صانع الأساور والبسمة «مهراجا» هندي يسحر زوار سوق واقف في قطر

حجم الخط
0

الدوحة ـ«القدس العربي»: رائد إبراهيم: ساحر سوق واقف، ومصدر البهجة، وراسم الابتسامة على محيا الجمهور، ألقاب عدة لوصف رجل واحد، نال عن جدارة واستحقاق لقب صانع الأساور والفرجة.
هي قصة محمد مانيار الهندي، الوافد إلى قطر منذ عقود خلت، متلاحما مع المكان، يتحدان في نسق واحد، يرمز لقصة تألق هذا المعلم.
لا يمكن زيارة سوق واقف من دون التوقف أمام ركن يتوسط مساره، وسط صفوف من المطاعم والمقاهي، يرتادها كل من يأتي إلى هذا المعلم، ليمضي وقته مع الأحباب، والخلان، أو يقتني احتياجاته، من بضائع، ومقتنيات شعبية.
تحول مجلس محمد، إلى مقصد السياح ووجهة أساسية لزوار قطر، وفرجة لمواطنيها ومقيميها، يتوقف الجميع أمامه، يتابعون باهتمام وشغف ما يقوم به، ويرصدون بدقة ما يعمل عليه، وهناك ما يشدهم أكثر.
الوصلات الغنائية، والأصوات التي يرفعها بألحان متناغمة، وما يصدح به من ترانيم مميزة، وغريبة، ثم ابتسامة تعلو محياه، وهو يندمج مع ما يقوم به، أصبحت أحد أجمل اللقطات في هذا الفيلم التوثيقي الحي لحياة رجل.
من راجستان إلى الدوحة

بملابسه المزركشة والغريبة يفد يوميا إلى السوق، حاملا حقيبة تضم معدات يحتفظ بها معه دائما، يتمختر في مشيته، يلقي السلام على أصحاب المحلات، ويسلم على أصدقاء كثر، ويربت على كتف أحدهم، لازمة دائمة لرحلة الذهاب والعودة.
على ناصية مطعم تندوري الهندي، والذي كان يحمل قديما اسم فندق «باسم الله» وهو أقدم معلم في السوق، يتخذ صانع الأساور مجلسه يوميا، يرتشف القليل من شاي «الكرك» المحبب لدى سكان المنطقة، يأخذ نفسا، ثم يبدد في المكان نظرة خجولة.

طقوس يومية

يحافظ هذا الكهل الذي أمضى نصف عمره في قطر، مستمتعا بالعيش وسط أهلها، ومتناغما في مسار حياته الذي ارتضاه، وعاشقا للسوق الذي يجدد طاقة شبابه، ويمنحه حميمية وألفة.
اكتساب محبة الناس هي كنزه اليومي، ومعينه على لفيح الغربة، ليعوض دفء العائلة بالابتسامات التي يزرعها في قلوب تمضي وتأتي تشعره بالأنس، يؤكد المحترف وهو يسرد لـ»القدس العربي» قصته.
قبل أن يشرع في الحديث يستأذننا ليستكمل ترتيب المكان، وتهيئته ترقبا لوصول دفعات السياح، وكان مثل شخص ينتظر في بيته وصول ضيوف مهمين يغدو ويتنقل حتى يكون المكان في أبهى حلة ويمنح انطباعا حسنا لزواره.

نجم المسرح

الشهرة التي اكتسبها، والفرجة التي يمنحها لزوار السوق، جعلته يتوسع في المكان ويضع كراسي في صفوف متقابلة، أمام مجلسه ليتحول لنجم المسرح، كمن يؤدي دورا ملحميا يتابعه الجمهور بشغف.
أنهى كافة الترتيبات، يقف منتصبا للمرة الأخيرة قبل أن يجلس مقرفصا رجليه متكئا على حائط المطعم وتعلو العمامة المزركشة رأسه، وهي تتدلى كلما تحدث أو التفت يمنة أو يسرة في انتظار وصول أول دفعة من الزوار حتى يشرع في طقوسه اليومية، الغناء وصناعة الحلي.

أساور فريدة

ورثت المهنة عن جدي، باشر حديثه معنا، يروي ذكرياته، كأنه يسرد قصة قديمة من كتاب عتيق، مكتوب بلغة غير مفهومة ويسعى لترجمته بأحرف عربية مكسورة، بلهجته الهجين التي تجمع بعضا من العربية التي ينطقها الهنود، ولغاتهم ولهجاتهم الأصيلة.
يؤكد محمد أن أسرته تمارس هذه المهنة وهي صناعة الحلي منذ مئات السنين ويتوارثها الأحفاد عن الأجداد وتنتقل بين أجيال متعاقبة ويحتفظون بأسرارها وفنونها ويتعلمون الحرفة منذ الصغر ليجبلوا عليها حتى يهرموا.

لا يصنع الحلي فحسب

مهنتنا ليست صناعة الحلي فحسب مثلما يظن، إنها أيضا صناعة الفرحة، وتوزيع الابتسامات والترفيه عن الناس مثل طقوس دينية نمارسها في كل مكان حيثما حللنا، يعترف هذا المحترف.
يستطرد «أنظر إلى ملابسي كيف أنها فريدة، ومنسجمة تماما مع ما أقوم به، وهي تتوافق وطبيعة عملي وحركتي، متحدة ما تصنعه يدي.
فعلا كان يردتي جبة مزركشة، ورداء طويلا، وعمامة تحيطها أحجار من مختلف الألوان، تتوسطها قطعة حلي بارزة، ونعل جلدي يحيط خصره، ليتحول لبطل في فيلم أسطوري.

وهج النار يصنع العجائب

يشدو فجأة ويعلو صوته صادحا، «أساور، أساور» ويغني بصوت مرتفع، ليلفت اهتمام وفضول مجموعة من السياح، وصلوا لتوهم إلى السوق، هي عادة حافظ عليها، تطبع إيقاع يومه، ولا يستسلم، ويتكرر الموقف حتى يغادر المكان.
يتوسط الآن حلقة ضمت مجموعات من جنسيات مختلفة، هي نسيج يعكس التنوع الموجود في قطر، ويراقبه الجميع بابتسامة عذبة شفافة، وهم يرصدون حركاته، وخلجات نفسه، وهي تندمج مع إيقاع تراتيله وما تصنعه يده، ويختتم المشهد بابتسامة بارزة.
انحنت سائحة بريطانية في عقدها السابع، لتتأمل أسورة مرصودة على طاولة تعج بحلي تقليدية متعددة الألوان ومختلفة الأشكال، في تناسق وتناغم يتوافقان مع إبداع ما صنعه وما سكب فيها من روحه وتفانيه في العمل.
تسأله عن سعر قطعة مرصعة بالأحجار الكريمة، وملونة بالزعفران، وتفوح منها رائحة الصندل، بملمسها الناعم، فيبتسم قائلا، هي مجانية خذيها، لتضحك مرة أخرى.
سألته سريعا، أين تعلمت هذه الحركات أيها الرجل؟ لم يدر أنه مع سائحة متمرسة جُبلت على هذه المواقف، في سفرياتها ورحلاتها.
تفاوضت معه على السعر، ومنحها تخفيضا مجزيا، وعاهدها أنه لم يأخذ الكثير معها القليل، مع احتساب تكاليف الإنتاج وما استهلكته من مواد ثمينة.

أسرار ليست للبوح

ابتهج وجهه بعد إتمام صفقته هذه وبيع تلك القطعة النفيسة، وزاد من إيقاع لحنه الشجي غير المفهوم، لكنه متناغم بما يشبه ترانيم صباحية ووصلات إنشاد دينية، وزاد من وهج موقد النار ترقبا للفح مواده الأولية بها لصناعة قطعة جديدة.
يضع بملقطه الطويل أسورة على وهج النار، ليذيب مادة صمغية أصلها من شجر خاص ينتشر في مناطقه، تفرزها الحشرات.
يستخدم أيضا الصندل، والكثير من المواد الخاصة التي يفقه الآباء المؤسسون لهذه المهنة أسرارها ويورثونها لأبنائهم وأحفادهم، ويطالبونهم بالحفاظ على السر وعدم البوح به لأي كان.
كثيرون يعتقدون أنه يستخدم البلاستيك ويذيبه وهو يذوب بحرارة موقده مثل لبان أو علكة، وهو أمر خاطئ يكشف لنا، من دون أن يخبرنا المزيد، سوى أنه يستعمل مواد خاصة.

ألوان زاهية

تأتي المرحلة الهامة بعد تطويع المواد المستخدمة بالنار، وانصهارها لتشكيلها، وهي صبغها بالألوان وفق رغبات زبائنه، ومزاجهم، ويمكن أن يمنحوه القرار ليختار على ذوقها لونا صارخا يعبر عن ذائقته الفنية.
يعيد محمد القطعة التي صنعها والمحمولة على ملقط خشبي مصنوع من مادة الزان إلى وهج النار، وهو يرتل ويبهج زواره بتراتيله، الشبيهة بما يردده الصيادون وهم يرفعون غنيمتهم من البحر، أو الفلاحون القدماء في مواسم الحصاد.
يضع لمسته الفنية الأخيرة على القطعة، وهي إمضاؤه الفريد، ليبتسم ويصفق له الجمهور، وينهي الطقس بأغنية «أساور، أساور» التي يكون السياح حفظوها من كثرة ما رددها ليتلاشى الجمع ويختفي مثلما وصل.
يمضي الجميع، وتظل الكراسي شاغرة، وهي فسحة ليلتقط أنفاسه، ويرتشف من الكركر، ويمز مذاقه في فمه، ويبتسم، ليخبرني أن هذه الجولة الأولى، وبعد لحظات سيمتلئ المكان برواد آخرين ويواصل معهم الحكاية.
تركت محمد الذي بدى مثل «مهراجا» من «تاج محل» بهيئته، وخيلائه وشعور بالزهو يغمره بعدما نال تلك الشهرة وأصبح رمزا لمعلم سوق واقف الذي لا يمكن للوافد إلى الدوحة أن يذهب من دون زيارته.

مهراجا وتاجر وصوفي ناسك

لحظات ويتقمص هيئة تاجر عربي، بزي لافت، يعرض بضاعة ثمينة، ويفاوض زبائنه، ويستخدم ما ورثه عن أجداده في فنون البيع والشراء، ويغتنم بما يصرفه من منتجات يديه.
يختتم محمد طقوس استحضار الأرواح ويتقمص هيئة متعبد صوفي يرتل ترانيم شجية تزرع الطمأنينة في قلوب الزوار، ويمنحهم طاقة ملهمة تحلق مع نغماته في سماوات الابتهال، ويحصد الثناء على روحه وهي تسمو فوق الفوارق.
سواء أكنت مقيما في الدوحة، أو مواطنا فيها، أو زائرا لها، أو وافدا، لا يمكن أن لا تلتقي بمحمد صانع الأساور، وموزع الابتسامات، ومصدر الفرح والبهجة، وصاحب الألحان الشجية، أساور، أساور، في دروب سوق واقف قلب مدينة الدوحة النابض حيوية وحركة.

 

صانع الأساور والبسمة «مهراجا» هندي يسحر زوار سوق واقف في قطر

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية