في أحاديثهم الخاصة يرد قادة الحوثي عن متى سيتخلصون من الرئيس السابق علي عبدالله صالح أن الوقت لم يحن بعد؛ في المقابل يرد صالح على شكاوى أنصاره من إقصاء الحوثيين لهم ومضايقتهم بالصبر والبقاء في أماكنهم.
تشير تلك الردود إلى أن الصراع والمواجهة بين الحوثيين وصالح حتمية، ولا تعدو كونها مسألة وقت، كما أنها تشير إلى مناهج مختلفة لكل طرف في التخلص من الطرف الآخر. فبالنسبة للحوثيين فإن منهجهم المتوقع يستند على العمل العسكري العنيف والذي قد يتخذ صورا عديدة تشمل من بين ما تشمل اغتيال صالح أو تصفيته خلال مواجهات عسكرية لن تعدم الأسباب الموجبة لاندلاعها. من جهته يبدو منهج الرئيس السابق صالح يميل نحو الاحتواء السياسي للحوثيين حين تنضج الظروف لذلك.
وخلال الأيام الماضية بلغ الصراع بين الطرفين الذروة على خلفية دعوة حزب المؤتمر الشعبي، الذي يتزعمه صالح، أنصاره للاحتشاد والتظاهر في العاصمة صنعاء في الذكرى الخامسة والثلاثين لتأسيس الحزب. وقد نظر الحوثيون لهذه الدعوة بعين الريبة والشك وتمت ترجمتها على شكل اتهامات لصالح بتفكيك «الجبهة الداخلية» في مواجهة ما يعتبرونه العدوان الخارجي، وتم تهديد صالح وأنصاره بعواقب وخيمة، واتخاذ خطوات تصعيدية من قبل الحوثيين كان من أهمها الدعوة لأنصارهم بالتجمع والاحتشاد بالسلاح على مداخل مدينة صنعاء.
وقد نظر إلى هذا الصراع وكأنه نهاية للتحالف بين الطرفين وبداية لمواجهات متوقعة؛ غير أن شيئا من ذلك لم يحدث -حتى كتابة هذه المقالة – فقد اختتم الاحتشاد بسلام ولم تحدث إي مواجهات بين الطرفين باستثناء بعض الحوادث البسيطة. ويشير ذلك إلى أن الظروف لم تنضج بعد لحدوث الافتراق المتوقع بين الطرفين، ومن ثم انتهاء ما يمكن اعتباره تحالف «الضرورة» الذي نشأ بينهما.
ولتفسير وفهم هذا التحالف الهش ينبغي استعراض الظروف والأحداث التاريخية التي أنتجته، وكذلك حجم وقوة كل طرف ومصادر نفوذه. وقبل القيام بهذا الاستعراض ينبغي التأكيد على أن الكثير من الوقائع التاريخية تم تحريفها بشكل مخطط من قبل أكثر من جهة، وأصبحت من المسلمات التي يصعب دحضها. ومن أهم الوقائع المحرفة تضخيم دور صالح في تعزيز قوة الحوثيين ومساعدتهم على إسقاط العاصمة اليمنية صنعاء في 21 أيلول/سبتمبر 2014 والتقليل من دور الرئيس هادي في ذلك. والحقيقة التي ينبغي الإشارة لها هنا هي: أن التحالف بين الطرفين لم يكن مخططا له وإنما أتى كردود أفعال لأحداث كثيرة ساهم في صناعتها عدد كبير من الأطراف المحلية والخارجية. ويمكن اعتبار لحظة إجبار صالح على الخروج من السلطة نهاية 2011 الجذر المباشر للأحداث اللاحقة التي أفرزت الحالة التي وصل إليها اليمن.
البحث عن حلفاء
فعلى أثر خروج صالح سُلمت السلطة لعبدربه منصور هادي المنتمي لمحافظة أبين الجنوبية، الذي تسلمها كحل وسط بين الأطراف المتصارعة حينها، ضمن صيغة الرئيس التوافقي المحايد والحَكَم بين أطراف النزاع، وهي الصيغة التي أُقرت ضمن بنود المبادرة الخليجية، وتوهمت تلك الأطراف أن هادي سيلتزم بها وينفذ الدور المرسوم له. غير أن هادي – كما أتضح لاحقا- كشف عن رغبة جامحة في التمسك بالسلطة والبقاء فيها أطول فترة ممكنة. ولتحقيق تلك الرغبة كان عليه البحث عن حلفاء ووسائل تطيل من عمره في السلطة. وكان الحوثيون هم أحد هؤلاء الحلفاء الذي استعان بهم هادي، حيث التقى الطرفان على بعض الأهداف المرحلية، ومنها تفكيك الطبقة السياسية التي كانت تحكم اليمن قبل وصول هادي، والتي كانت تتكون من ثلاثة أطراف رئيسية: العسكر وشيوخ القبائل ورجال الدين السني/السلفي، وهؤلاء يمثلون خصما سياسيا وإيديولوجيا واجتماعيا للحوثيين، وعائقا أمام بقاء هادي في السلطة. وينتمي معظم أفراد هذه الطبقة إلى مناطق الهضبة العليا لشمال اليمن.
