دعاني بعض القراء الأعزاء إلى إبداء رأيٍ في موضوع إطلاق كلمات (الإله والرب والمعبود) على غير الله تعالى، هل يصح ذلك أم لا؟
هنا أتساءل: هل يجوز ما اكتظت به بعض الكتب عن عاشقي هذا الزمن من مثل قولهم: وكنت أعبدها وأعبد التراب الذي تمشي عليه؟ أو يخاطبها بـ(معبودتي) و(إلاهتي) وما إلى ذلك؟ هل نفهم هذا على أنه مبالغة؟ أم إنه تعبير صوفي؟ أم إنه فكر مسطح وخواء نفسي يتغطى بألفاظ ضخمة؟
ولما كنت أعتقد أن الكلمة تزرع مضمونها في نفس قارئها ومتلقيها، فإن (معبودتي) و(أعبدها) وما شابههما هي من باب (الوهم اللغوي).
(الوهم اللغوي، الإغراق في البُعد عن واقع الحياة ومنطق اللغة، ومنه تفرع آخر أسميه الخبال اللغوي من مثل قول شاعر من القرن الثاني للهجرة يخاطب ممدوحه:
ما شئت لا ما شاءت الأقدارُ
فاحكم فأنت الواحد القهار.
فيما يتصل بموضوع العنوان أقول: إنّ الملاحظ أنّ لفظة (اللّه) لم تُذكر في جميع آيات الخلق الأوّل، خلق آدم، بل جاءت لفظة (ربّ). ثمّ يظهر لفظ «اللّه» في قصّة ابنَي آدم المعروفَين باسم هابيل وقابيل، وكذلك في قصص الأنبياء كقصّة نوح. مِمّا يعطينا مؤشّرا إلى أنّه، جلّ جلاله، لم يَذْكُر له اسما، فكانت كلمة (رَبّ) قاصرة عليه، ومُخْتَصّة به. فلمّا تكاثر النّاس وأشرك بعضهم به، وصار لكلّ فرد أو جماعة، إله، وربّ، ظهر لفظ الجلالة (اللّه) للدّلالة عليه وحده.
أما الإله فقد ذكر بعض الأقدمين: أنه من أسماء الأجناس، كالرّجل والفَرَس، وهو اسم يقع على كلّ معبود، بحقّ أو باطل، ثمّ غلب على المعبود بحقّ، كما أنّ النّجم لكلّ كوكب، ثمّ غلب على الثّريّا، وكذلك السّنة على عام القحط، والبيت على الكعبة، والكتاب على كتاب سيبويه.
وعلى مدار التّاريخ، أطلق ناسٌ لفظة (إله) على ما ارتضوه لأنفسهم من (آلهة) أخرى يعبدونها، سواء كانت أصناما وأوثانا، أم كانت مصالح ذاتيّة كالمال والهوى، وغيرهما مِمّا يستولي على التّفكير البشريّ، استيلاء يُفقده حُسنَ التّفكير ويملك عليه قيادَه.
أما الرب فشأنه يختلف: فلهذا اللّفظ أصول دلاليّة يُمكن أن تُجمعَ في إصلاح الشّيء والقيام عليه. فالرَّبّ: المالك والخالق والصّاحب. والرَّبّ: الـمُصْلِحُ للشّيء، يقال: رَبَّ فلانٌ ضَيعته: إذا قام على إصلاحها. واللّه، جلّ ثناؤه، الرَّبّ لأنّه مُصْلِحُ أحوالِ خلقه. ورَبَبت الصّبيَّ أرُبُّه، وربّبتُه أُرَبِّبُه. والرَّبيبة الحاضنة. ورَبيب الرّجل: ابن امرأته. وما شابه ذلك.
فكلّ دلالات اللّفظة موجّهة للصّلاح والإصلاح والتّجمّع والتّألُّف والتّآلُف وهذه الدّلالات لا يستطيع البشر تحقيقها إلاّ بصعوبة ومشقّة وعُسر، لأنّها تخالف ما يتولّع به كثير من النّاس من الطّمع والجشع وغيرها من صفات تحرّك المرء نحو الإساءة للآخرين تحقيقا لذاتيّته المفرطة. ولكنّ المرء المتسامي في ذاته والمترفّع عن الصّغائر يستطيع أن يحقّق الصّلاح والإصلاح والتجمّع والتألّف والتّآلُف بيُسر وسهولة. ولكنه لن يكون (ربّا) بالمعنى العام للكلمة. وإنما يجوز أن يحدّد ذلك كأن تقول: ربّ البيت، وربّة البيت، وهما اللذان يعتنيان بالبيت ويديران شؤونه وشؤون ساكنيه.
خلاصة ما أرتضيه لنفسي من تعبير أن لفظة (إله) ولفظة (رب) ولفظة (معبود) وما أشبه ذلك أصبحت ألفاظا ذات مضامين محددة. فأستعملها في حدود تلك المضامين، شعرا ونثرا، إلا إذا أوضحتُ المقصود بلا إبهام، كما في رب البيت وربة البيت، وحتى هذا الاستعمال أصبح نادرا.
ومن طريف الشعر في هذا الصدد قول الشاعر العباسي:
ربابٌ ربّة البيت// تحطّ الخلّ في الزيتِ
لها سبع دجاجات// وديكٌ حسن الصوتِ
فلتهنأ بدجاجاتها وديكها.. ولكن لا تضع الخل مع الزيت فهما لا تلاؤم بينهما.
باحث أكاديمي عراقي ـ لندن
هادي حسن حمودي