شيطنة الذات الفلسطينية

حجم الخط
0

■ في محاولتها للرد على تردي الواقع وانسداد الآفاق والاستجابة لمعطيات مرحلة جديدة بامتياز، تنقلب الذات الفلسطينية على نفسها وتطلق العنان لحالة نقد للذات غير مسبوقة، في فضاءات سياسية باتت هشاشتها بادية للعيان، في ظل غياب الإجابات على أسئلة مرحلة ما بعد اتفاق أوسلو، الذي تجاوزته الأحداث ومعطيات الواقع منذ الانتفاضة الثانية عام 2000، التي شكلت نعيا رسميا لذلك الاتفاق، ربما ضل طريقه إلى عيون المتماهين معه رغم موته المحقق نظريا وسريريا، أو أسدلت الجفون على الاخفاق المدوي حتى لا يرى أصحابه ملامح الفشل الذريع الذي لحق بمسيرة سياسية واهية باقية وتتمدد منذ ربع قرن من الزمن.
في ظل انسداد الآفاق السياسية، وانعدام الحلول أمام استراتيجية السلام العربية والفلسطينية الرسمية، بفعل تغول الأحزاب والقوى اليمينية الصهيونية داخل الدولة العبرية وخارجها، ورجحان كفة إدارة الظهر لحل الدولتين في أوساطها، وتردي الحالة العربية وأدائها السياسي، جراء التمادي في انكار استحقاقات الربيع العربي وضرب مكامن قوة التغيير في مفاصل وأركان النظام السياسي في مختلف النظم السياسية العربية، وتراجع الاهتمام الدولي بالقضية الفلسطينية، وفي محاولة منها للبحث عن مخارج، لم تجد الذات الفلسطينية طريقا آخر للتعبير عن الخيبة سوى الإمعان في نقد الذات، وتحميلها مسؤولية ما آلت اليه أوضاع الفلسطينيين في مختلف أماكن عيشهم، بطريقة حملت العامل الذاتي الفلسطيني أكثر مما يحتمل. طبعا ما كان لهذه الوجهة النقدية أن تتعمق وتتشعب وتأخذ كل هذا الحجم إلا بالتزامن مع غياب وتغييب الرؤية النقدية الجامعة لحال لقضية الفلسطينية، بأبعادها المحلية والعربية والدولية، رؤية ستبقى عاجزة عن مقاربة الواقع السياسي ومشوهة له، طالما أنها لا تلحظ معطيات المستقبل، بينما تغفل تلك الحقائق التاريخية التي تقوم عليها القضية الفلسطينية برمتها، والتي غيبتها معطيات الواقع الراهن عمدا وجعلتها حبيسة الذاكرة، في حين من المفترض أن تشكل رافعة دائمة لا غنى عنها في كل الظروف والأحوال، وركيزة لا غنى عنها لأي قراءة موضوعية في هذا السياق.
لا حاجة هنا للتذكير بتلك الحقائق جميعها، لكن حقيقة واحدة تكفي للتدليل على عدم جدوى تلك الوجهة الأحادية في نقد الذات الفلسطينية، وهي حقيقة لا يختلف حولها اثنان في مستوياتها البدئية، لكن قد نجد آراء مختلفة ومتباينة كثيرة حول مآلاتها، فالمشروع الاستعماري الصهيوني، الذي أنجب القضية الفلسطينية، لم يكن يستهدف الفلسطينيين وحدهم، كما هو معروف، وبالتالي، فإن اقتصار الحديث النقدي على تقادم الأداة الكفاحية المعتمدة حتى الآن من قبل الفلسطينيين، ممثلة في منظمة التحرير الفلسطينية ومفرزاتها، بما في ذلك السلطة الوطنية والفصائل الفلسطينية، ينزع إلى المنهج الأحادي عينه ويجافي الموضوعية ويفضي، بالتالي، إلى رؤية قاصرة لا تعكس واقع الحال، لا بل إنه يتماهى مع دعوات الفصل بين قضايا المشرق العربي المتشابكة في بناها وطبيعتها ومآلاتها، بدون القوى الفاعلة فيها، أقله تلك القوى الساعية إلى تغيير مخرجات ذلك المشروع الاستعماري، الذي يستهدف المنطقة برمتها.
