في الأسابيع الأخيرة كتبت هنا عدة مرات عن مؤشرات حب الاستطلاع التي تصدر من بغداد عن الاتصال مع إسرائيل. العراق اليوم هو إحدى الدول المثيرة للاهتمام في المنطقة. فوسائل الإعلام الإسرائيلية تقلت من الاهتمام بها، إذ بعد كل شيء، فإن مشاكلها لا تتعلق بنا حقا، ظاهرا على الاقل، ففي كل ما يتعلق بالدول العربية يحب الإسرائيليون أن يسمعوا السطر الأخير، هل هم يحبون اليهود أم يكرهونهم.
معظم سكان العراق لا يهتمون على الاطلاق بالنزاع الإسرائيلي ـ الفلسطيني. بعضهم ينفر من إسرائيل، من بواقي عصر صدام حسين. وولدت السنوات الأخيرة مجموعة ثالثة ممن يدعون إلى تجديد العلاقات مع اليهود.
بخلاف الاعتقاد السائد هنا، فإن إيران لم تسيطر على العراق ولم تحتله. صحيح أنها قوة ذات مغزى في الجهد الإقليمي لنيل أكبر قدر من النفوذ في العراق، لكنها لا تعمل هناك بحرية. رئيس الحكومة العراقية، حيدر العبادي ينفر من الإيرانيين ويسعى إلى التضييق على خطاهم. وتحظى سياسته بالتأييد من الداخل والخارج، لا سيما من جانب واشنطن، وتثير الهجمات عليه من جانب طهران ومؤيديها في بلاده. ومؤخرا صعد نجمه بشكل واضح بين الجمهور بسبب موقفه الصلب في مواجهة مسعود البرزاني في مسألة الاستفتاء الشعبي الكردي.
نشر موقع «مونيتور» الإخباري الأمريكي قبل بضعة أيام تقريرا عن اللوبي المؤيد لإسرائيل في بغداد. الكاتب، الصحافي العراقي عدنان أبو زيد، اهتم لدى متصدري الرأي لمعرفة ما هو موقفهم من الاتصال مع الإسرائيليين. ليس هذا استطلاعا علميا بل جملة اقتباسات تبعث على التفكير، ولكن بوسعها أن تؤشر إلى ميل آخذ في التعزز.
«العداء لإسرائيل ليس مصلحة للشيعة»، أجاب كاتب الرأي علي مارد الأسدي. «على الشيعة واليهود أن يتوصلا إلى تفاهمات على أساس إنساني مشترك تضمن الحياة بسلام في الشرق الأوسط». وعلى حد قوله فإنه «إذا وضعنا جانبا تأثير الأجندة الإيرانية وبقايا الثقافة البعثية، فلن تجد حتى ولا سببا منطقيا واحدا لوضع العداء تجاه إسرائيل. لا سيما حين تكون لمعظم الدول العربية، بمن في ذلك الدولة الفلسطينية نفسها، علاقات مع تل أبيب».
وقال الأسدي إن هناك انعطافة دراماتيكية في الرأي العام العراقي في طالح المسألة الفلسطينية. وعدد سببين مبدئيين للأمر. تأييدهم لصدام حسين الذي يكرهه العراقيون، واستخدامهم للإرهاب. وأجمل في القول: «معظم الشيعة في العراق يحملون إحساسا بالذنب لأنهم لم يعملوا على إنقاذ الجالية اليهودية المحبة للسلام، التي كانت تعيش إلى جانبهم بسلام وانسجام على مدى مئات السنين في وطن واحد».
ويقول المحلل السياسي ماهر عبد جودة: «حتى في أوساط السُنة في العراق هناك الكثير ممن ينظرون بعين العطف إلى السُنة في السعودية، في الأردن وفي دول الخليج، يتطلعون إلى إقامة علاقات مع إسرائيل». وعلى حد قوله، فإن أسباب ذلك هي طائفية. «فهم يكرهون إيران الشيعية، المعادية لإسرائيل».
ويقدر بأنه إذا ما بحثت حكومة العراق في إقامة اتصال مع إسرائيل، فإنها ستشجع المعارضة من جانب الأحزاب المؤيدة لإيران، «ولكن الرأي العام الشيعي لم يعد معاديا لإسرائيل مثلما في الماضي، بسبب دور العرب، ومنهم الفلسطينيون، في العمليات في العراق».
وأجملت عضوة البرلمان شروق عبايجي الأمر فقالت لـ «مونيتور» إن العديد من المواطنين العراقيين يريدون العلاقات مع إسرائيل. ولكن مواقفهم لا تمثل الخط الرسمي. عبايجي هي ليبرالية شيوعية، عضوة في حزب الاتحاد المدني الديمقراطي. وهي تقول إن «إسرائيل تعمل على تشجيع هذه الميول».
إن عضوة البرلمان النشيطة مخطئة، بالطبع. فإسرائيل الرسمية لا تهتم بالاتصالات مع العراق، لا علنا ولا سرا.
