لندن ـ «القدس العربي»: أصبح العالم بأكمله مقبلا على ظاهرة جديدة غير مسبوقة يمكن أن يطلق عليها اسم «صحافة التسريبات»، بعد أن باتت الوثائق المسربة مصدراً مهماً للمعلومات، بل ربما تصبح قريباً المصدر الأهم للصحافيين في مختلف أنحاء العالم، ليحل هذا النوع من الصحافة بديلاً عن الأشكال التقليدية، بما في ذلك التحقيقات الاستقصائية التي يبذل الصحافيون جهداً كبيراً من خـــلالها للـــوصــول إلى المعلومات.
وشهدت السنوات القليلة الأخيرة ثلاثة من أهم التسريبات في تاريخ البشرية، أولها وثائق «ويكيليكس» وثانيها الموظف في وكالة الأمن القومي الأمريكي إدوارد سنودن، وأخيراً التسريبات الأكبر على الاطلاق وهي «وثائق بنما» التي تتضمن 11.5 مليون وثيقة تم تسريبها من شركة «موساك فونسيكا» للخدمات القانونية في بنما وتضمنت فضائح وانتهاكات لعدد من قادة وزعماء العالم الذين تبين بأنهم يتهربون ضريبياً بواسطة شركات وهمية أو شركات بأسماء سرية تقوم تلك الشركة البنمية بتأسيسها لهم.
والوثائق التي تتسرب بين الحين والآخر ينشغل الصحافيون في مختلف أنحاء العالم باستعراضها ونشر ما فيها، على أن التعامل الصحافي مع هذه الوثائق المسربة لا يكون بالطريقة نفسها التي يتم التعامل فيها مع أي معلومة يتوصل إليها الصحافي، إذ أن الوثيقة تصبح دليلاً في يد الصحافيين على صحة المعلومات التي لديهم، وعليه فانهم لا يترددون في نشر محتواها، كما لا يضطرون لانتظار الحصول على تعليق من المصدر، بالتأكيد أو النفي، وهو ما جعل «صحافة التسريبات» لونا جديدا من الإعلان يقوم على نشر الوثائق ومحتوياتها دون التردد.
هل تجوز القرصنة أخلاقياً؟
وتتفاوت الآراء في الأوساط الصحافية والإعلامية حول مدى أخلاقية الاعتماد على المعلومات المقرصنة من جهة ما، بما فيها الوثائق المسربة، حيث يرى الكثيرون أن من حق الناس أن تعرف ولو كان رغماً عن أنف من يخفون الأسرار، فيما يرى فريق من الصحافيين أن القرصنة الالكترونية التي تؤدي إلى الاطلاع على وثائق أو مراسلات أو اختراق بريد الكتروني تمثل عملاً لا أخلاقياً وانتهاكاً للخصوصيات.
لكن صحافياً عربيا وناشطاً في مجال الدفاع عن حقوق الإعلاميين قال لــ»القدس العربي» إن فكرة انتهاك الخصوصية لا يمكن أن تنطبق على المسؤولين الحكوميين والسياسيين الفاسدين الذين نكتشف أفعالهم من خلال هذه الوثائق المسربة، مضيفاً: «لو انتظرنا مئة سنة فلن يعترف أي زعيم في العالم العربي أو خارجه بأنه ينهب الأموال ويهربها إلى الخارج، كما لا يمكن أن يعترف بأنه يتهرب ضريبياً». مشيراً إلى أن هذه المعلومات لا يمكن إلا أن تتسرب بطريقة غير مشروعة «لكن حق الناس في المعرفة أجدر بالرعاية من حق مسؤول ما في إجراء مكالمات ومراسلات سرية» مستشهداً على ذلك بفضيحة «ووتر غيت» التي هزت الولايات المتحدة الأمريكية عام 1968 وضربت مكانة الرئيس ريتشارد نيكسون في ذلك الحين.
ويرى الناشط الإعلامي أن مهمة الصحافي والإعلامي الأساسية هي كشف الحقيقة والوصول إلى المعلومات، ومن ثم نشرها ليكون الجمهور بذلك قد حصل على حقه في المعرفة والوصول إلى المعلومات، وهو الحق الذي تحاول الكثير من الأنظمة السياسية في العالم أن تتهرب منه.
مرحلة جديدة
ويرى كثيرون أن 11.5 مليون وثيقة مسربة من شركة في «بنما» تبين أن عشرات السياسيين في العالم يتعاملون معها، تمثل مرحلة جديدة في العمل الاعلامي على مستوى الكون، في الوقت الذي يُعتبر هذا التسريب هو الأكبر في تاريخ البشرية، ويتفوق على وثائق «ويكيليكس» وسنودن المسربة.