ولتفكيك تلك الطبقة كان على هادي وفريقه، وهم المنتمون إلى المحافظات الجنوبية، إعادة صياغة الدولة اليمنية وتفكيكها عبر النظام الفدرالي الذي يهدف بالدرجة الأولى إلى نقل مركز الحكم من منطقة الهضبة في الشمال إلى المناطق الجنوبية، وهو ما اتضحت خطوطه العريضة في مخرجات مؤتمر الحوار الوطني، وبنود مشروع الدستور للدولة الفدرالية، والتي تعطي الجنوبيين امتيازات كبيرة أهمها نصف وظائف السلطات التنفيذية والتشريعية والقضائية، رغم أن سكان الجنوب لا يتجاوزون 15٪ من عدد سكان اليمن.
ولتنفيذ مشروع تفكيك الطبقة السياسية المذكورة، أتبع هادي الخطة التي نظر لها، ورسم خطوطها العريضة، الحزب الاشتراكي اليمني – وهو الحزب المهزوم في حرب 1994 من قبل الطبقة السياسية نفسها – والذي وجد في وصول رئيس جنوبي للسلطة فرصة للانتقام من تلك الطبقة، وتفكيك الجمهورية اليمنية الذي لم يعد مؤمنا بها بعد إخراجه من السلطة خلال تلك الحرب. وكانت خطة التفكيك تقضي برفع وتيرة الانفصال في الجنوب لوضع المجتمع السياسي اليمني أمام خيارين إما الانفصال أو الفدرالية، وفي الوقت نفسه تشجيع الحوثي في الشمال على ضرب الطبقة السياسية المستهدفة وإضعافها.
ووفقا لتلك الخطة حدثت تفاهمات بين الحوثي والرئيس هادي قضت بالسماح للحوثيين أن يتمددوا خارج معاقلهم في محافظة صعدة، على حساب الأطراف الأخرى المراد تفكيكها، وكان من نتيجة تلك التفاهمات إبعاد قوات الجيش ومؤسسات الدولة عن مواجهة الحوثيين وإيقاف تمددهم، وهو الأمر الذي ساعدهم على هزيمة خصومهم والاستيلاء على صنعاء في نهاية المطاف.
واتبع الحوثيون تكتيكات عديدة كان من أهمها مد خطوط اتصال مع جميع الأطراف السياسية واللعب على تناقضاتها، والاستفراد بالخصوم الرئيسيين، وتحييد الخصوم المحتملين والتحالف معهم. وكان من بين من تحالفوا معهم الرئيس السابق صالح، والذي راق له أن يقوم الحوثيون بضرب وإضعاف خصومه الذين أطاحوا به (الجنرال علي محسن الأحمر، حزب الإصلاح، أسرة الشيخ عبد الله الأحمر شيخ حاشد). والذي كان يعتقد أن الأمر سيقتصر على إضعافهم، ولن يصل حد استيلائهم على العاصمة صنعاء، التي سقطت عمليا بمساعدة من قبل الرئيس هادي وليس الرئيس السابق صالح كما يتم ترويجه من قبل هادي وحزب الإصلاح والحزب الاشتراكي وغيرهم. وهو الترويج الذي وقع صالح وأنصاره في الفخ حين تبجحوا بأنهم من أدخل الحوثيين إلى صنعاء وبأنهم القادرون على إخراجهم منها.
تبرير الهزيمة
غير أن الحقائق على الأرض خلال مرحلة حصار ودخول صنعاء، تؤكد أن دخول الحوثيين إلى العاصمة تم بعد ان تمكنت القوة التابعة لهم، من هزيمة ما تبقى من الفرقة الأولى مدرع، والمجاميع المسلحة التابعة لحزب الإصلاح خلال المواجهات التي جرت في الجزء الشمالي الغربي من مدينة صنعاء واستمرت عدة أيام قبل سقوط المدينة. وليست هناك من أدلة تؤكد الاتهامات التي يسوقها أنصار هادي وحزب الإصلاح وغيرهم والتي تتحدث عن مشاركة قوات من الحرس الجمهوري المحسوبة على صالح في تلك المواجهات. فهذه الاتهامات هدفها رفع المسؤولية السياسية والقانونية عن الرئيس هادي ووزير دفاعه، وتبرير الهزيمة السريعة والحاسمة التي مني بها حزب الإصلاح وحلفاؤه.
