلال الفنان يحلق بالمائي أكثر من الزيت، والسبب في رأيه: أشعر باللون المائي وكأنه روح الطبيعة اللبنانية. طبيعتنا شفافة وتشبه الماء. الزيتيات معتمة وتتلاءم مع طبيعة أوروبا التي تشتاق الشمس والضوء. في لوحتي حضور للون الأصفر وهو ما لفت سعيد عقل فسماها بسيمفونية الأصفر في لوحة شوقي دلال.
زهرة مرعي