ويقول الصحافي المصري محمد الفاو في مقال تداولته العديد من المواقع المحلية في مصر إن تسريب وثائق بنما «يكرس بقوة لمرحلة جديدة في دنيا الإعلام.. باختصار لقد بدا وكأن (عالم صحافة الكلمات) أو دنيا صحافيي الكلمات أمثالنا قد أخذ يشهد تحولا جذريا تجاه عالم آخر اسمه صحافة البيانات».
وهو يرى إن مشكلة الصحافيين في الأمس القريب كانت تتمثل في شح المعلومات وصعوبة الحصول عليها، أما اليوم فقد أصبحت المشكلة في غزارة المعلومات وكثافتها، ويضيف: «في خضم أعظم ثورة رقمية معلوماتية في تاريخ الإنسانية، لم تعد مشكلة أي إعلامي نقص البيانات والمعلومات وإنما صارت المشكلة الأضخم والأعظم هو هذه الوفرة الرهيبة في المعلومات، وهذا التدفق المجنون في البيانات والأخبار والإحصائيات والأرقام».
ويتابع: «باختصار ولى عصر (صحافي الكلمات) الذي ينتظر الخبر أو السبق الصحافي من وكالات الأنباء أو من مصادر مطلعة أو عليمة، وحل محله (صحافي البيانات) أو «صحافي التسريبات» الذي يقوم بتصفح الوثائق المسربة ويستخرج المعلومات منها ويلقي بها بين يدي القراء والمتابعين.
ويقول الفاو إن «صحافي البيانات الاستقصائي هو المؤهل بآليات احصائية وبتطبيقات كمبيوترية وبأدوات مناهج البحث الاجتماعي لتحليل آلاف أو ربما ملايين الوثائق لاستخرج سبق صحافي لم يبق له مثيل».
وثائق بنما..
انتهاء عصر السرية
ويرى الكثيرُ من الصحافيين أن التسريبات المتتالية للوثائق أنهت عصر «السرية» ولم يعد ممكناً الاحتفاظ بأي سر في عالم كلما تطورت فيه التكنولوجيا ووسائل الاحتفاظ بالبيانات كلما تطورت فيه وسائل القرصنة الالكترونية والاختراق، وكلما بات من الممكن الوصول إلى المعلومات مهما كانت بعيدة المنال.
ويرى صحافي عربي يقيم في اسطنبول تحدث لــ»القدس العربي» إن فرص «الكذب والخداع والتحايل تراجعت بفضل هذه التسريبات» مشيراً إلى ان هذه التسريبات المتتالية ستجعل المسؤول السياسي في أي بلد في العالم يحسب ألف حساب قبل أن يقوم بعمل غير مشروع، كما أنه سيحسب ألف حساب عندما يدلي بمعلومات وبيانات غير صحيحة قد يتبين لاحقاً صدقها من كذبها.
ويرى الكثيرون أن هذه الرقابة الصحافية التي تتحقق بفضل التسريبات هي الانجاز الأهم للصحافيين، وهي الواجب الذي على وسائل الإعلام أن تقوم به أصلاً، إذ أن الرقابة على الإدارة العامة هي جزء من عمل أي مؤسسة إعلامية وأي صحافي، وهذه الرقابة هي التي ترفع من أداء الإدارة العامة وتزيد من فعالية النظام السياسي في أي بلد في العالم.
يشار إلى أن وثائق بنما هي وثائق سرية تم تسريبها ويصل عددها إلى 11.5 مليون وثيقة من شركة «موساك فونسيكا» للخدمات القانونية في بنما التي تملك منظومة مصرفية تجعلها ملاذاً ضريبياً مغرياً.
وتبين من الوثائق المسربة أن الشركة المسربة منها تقدم خدمات تتعلق بالحسابات الخارجية لرؤساء دول وشخصيات عامة وسياسية أخرى، بالإضافة إلى أشخاص بارزين في الأعمال والشؤون المالية والرياضية من أجل التهرب الضريبي وغسيل الأموال والقيام بأعمال غير شرعية في الأغلب، وقد ظهرت أسماء العديد من رؤساء الدول العربية وأقاربهم ورجال محسوبين عليهم في التسريبات، ومن بينهم ابن الرئيس المصري المخلوع محمد حسني مبارك، وعائلة الرئيس السوري بشار الأسد، وغيرهم من المسؤولين العرب.
وحصل اتحاد دولي يضم أكثر من 100 مؤسسة صحافية على الوثائق، من صحيفة ألمانية كانت قد حصلت عليها من مصدر مجهول، ثم قام هذا الاتحاد بتوزيع الوثائق على 370 صحافيا من أكثر من 70 بلداً، من أجل التحقيق فيها، في عمل استمر نحو عام كامل، ثم ظهرت هذه الوثائق على الجمهور لأول مرة في الثالث من نيسان/ أبريل 2016.