هنا تبرز الحاجة ماسة للتذكير بأن المشروع الكفاحي الفلسطيني المضاد ما هو إلا رأس حربة في مشروع عربي أشمل تتكامل مكوناته وتتفرع عن المشروع الصهيوني ذاته، الذي ولد هذا التشويه التاريخي الحاد في معطيات المنطقة الجغرافية والسكانية والجيوسياسية، ما يعني أن قراءة للواقع الفلسطيني على هذا الأساس هي قراءة مشوهة وعرجاء بالضرورة، ولن تفضي إلا إلى مزيد من شيطنة الذات الفلسطينية وجلدها بلا طائل، لا لشيء إلا لأنها معطيات طارئة على المشهد، وتكتفي باقتطاع بعض من جزئياته، بينما تغفل جزئيات أخرى لا تستقيم تلك القراءة من دونها. الغريب في عسر قراءة من هذا النوع إغفال متعمد يلحظ في سائر جنبات المشروع المضاد للمشروع الصهيوني، الذي يشكل في تقدمه المتواصل منذ ظهوره العقبة الرئيسية، ليس أمام تجسيد حقوق الشعب الفلسطيني في استعادة أرضه المسلوبة وتقرير مصيره فحسب، وبناء دولته المستقلة، وإنما أمام انعتاق سائر الشعوب العربية من أنظمة مستبدة، ما كانت لتستقيم كياناتها السياسية على ما هي عليه لو لم تشكل منذ بداية تحرك المشروع الصهيوني جزءا لا يتجزأ من ذلك المشروع، بارتباطاته الدولية المهيمنة على المنطقة والعالم، والأغرب من ذلك أن تحرم قوى التحرر والتحرير العربية من مد جسور التعاون فيما بينها، ومن بناء تحالفات ترقى إلى مستوى الضرورة الموضوعية، وأن توسم محاولات عربية في هذا الاتجاه بالخيانة والمؤامرة وحتى الارهاب، في حين تشتد عرى التنسيق والتعاون في شتى المجالات، ولا سيما الأمنية منها بين أطراف المشروع المقابل.
لكن القضية الفلسطينية لا تملك، في الوقت نفسه، ترف الاكتفاء برمي غسيلها الوسخ على حبل محيطها العربي التابع والمضطرب، وبالتالي، فإن المطلوب من حركة النقد المحتمدمة للذات الفلسطينية في الساحة الفلسطينية هو توسيع زاوية الرؤية فقط وتنويعها في كل الاتجاهات وتوخي الموضوعية في تناول ذاتها ونقدها، بحيث لا يطغى عنصر نقدي على آخر، لا سيما وأن فئات وشخصيات فلسطينية عديدة ومتنوعة الاتجاهات والرؤى، خصوصا الشبابية منها، تتشارك حاليا في نقاش المآلات السياسية التي أفضت إليها مسيرة أوسلو الفاشلة، التي ولدت بدورها مزيدا من الأعباء على القضية الفلسطينية، ليس أقلها تلك الطبقة السياسية والبيروقراطية، التي باتت ترى في بقاء أجهزة السلطة وعلاقاتها مع دولة الاحتلال بقاء واستمرارا لها، في مشهد يتماهي، بطبيعة الحال، مع أنظمة الاستبداد العربية، الأمر الذي يشكل بدوره عاملا إضافيا للسعي إلى إبراز نقاط التلاقي والعمل المشترك مع قوى التغيير في الدول العربية وليس العكس، كما هو هو حاصل حتى الآن.
أما على مستوى الداخل الفلسطيني، فلا بد من الاعتراف، أولا، بوجود حالة من الضياع السياسي لا تتوقف حدودها عند مخرجات أوسلو الكارثية فحسب، بل تتعداها مولدة معها حالة من الشتات السياسي الفلسطيني كرستها تلك الطبقة السياسية بين مكونات المجتمع الفلسطيني، بحيث بات من الممكن القول إن المشروع الوطني الفلسطيني فقد الكثير من مقومات سياقه التاريخي والسياسي، ما دفع حركة النقد الفلسطينية الحالية إلى التحليق في الهواء مفتقرة لأي ضوابط أو أطر أو قوى حاملة وموجهة لها، حالها في ذلك حال ما اصطلح على تسميته بالهبة الشبابية الفلسطينية الجديدة القائمة على المبادرة الفردية، والمنفلتة من عقال الأطر السياسية الفلسطينية التقليدية، في انتظار تكشف معطيات جديدة تساعد على إعادة قراءة المشهد السياسي الفلسطيني من جديد، في إطار ما سوف تتمخض عنه الثورات العربية ضد أنظمتها الشمولية، حيث يبدو الفصل بين مسارات التحرر والتحرير ضربا من العبث.

٭ كاتب فلسطيني

 

شيطنة الذات الفلسطينية

باسل أبو حمدة

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية