«أنا، أيضا، أغنّي أمريكا» هو العنوان الذي وضعته صحيفة «نيويورك تايمز» لتغطيتها «المتحف الوطني لتاريخ الأفارقة الأمريكيين وثقافتهم» الذي سيفتتح بعد أيام في العاصمة واشنطن.
وقد نشرت الصحيفة على موقعها صورا لبضعة معروضات انتخبتها من القطع الثلاث آلاف والخمسمئة التي سيضمها المتحف عند افتتاحه، وهي من أصل أربعين ألف قطعة جرى تجميع أكثرها مما قدّمته العائلات تبرعا وإسهاما. ولسياق المعرض اعتمد التوالي الكرونولوجي الزمني من أجل أن يتدرّج زائره بمشاهدة تاريخ السود الأمريكيين من بدايته. وهذا يبدأ من الطابق تحت الأرضي في المبنى المتسع الضخم الذي يضم بين معروضاته ما هو في حجم منزل صغير كانت قد أقامت فيه، ابتداء من 1853، كلارا براون الأسيرة المحررة التي قادت كثيرين آخرين للعيش في حياة حرّة؛ وعربة قطار كانت تقل البيض والسود لكن بتعامل مختلف مع كل من هؤلاء وأولئك، علما بأنهم يدفعون أجرة الانتقال ذاتها. وطبعا، هناك معروضات أخرى بينها بقايا من سفينة ساو جوزيه البرتغالية التي غرقت عند شواطئ جنوب أفريقيا عام 1794 وقضى فيها 212 من أصل 400 أفريقي كانوا قد أُسروا ليستعبدوا في أمريكا. في تلك الطبقة من المبنى تشاهد المعروضات الأكثر قسوة إذ كان زمن الاستعباد ما يزال في بدايته. من ذلك مثلا تخصيص جدار كامل لتدوين أسماء 2200 شخص أعدموا في السنوات ما بين 1882 و1930، وكذلك صور الأصفاد التي كانت تكبل أيدي الأسرى وأرجلهم.
في المعرض أيضا قناع مما كانت تتخفى به جماعة الكوكلوكس كلان، وكذك، في مكان آخر، الثوب الأحمر المطرّز الذي كان يرتديه منظّم الوافدين للانتساب إلى تلك الجماعة. وليس بعيدا من ذلك كفنُ الفتى إيميت تل ابن الرابعة عشرة الذي أعدم بوحشية عام 1955 في ولاية مسيسيبي على يد الجماعة، وهناك، إلى جانب كفنِه قطعة من الحبل الذي استخدم في شنقه.
القسوة والكراهية اللتان يحتوي شواهد منهما ذلك القسم من المتحف لن تضيفا شيئا كثيرا على ما احتوته ذاكرة الجميع من تاريخ أمريكا. ما ستدّل إليه تلك المعروضات سبق أن نقلته كتب ومسرحيات وأفلام سينمائية ومرويات وتواريخ شفهية، بل ومواجهات وتظاهرات ما زالت قائمة تعلن أن زمن التمييز لم تطو صفحته بعد. تلك اللافتة التي تقول إن ارتياد هذا المطعم ممنوع على غير البيض، التي هي واحدة من معروضات المتحف، ربما يظل ما خُطّ عليها ساريا حتى بعد نزعها. ذلك الزمن لم يصبح ماضيا بعد. لن يُدهش المتنقل بين المعروضات، سواء كان أسود أو أبيض، متسائلا بينه وبين نفسه إن كان ما يشاهده قد حدث حقا. ربما يرى، هو المشارك في احتفال الافتتاح الذي سيقام بعد أيام قليلة، أن ما يراه هو خطوة أخرى نحو الخروج الذي لم يصبح تاما بعد. ليس إلا خطوة في مسار، كمثل أن يُضمّ أسود إلى مؤسسة كان محظورا وجوده فيها، أو ظهور أول أسود في فيلم ينتج في هوليوود، أو أن يسلّم لمايكل جاكسون بأنه صاحب النجومية التي لا تضاهى في الولايات المتحدة، أو أن يصل باراك أوباما (الذي سيلقي كلمة أمريكا في الاحتفال) إلى أن يمثّل ما ينبغي أن يعتبر النهاية الأخيرة لمعضلة المواطنة الأمريكية، أو ربما كان المعنى من المتحف الاحتفال بالقدر الذي تحقّق حتى الآن وليس احتفالا بطيّ تلك الصفحة كاملة. احتفال بالاعتراف طالما أن القرار بإقامة المتحف أُقرّه الكونغرس والرئيس جورج بوش (من نحو ثلاثة عشر عاما) فيما تظهر إحدى المعروضات مجسما لتوماس جيفرسون (الرئيس الثالث للولايات المتحدة والمشارك الأساسي في صياغة إعلان الاستقلال) واقفا خلف بناء تألّف من مربعات كتب على كل مربع منها اسم واحد من العبيد الذين كان يملكهم.
ستظل تأتي لحظات أو مناسبات تالية يعلن فيها عن تحقيق التقدم خطوة أخرى إلى الأمام، ما يعني أن المتحف لن يتوقّف عن استقبال معروضات أخرى ستفد إليه. وهذه ستوضع في الطابق الأعلى، إلى جانب آخر المعروضات في الترتيب الكرونولوجي المذكور أعلاه، أقصد إلى جانب النجاحات الفذة التي حقّقها مغنون وموسيقيون ورياضيون ودعاة حقوق إنسان. أما ما سيشذّ عن هذا الترتيب، كمثل ما حدث مؤخرا من ردّ السود على استمرار رجال الشرطة في قمعهم، حتى القتل، فهذا مما يعود إلى الطبقة السفلى من المتحف، تلك التي لا مكان فيها لإضافة شيء جديد.
٭ روائي لبناني
حسن داوود