شيء من اللغة

حجم الخط
5

المرأة… إنسان أم إنسانة

جميع الكتاب تقريبا يؤنثون لفظة (إنسان) حين يجعلونها وصفا للمؤنثة دائما، فيقولون:
□ يجب أن ننظر إلى المرأة باعتبارها إنسانة كاملة الأهلية.
□ فلانة إنسانة رقيقة، وذكية، وجميلة، أو سيئة ولئيمة وسليطة اللسان.
غير أن مشتغلين باللغة أنكروا عليهم ذلك، وذهبوا إلى أنّ لفظة (إنسان) لا تؤنث..
فأين الحقيقة.. يا ترى؟!
قبل أن أجيب هذا السؤال، أرغب في أن أنقل إليك حادثة طريفة كنت قد شهدتها بنفسي، فقد وقف أحد الخطباء في حفل بمناسبة عيد المرأة يلقي كلمة في اجتماع نسوي حاشد، فقال: يجب على المشرعين للقوانين الحرص عن تضمين القوانين كل حقوق المرأة كبيرة أو صغيرة، ذكرا كانت أم أنثى!
فلله عاقبة الأمور!
حسنا.. المرأة أنثى ولا يمكن أن تكون رجلا حتى لو (استرجلت). لذا وضع علماء اللغة لفظ (المرأة) مع المؤنث الحقيقي، ذلك أن من الألفاظ المؤنثة ما أنّثوه تأنيثا مجازيا كالشمس والليلة وغيرهما. وما دام الأمر كذلك، فيجدر بنا أن نذكر أن تأنيث لفظ (إنسان) حين توصف به المرأة استعمله فريق من الشعراء منذ العصور القديمة، فقالوا (إنسانة) بدل (إنسان) غير ملتزمين بتقرير اللغويين من أن لفظة (إنسان) تطلق على المذكر والمؤنث، أي إنها غير قابلة للتأنيث. ومن أولئك الشعراء الذين لم يلتزموا بتقرير اللغويين ما حكاه الصفدي عن ابن المستكفي:
لاعبت بالخاتم إنسانة/ كمثل بدر في الدجى الناجمِ
وكلما حاولت أخذي له/ من البنان المترف الناعمِ
ألقته في فيها فقلت انظروا/ قد أخفت الخاتم في الخاتم
ومنهم، من أهل القرن الخامس الهجري أيضا، ابن سكرة الهاشمي في قوله:
في وجه إنسانة كلفت بها/ أربعة ما اجتمعن في أحدِ
فالخدّ ورد والصدغ غالية/ والريق خمر والثغر من بَرَدِ
ونص علماء اللغة على أن هذا الاستعمال عاميّ غير فصيح، واستشهد أحدهم بقول الشاعر:
لقد كستني في الهوى ملابس الصبّ الغَزِلْ
إنسانة فتّانة بدر الدجى منها خجلْ
إذا رنت عيني لها فبالدموع تغتسلْ
فليظل هذا العاشق يغسل عينيه ووجهه بدموع الصبابة والشوق عسى تلك المحبوبة التي يخجل منها بدر الدجى، تحنّ له وترثي لحالته، ولنعد إلى ما قرره أولئك العلماء، حيث إنّ هذا الذي قالوه من عدم جواز تأنيث لفظ (إنسان) صحيح، ويمكن أن نفهم النصوص السابقة بأنها من باب الضرورات الشعرية، وأنها صادرة في فترة اختلاط لغوي وسيطرة عاميات متعددة هنا وهناك.
ولكن، ثمة ملاحظات نراها نافعة مفيدة:
الأولى: إنه لا مبرر لذكر لفظ (إنسان) مع الأسماء، ولن يكون من اللائق أن تقول: جاء الإنسان أحمد، مثلا، لأن ذكر (أحمد) لوحده يُغني عن وصفه بالإنسان، إلا إذا أردت مديحا لإنسانيته وطيبته، وهذا قلّما يحصل في اللغة. وكذا في قولك: جاءت ليلى، فلا مسوغ لأن تقول: جاءت الإنسانة ليلى. للسبب نفسه. (إلا إن قصدت مبالغة في الطيبة والأخلاق السامية).
الثانية: إن صيغة الجملة تعطي لفظة (الإنسان) دلالتها على التأنيث والتذكير، كقول جرير (وهنّ أضعف خلق الله إنسانا). فالدلالة على المؤنث لا تحتاج إلى بيان، لوجود (هنّ) ضمير المؤنث. وكذا كل شاعر متمكن من اللغة وصياغة الجملة الصحيحة الفصيحة.
الثالثة: أرى جواز التأنيث باستعمال لفظ (إنسانة) حين تحتاج الجملة إلى بيان، كما في قولك: رأيت (إنسانا) في الموضع الفلاني. فالسامع لا يفهم مرادك، وقد يسألك: هل رأيت رجلا أم امرأة؟ لذا عليك أن تقول: رأيت (إنسانة) في الموضع الفلاني إن كان مَن رأيتَ امرأة لا رجلا.. ولكن على غير طريقة ذلك الخطيب الحصيف الذي يدافع عن المرأة ذكرا كانت أم أنثى!

كاتب عراقي

هادي حسن حمودي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية