شيء من اللغة: الباء بين التارك والمتروك

حجم الخط
0

كل لفظة لها وظيفة محددة في الجملة العربية. ومن يستعمل هذه اللغة في كتابته يجب أن يلتزم بأصولها كما يلتزم بقواعد اللغات الأجنبية حين يكتب بها. لماذا (باء) اللغات الأجنبية تجرّ، و(باء) العربية لا تجر؟
وعلى ذكر الباء، تعالوا ننظر في استعمالها بضمن أسلوب التبديل، أي حين تبدل شيئا بشيء آخر.
هنا مثال من ذلك وحوار معه:
قال أحد الشعراء المشاهير: (أنا من بدّل بالكتب الصحابا).
ما معنى هذه الجملة؟ ماذا أراد الشاعر أن يقول؟
هل أراد أنه ترك الكتب ولازم أصحابه؟ أم أراد أنه ترك الأصحاب، وصادق الكتب, عملا بقول الشاعر: (وخير جليس في الزمان كتاب) واستجابة لكثير من الشعر والحكم في ذم الأصحاب ومديح الكتاب؟ حتى قيل إن الصديق خرافة، وأن الخل الوفيّ أعجوبة لا وجود لها؟
المشهور أنه أراد ترك الأصحاب واصطحاب الكتاب، ولكنه أساء وأخطا، إذ أدخل الباء على (الكتب) لا على (الأصحاب) فالباء تدخل على المتروك لا على بديله. وفي التنزيل العزيز: «أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ»(سورة البقرة 61). ومعنى الآية واضح: فهي توبخهم وتقررهم أنهم يريدون هذا الأدنى ولو كان تافها ضئيلا، ويتركون ما هو خير منه.
وقد تقول إن الشاعر قد اضطر إلى ذلك وإن هذا الاستعمال من الضرورات الشعرية التي أقرها النحويون واللغويون ونقاد الأدب.
مسألة الضرورات الشعرية عويصة. فالشاعر الجدير بصفته لا يلجأ إليها، خاصة في الذي لا يحتاج إلى ضرورة. وقد اعتبر جملة من علماء اللغة ومنهم الشيخ أحمد بن فارس (ت 395 هـ) أن (الضرورات الشعرية) أخطاء عللها بعض أهل النحو بذلك التعليل.
ولو نظرنا في أشعار الشعراء الكبار لما وجدنا عندهم من (الضرورات الشعرية) شيئا.
وحتى إذا أجازها الشاعر لنفسه باعتبارها من الضرورات الشعرية، فهي من الضرورات الشعرية القبيحة جدا. فثمة بعض الضرورات التي يقل قبحها إلى درجة إمكانية استساغتها، كما في صرف الممنوع من الصرف، كما في تنوين (مدارس) و(مساجد) وأمثالها من صيغ منتهى الجموع التي لا يجيز النحويون تنوينها (مدرسٌ/ مدارسا/ مدارسٍ) فالممنوع من الصرف فيه ما فيه. وهذا يختلف عن أسلوب الاستبدال.
فكان الصواب أن يعبر عن المعنى الذي أراد بالقول (أنا من بدل بالصحب الكتابا) ولا يختل الوزن ولا العروض، ويأتي المعنى جميلا أنيقا لا خلل فيه.
وقد تسأل: هل يجوز أن نقول: (أنا من بدل الكتاب بالصحابِ) مثلا، بتقديم المطلوب وتأخير المتروك؟
الجواب نعم إلا إذا حدث خلل في الأسلوب. مثلا: لو قلنا (إن استبدال الكتب بالصحاب نافع لك) فهي جملة فصيحة سليمة. ولكن، لو قلنا (إن استبدال بالصحاب الكتب نافع لك) لوقع ضعف في الجملة؟
لماذا؟
لأن (استبدال) مضاف و(الكتب) مضاف إليه. ويُفترض، في المستوى العالي من فصاحة الأسلوب، أن أولهما متصل بثانيهما بلا فاصل. وهنا وقع فاصل بينهما.
ويمكنك أن تقلل من قبح أسلوب (إن استبدال بالصحاب الكتب نافع لك) بتغيير بسيط في الجملة، فتقول: (إن استبدالك بالصحاب الكتب نافع لك) حيث تكون الكاف (مضافا إليه) وتنتصب الكتب مفعولا به لاستبدال، إذا اعتبرت الفعل (استبدل) متعديا (أي يحتاج إلى مفعول به) أو بحذف حرف الجر (للكتب) على رأي ما قال إن الفعل لازم.
وأرى أن هذا الرأي غير لازم، بحكم مجيء فعل التبديل متعديا في قوله، تعالى: «يَوْمَ تُبَدَّلُ الأَرْضُ غَيْرَ الأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ» (سورة إبراهيم 48) فالتنزيل العزيز لم يقل «يوم تبدّل بالأرض غير الأرض». فالفعل متعدّ لا لازم.

لغوي عراقي

رشيد الخديري

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية