العدوان هو هذا الذي نراه ونسمعه ونطالعه في الصحف والمجلات. هذا يعدو على ذاك، وذاك يعدو على هذا. فكلّ منهم عدوّ يريد أن (يعتدي) على الآخرين، أي أن يتجاوز حدوده معتديا عليهم ومحاولا أن (يعديهم) أي أن ينقل إليهم أمراضه وعِلَلَه.
فالعدوان لا بدّ منه لنقل (العدوى)، وذاك هو المبرر الحقيقي لأي عدوان تراه وتسمعه وتستفزّك به الأخبار والصحف والمجلات حين تسميه نصرا، حيث إن حالتها بالضبط مثل حالتك، لا سمح الله، لو أنّك ضربت ابنك الصغير ضربا مبرّحا، فكسرت منه ذراعا أو فقأت منه عينا، ثم إذا بك تحتفل بانتصارك عليه، وتريد أن تسير بذكرك الركبان، وأن تشيد ببطولاتك الرجلان والنسوان، وأن تهلل لك الأخبار والصحف والمجلات، فهنيئا لك ذلك الانتصار.
لغويا، ثمة علاقة وطيدة بين العدوان والعدوّ (بتشديد الواو) والعَدْو، أي الركض، والعدوى المعروفة، وقانا الله وإياكم شرّها، فما أكثر الأمراض وما أكثر الـمُعدين والمعتدين.
فالعَدْوُ، أصلا، هو الركض، فأنت تعدو أي تركض. وما سمّي المعتدي بذلك إلاّ لأنّه يعدو على الآخرين وكأنّه يركض وراءهم بقصد إيذائهم. ومنه قالوا للفرَس: عَدَوان، بفتح العين والدّال، لأنّه سريع الجري في الحرب وحلبات السباق، غير انّ اللفظة ذاتها تُطلَق على الذئب لا لجريه السريع فحسب ولكنْ لعدوانه أيضا.
وتعادَى الناسُ، أي: تبارَوا في الجري. ولكنّك ترى أن تعادي النّاس تحتمل معنَى انتشار العداوة بينهم، ومن هذا المعنَى الثاني جاء قول المتنبي:
ومُرادُ النّفوسِ أضألُ مِنْ أنْ
نتعادى فيه وأنْ نتفانَى
أي أن يُفنِيَ بعضُنا بعضا.
ويرتبط المعنيان فيما بينهما ارتباطا وثيقا، فالتباري في الجري، تنافُسٌ للحصول على المركز الأول في السباق، وكذا التباري في الحرب أن ينتصر هذا على ذاك.
والعَديّ، بفتح العين وتشديد الياء، أول الخيل التي تعدو. والعادية: أول الرّجّالة في الحرب، أي: المشاة الذين يتقدمون غيرهم. ومنه اسم (عَدِيّ) فأمّا ضمّ العين (عُدَيّ) فخطأ شائع، إذ انهم يقولون رأيت عَدِيَّ القومِ مقبلا، أي الذي يحمل على الأعداء سابقا الجيش برمّته.
والاعتداء والتعدّي والعدوان: الظلم. فأنت حين تظلم غيرَك فإنما تعتدي عليه، و(تتعدّى) على حقوقه. ومنه: عدا عليه عَدْواً وعُدوانا وتعدّى واعتدَى وكلّها بمعنَى الظلم. ومثله لفظة (العَدَاء) ففي واقعات التاريخ أن النبيّ كتب ليهود تيماء أنّ لهم الذمّة (أي المحافظة).. بلا عَداء، أي بلا عدوان لا منهم ولا من المؤمنين.
ومما لا شك فيه أنّ من يقوم بالعدوان على الآخرين ينقل إليهم ما لديه من أمراض وعلل، سواء كانت جسدية أم اجتماعية. ومن الطريف أن تدري أنّ العربية تقول: أعداهُ بالجَرَب، أي نقل إليه المرض المعروف. وليس من الصحيح أن تقول: عدى فلانٌ فلاناً بالجرب، بل عليك أن تقول: أعداهُ، أي: جاوزَ المرضُ المريضَ به إلى السليم. وهذه هي العدوى.
فإذا وضعت حرف الجر (على) بعد الفعل فقلتَ أعداه على كذا، انتقل المعنَى إلى قوّاهُ وأعانه، كما قال الشاعر:
لمستُ بكفّي كفّهُ أبتغي الغِنَى
ولم أدرِ أنّ الجودَ من كفّه يُعدي
ومثله قول الآخر:
ولقد أضاء لك الطريق وأنْهجتْ
سبلُ المكارِمِ والهُدَى يُعدِي
وهذه عدوى بالخير والبشرى، فهي على المجاز المعنوي وهو تطور في الوضع اللغوي. ومن الجميل والرائع والرائق أن تسود بين الناس، ويا ليت الحبّ والألفة والتعاون من الصفات التي تنتقل بالعدوى، ولو باستعمال لفظ (العدوى) استعمالا مجازيا، بدل هذا التطاحن والتخاصم والتحاسد والتحاقد الذي يعمّر قلوب كثير من الناس، ناسين أنّ صفتهم الإنسانية مأخوذة من الإيناس والاستئناس، أم هي من النسيان على رأي بعض شعراء المهجر؟ أم على رأي الفرزدق الذي أنس بصوت الذئب وتطيّر من صوت إنسان سمعه في البادية القاحلة.
فأما (عَداكَ) أي تَجاوزَك، و(عدى) أداة استثناء، فلهما مع ما يشبههما مقالات أخرى لاحقة.
باحث وأستاذ جامعي عراقي – لندن
هادي حسن حمودي