وبعد دخول الحوثيين صنعاء تمت السيطرة على المعسكرات التي كانت تتبع الفرقة الأولى مدرع، ونهب أسلحتها، والسيطرة أيضا على مؤسسات الدولة عبر ما سُمي باللجان الثورية. وكل هذه الأحداث لا يمكن أن يكون صالح راغبا فيها، ناهيك ان يكون قد ساعد الحوثيين عليها بالتخطيط أو التنفيذ، كما هو رائج. فصالح يدرك أكثر من غيره خطورة الحوثي عليه بشكل شخصي، حيث أن هناك ثأرا كبيرا بينه وبين الحوثيين على خلفية الحروب التي دارت بينهم، والتي قتل في أحداها حسين الحوثي مؤسس الحركة وشقيق زعيمها الحالي عبد الملك الحوثي.
ومع ذلك فإن سلوك صالح وتكتيكاته خلال الفترة اللاحقة لسقوط صنعاء قد اختلفت، حيث بدأ يتقرب من الحوثيين، وساهم في تمدد الحركة إلى بقية مناطق اليمن؛ حيث مثل أنصار صالح حواضن سياسية للحوثي، في مقابل سماح الحوثيين لصالح وأنصاره في العمل بشكل أفضل مما كان عليه الحال خلال الفترة التي أعقبت سقوط صالح.
غير أن الحوثيين كانوا الطرف الأكثر استفادة من العلاقة مع صالح فيما يعتبره خصومهم بالتحالف الذي نشأ بينهم منذ تلك الفترة؛ إذ تمكنوا من السيطرة على مفاصل الدولة ومؤسساتها، وخاصة بعد اندلاع الحرب في 26 اذار/مارس 2015. حيث أن المؤسسات الحيوية كالجيش والأمن والمالية والإعلام والقضاء يسيطر عليها الحوثيون بشكل فعلي، وهي التي تمنحهم تفوقا نسبيا على صالح، وتجعله الطرف المهيمن على السلطة السياسية والحكومة التي شكلاها منذ ما يقرب العام.
في المقابل ما زال لصالح نفوذ داخل الكثير من مؤسسات الدولة إلا أن هذا النفوذ يصعب قياسه وتحديد حجمه بالنظر إلى أن الكثير من أنصاره حولوا ولاءهم للحوثيين وأصبحوا عمليا ينفذون القرارات التي يتخذها الحوثي. غير أن الأمر الأكيد أن صالح ما زالت لديه شعبية كبيرة في المناطق الخاضعة للحوثيين وهو ما حاول استعراضه خلال الحشد الذي أقامه قبل أيام. إلا أن هذه الشعبية ليست مترجمة عمليا في شكل قوة مسلحة وتنظيم صارم كما هو حال الحوثيين، الذين يمتلكون تنظيما شموليا متينا وقيادة مركزية صارمة، ونواة صلبة قوية ومتماسكة لأعضاء الحركة من الهاشميين والحركيين المؤدلجين.
ولكون الأمر على ما ذكرنا؛ فإن الكفة العسكرية تميل ظاهريا لصالح الحوثيين في حال اندلاع صراع مسلح بينهما في الوقت الحالي أو المستقبل القريب، وهو ما يفسر لغة التهديد والوعيد التي أطلقها الحوثيون تجاه صالح، في الأيام الماضية. ومع ذلك فإن من غير المتوقع أن يقدم الحوثيون على أي عمل عسكري يستهدف صالح وأعوانه على الأقل في المستقبل القريب، لأسباب كثيرة أهمها تبعات هذا العمل على جبهات القتال التي يخوضها الطرفان تجاه القوى التي تحاربهما في أكثر من جبهة، وحاجة الحوثيين لصالح وأنصاره في تعزيز نفوذهم والتغلغل داخل مؤسسات الدولة ومناطق اليمن المختلفة.
ولهذا فإن من المتوقع أن يستمر تحالف الضرورة بين صالح والحوثي حتى تحدث متغيرات تجعل أحد الأطراف يقدم على خطوات تفكك هذا التحالف الهش، ويحدث الصراع المؤجل.
عبدالناصر المودع