برأي مصمم؟
بعد جهد جهيد توجهت إلى مديرية التنسيق والارتباط في حاجز إيرز عميدة كلية التعليم في جامعة غزة، د. فتحية سامية. فقد عانت من سرطان الرحم، ونسق أطباؤها لها معالجة مدفوعة الأجر في مستشفى اسوتا في تل أبيب. من إسرائيل لم يصل جواب، ولكن د. فتحية لم تيأس. فقد رفعت طلبا آخر في أعقاب موعد جديد للعلاج في أسوتا، ولكنها لم تتلق جوابا. فرفعت طلبا آخر. هكذا خمس طلبات على الأقل، كان آخرها يوم الأربعاء الماضي.
الطلبات من سكان القطاع للخروج إلى إسرائيل تعالجها مديرية التنسيق والارتباط في الجيش الإسرائيلي في حاجز ايرز. سلسلة طلبات د. فتحية أجيب عليها المرة تلو الأخرى بأن الموضوع قيد البحث. وعلى مدى الفترة قالت المخابرات للجيش الإسرائيلي إنها لا تشكل خطرا أمنيا. ولكن في هذه الأثناء تدهور وضعها، وتضررت قدرتها على الكلام.
د. فتحية ليست وحيدة. فقد وصلت إلى جمعية أطباء لحقوق الإنسان، التي تعنى بقضيتها، أربع نساء أخريات مثلها، في حالة صعبة وخطر على الحياة، وتطلبن الخروج لتلقي العلاج في إسرائيل. وكلهن لا تستجاب طلباتهم لأسباب مشابهة. ويقول رجال الجمعية إن الجيش الإسرائيلي يماطل في الرد على طلب المحاضرة ويتعاطى معها باستخفاف. وصادق الجيش الإسرائيلي لها أمس بالدخول إلى إسرائيل لأول مرة بعد أن سألنا عن الموضوع. وقالت مديرية التنسيق لنا إن طلباتها لم تصنف عاجلة.
على مدى عشر سنوات من الإغلاق رفضت إسرائيل آلاف الطلبات للدخول إليها من غزة. ومعظمها لأسباب أمنية. بعضها بسبب البيروقراطية (أحيانا تأتي التفاصيل من الطرف الفلسطيني بشكل غير مرتب). المجموعة الثالثة ترفض لأسباب سياسية. ومشكلة د. فتحية معقدة أكثر من أن تجد لها مكانا في أي من هذه المجموعات، ولكن هذا لا يهم. في السطر الأخير، مريضة سرطان، مطلقة وأم لأطفال، تتوق للخروج لتلقي العلاج لإنقاذ حياتها وغير خطيرة أمنيًا، تجد نفسها مضطرة لأن تنتظر الإذن نصف سنة.
لو شاء الطرف الإسرائيلي لأخرج من غزة مريضة حتى بإخطار ساعات قليلة. ولكن الإسرائيليين في حاجز ايرز يعرفون كيف ينتهجون سياسة أخرى. الرفض لغرض الرفض. الرفض السياسي على طلبات خروج الغزي غير المحظور من ناحية المخابرات هو أحد الحجارة الأساس للإغلاق. هذه سياسة تستهدف تعذيب سكان القطاع على أمل أن يحملوا الناس الذنب. الجمهور المستهدف الأساس لهذه السياسة هم التجار، المرضى، الرياضيون والفنانون.
بهذا الترتيب إلى هذا الحد أو ذاك. ويخفي الرفض اعتقادا إسرائيليا ساذجا بأنه بإثقال اليد على السكان سيزداد استياء المواطن المسكين. وستصعد صرخته إلى السماء وتدفع حماس إلى الكف عن التسلح أو عن حفر الأنفاق وإنتاج الصواريخ.
هذا الاعتقاد ساذج لأن الجمهور المقموع، الذي جرب الحروب، والخاضع لحكم متصلب، بصعوبة يكون قادرا على أن يطعم نفسه. فكيف سينشأ في داخله احتجاج. صحيح أن إسماعيل هنية ورفاقه عرضة للتمرد، ولكن ليس بتمرد شعبي على نمط الهجوم على الباستيل، بل بانقلاب سلفي، جهادي، من شأنه أن يجعلنا جميعا نشتاق لحماس.
إسرائيل ليست ملزمة بإنقاذ مرضى القطاع. لكن لا يحق لها أن تستخف بكرامتهم. فما الذي سيتعلمه عن الإسرائيليين ـأطفال د. فتحية وطلابها في كلية التعليم؟ ماذا سيمر في رأسهم عندما يهزمها المرض؟ كيف سيشرحون بعد جيل لأطفالهم حقيقة أن اليهود كان بوسعهم أن ينقذوها ولكنهم تكاسلوا برأي مصمم؟ مثل هذه السياسة تدخل الكراهية المجانية للمجتمع الإسرائيلي في قلوب الفلسطينيين. واستخدام نساء القطاع ممن أصبن بأمراض قاسية لن يربي محمد ضيف ولن يمنع أية عملية أن تكون طريق د. فاطمة لتلقي العلاج في اسوتا مسدودة.
معاريف 6/10/2017
جاكي خوجي