شيء عن علاقة المُعلّم بطلابه

حجم الخط
9

تشغل علاقة المعلم بالطالب، وطريقة حثه على التعلم والتحصيل وتربيته الأهالي والمعلمين والمسؤولين والمختصين التربويين والفلاسفة على حد سواء منذ أقدم العصور إلى يومنا هذا.
هناك آراء ونظريات كثيرة ومختلفة، ولا يوجد حسم حول الطريقة المثلى في التعليم والتحصيل، وكثيراً ما يستذكرون أيام زمان بزعم أنها أفضل وأكثر جدوى، لأنه كان للمعلم مهابة وصلاحيات واسعة في معاقبة الطالب حتى بالصفع وشد الأذن أو حتى الجلد على اليدين أو المؤخرة، وحجة هؤلاء أن الدلال والتسامح الكبير مع الطفل يفسدانه ويجعلان منه ديكتاتوراً أنانياً لا يرى سوى ذاته، ويعترض عليهم آخرون بأن العقاب والعنف يربيان الخوف والذل في الطالب وينفرّانه من الموضوع.
كان أول يوم أخذتني فيه والدتي رحمها الله إلى المدرسة في سن خمس سنوات، وكانت المعلمة الأولى شقراء وعيناها زرقاوان، استدارت وراحت ترسم على السّبورة، وما أن سمعتْ حركة خلفها حتى قالت: إن لي عينين في رأسي من الخلف وأستطيع رؤية ما تفعلون.اعتراني خوف شديد، وفي اليوم التالي رحت أبكي وأصرخ رعباً رافضاً دخول غرفة الصف، ولم تفد محاولات إقناعي بأن الأمر لا يعدو كونه مزحة، فما كان من والدتي إلا أن نقلتني إلى معلمة أخرى بعد يومين فقط من بدء مسيرتي التعليمية، وهنا وجدت الحنان والحب اللذين لا أنساهما ما حييت.
يبدو لي أن أجواء تلك الأيام التي كنا نسمع فيها كثيرًا عن الجن والأشباح والغول وغيرها من قصص الرعب، كانت سبب رهبتي من ذات العيون الأربع، في هذه الأيام سيضحك الطفل ابن الثلاث سنوات إذا قلت له إن لك عينين من الخلف، فهو يسمع القصص المغناة ويرى أفلام الأطفال على جهاز هاتـــــف والدته أو على شاشة التلفزيون، ابنة السنوات الخمس تطلب منك كلمة المرور السرية للدخول إلى حاسوبك أو جهاز هاتفك، وقصة المعلمة التي تزعم أن لها عينين في رأسها من الخلف مدعاة لضحكهم وليس لخوفهم.

المعلم الذي أحببته

جاء من قرية دير الأسد المجاورة ليعلمنا اللغة الإنكليزية في مدرسة قريتنا الابتدائية.في يوم ما علمنا قصة، وسأل ما الذي استفدناه من هذه القصة! فأجبته بدقة، وبلغة إنجليزية سليمة، فدعاني لأقف أمام الطلاب ووضع راحته على كتفي وقال: أنت رائع إحك لزملائك ما فهمته مرة أخرى.ففعلت تلك اللمسة مفعول السحر في نفسي ووقع حب هذا المعلم في قلبي فأحببت دروسه.ولم تنته علاقتي به، فقد أقنعت عدداً من الطلاب بأن نمشي كيلو مترات عدة لنحضر زفافه، وكنا في العاشرة من أعمارنا.
ما زلنا حتى يومنا هذا نشارك بعضنا في الحزن والفرح، وكثيراً ما يفاجئـــني بزيارة لفنجـــــان قهوة أو باتصال هاتفــــي، نستعيد خلالها ذكريات المعلم والطالب، وأحياناً يعرض عليّ بعض كتاباته ويطلب رأيي فيها.على هذا المعلم تنطبق نظرية أن حب الطالب للمعلم يؤثر على محــــبة الطالب للموضوع الذي يدرسه.

شجيرات الفستق

وبعكسه كان معلم الطبيعة، كان يطلق على الطلاب أسماء الحشرات والأحياء، هذا سلحفاة وتلك أم عويس وذاك اليعسوب أو الحرذون والواوي، وبتصوّري إنه زرع شعوراً بالنقص لدى الكثيرين.
في يوم ما طلب مني تعشيب مزروعاته في حديقة المدرسة وأوصاني بشجيرات الفستق الحلبي التي زرعها تجريبياً لأول مرة، فنظّفت المسكب تماماً، حتى من شجيرات الفستق الحلبي التي يعتز بها.
كانت الريح شرقية باردة، أخذ مسطرة خشبية وراح يجلدني على راحتي، ثم على ظاهر يدي، واستمر بالجلد حتى انتفخت يداي. كانت هذه أول مرة أتقدم بها بشكوى إلى والدي، زعمت أنني لم أميّز بين شجيرات الفستق الحلبي والأعشاب، حضر والدي إلى المدرسة ودخل عند المدير، وسمع من الأستاذ قصة الشجيرات الخالدة، كنت أتوقع أن ينتصر لي، ولكنه اقتنع بكلامهما وانسحب وهو يقول: عندما يذنب ابني فاخبروني كي أعينكم على تربيته.
في هذه الأيام يُفصل المعلم من عمله إذا استخدم عنفاً كهذا لأي سبب كان، والبعض يقدم شكوى للشرطة، وبعضهم لا يصبر، فيذهب إلى المدرسة ويقوم بعملية تأديب موسّعة لكل طاقم المعلمين والبواب معهم. حتى أصبح المعلم في وضع لا يحسد عليه أمام بعض الطلاب سيئي التربية وذويهم.

حصة التربية المفقودة

في الابتدائية كانت هناك حصة تربية، نتعلم فيها الحلال والحرام والأخلاق الحميدة. هذه الحصة اختفت من المنهاج، وكأنما لم تعد الأجيال الصاعدة بحاجة للتربية، فالمهم هو التحصيل العلمي. كان معلم العربية هو مربي صفنا السادس، يستغل حصة التربية ليقرأ لنا قصة أعجبته، وغالباً ما كان يختارها من ألف ليلة وليلة أو كليلة ودمنة أو بضع صفحات من فتوح اليمن أو من بخلاء الجاحظ، وغيرها فحبب لي القصص.
أسلوب هذا الأستاذ كان محبوباً من قبل معظم الطلاب، ولكن ما كان يشوب هذه المحبة هو أنبوبة المطاط التي اشتهر بها، والموجودة حتماً في حقيبته لوقت الحاجة، كانت العقوبات جلدة واحدة على راحة الكف لكل مخالفة إملائية على أن لا تزيد عن ثماني جلدات في الحصة الواحدة إلا نادرا. ولكن عندما يرتكب طالب جريمة كبيرة مثل اعتداء جسدي على طالب آخر أو الاعتداء على خارطة الكرة الأرضية في غرفة المدير، كان يستغل درس التربية فيجري تصويتاً سرياً على عدد الجلدات التي يقترحها كل طالب كعقوبة، ثم يقسم مجموع عدد الجلدات المقترحة على عدد الطلاب، وهكذا يحصل على العقاب بطريقة ديمقراطية. هذا النموذج الوسطي من المعلمين لم يتنازل عن العقاب الجسدي، ولكن بدون مبالغة وفي الوقت ذاته استطاع أن يكون قريباً من الطلاب ومن الأهالي، وعرف كأفضل المربين رحمه الله.
من خلال تجربتي مع الطلاب في لقاءات لامنهجية ولسويعات قليلة حول الأدب والقصص، أدخل في نهاية اللقاء إلى مكتب المعلمين كي أهنئهم بطلابهم النبيهين والأذكياء والجديين، وفي بعض المرات أمر عليهم كي أواسيهم بمصابهم الجلل، كان الله بعونكم يا جماعة.
يحتاج المعلم إلى طاقة غير عادية للسيطرة على طلاب مدللين في بيوت ذويهم، يسمحون لأنفسهم بكل شيء، يحتاج إلى إيمان عميق برسالته كي يستطيع ممارستها لسنوات طويلة دون أن يتبلّد أو ينهار أو يفقد رغبته في العمل وحتى في الكلام، وأكثر ما يحتاجه إلى جانب مؤهلاته هو الحب الكبير لهؤلاء التلاميذ كما لو كانوا أبناءه.

شيء عن علاقة المُعلّم بطلابه

سهيل كيوان

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية