صحافيون يعملون في تربية الأرانب وبيع «كروت» الهواتف المحمولة بعد إلغاء عشرات الامتيازات

حجم الخط
1

 

القاهرة ـ «القدس العربي» : تستمر الصحف في الحيوية التي بدأتها منذ مدة بتناولها قضايا كثيرة وسط تسامح واضح من النظام نحو الانتقادات التي تتعرض لها سياساته في مواجهة مؤيديه ومن يشيدون بإنجازاته وسبب ذلك، كما أشرنا من قبل، أنه أصبح في موقف قوي جدا داخليا لعدم وجود معارضة منظمة له وإنما شكوى من الغلاء وانتقادات لينة وعنيفة للحكومة وسياساتها والإحساس المتزايد بأن الشكوى لم يعد لها معنى عملا بالمثل القائل: «الشكوى لغير الله مذلة» على أمل تحسن الأوضاع إلى حد كبير بعد عامين ونصف كما وعد الرئيس. حتى كارهو النظام من الإخوان وغيرهم فهم ليسوا على استعداد لأن يضحوا بحالة السكينة التي ينعمون فيها ويحمدون الله على أن النظام لم يفصلهم من أعمالهم الحكومية، حتى الثلاثة عشر الف موظف، الذين تم تعيينهم عندما كان الرئيس الأسبق محمد مرسي في الحكم، لا يزالون في أعمالهم. الجماعات الإرهابية مثل تنظيم «الدولة» أو حسم ولواء الثورة من الإخوان تلقوا ضربات مميتة داخل المحافظات أنهت وجودهم، وكذلك في مكان تمركزهم في شمال سيناء إذ أصبح من النادر وقوع عمليات هناك بعد استخدام الجيش والشرطة أسلوب التصفية تحت ضغط شعبي. ومن الموضوعات البارزة في الصحف الإعلان عن التوقيع في القاهرة برعاية من المخابرات العامة المصرية على اتفاق بين الحكومة السورية بحضور أحمد الجربا رئيس تيار الغد وفصائل سورية معارضة على تحقيق المصالحة الوطنية وعودة النازحين والإفراج عن المعتقلين وذلك بضمانة روسية. ومن القضايا التي استمر الكثيرون في الكتابة عنها رغم عدم اهتمام الناس بها الإشاعات لدرجة أن الرسام في صحيفة «فيتو» المستقلة ويرأس تحريرها عصام كامل أخبرنا أنه ذهب لزيارة ضابط شرطة قريب له ففوجئ بجندي يتصبب عرقا ممسكا بشاب ينزل منه العرق بغزارة ويقول للضابط:
مروج إشاعات يا باشا ضبطناه ماشي في الشوارع وعمال يقول الناس هتموت من الحر.
واهتم كثير من الصحافيين بالفلسطينية عهد التميمي التي سنبدأ بها تقرير اليوم:

أكثر صلابة من حجر

نشرت مجلة «آخر ساعة» تحقيقا لإيثار حمدي قالت فيه: لم تصبح عهد التميمي مجرد بطلة فلسطينية تصفع جنود الاحتلال بلا خوف لكنها أيضا قلبت طاولة المشاعر الإسرائيلية وأصبحت أيقونة للمقاومة في الأعين الوقحة وأجبرت الشعراء اليهود في الأرض المحتلة على التغني ببسالتها ونضالها. عادت عهد إلى أحضان شعبها أكثر صلابة من حجر فلسطيني يهرب منه الجنود المدججون بالأسلحة المتطورة. عادت لتستأنف مشوارها الطويل في الدفاع عن العرض وتحرير الأرض. ما لم يكن متوقعا أن تصبح عهد بطلة في عيون قطاع كبير من الإسرائيليين لدرجة أن وزير جيش الاحتلال الإسرائيلي أفيغدور ليبرمان أصدر أمرا بحظر بث أغاني الشاعر والكاتب الإسرائيلي اليساري المعروف يهونتان جيفين على الإذاعة العسكرية بعد أن كتب جيفين قصيدة يتغنى فيها بالشابة الفلسطينية، مشيدا بنضالها ويقارنه بنضال بطلات يهوديات في الماضي أبرزهن الطفلة آن فرانك المعروفة باليوميات المؤثرة التي كتبتها من مخبئها أيام الهولوكوست.
وفي «الشروق» قال طلعت إسماعيل تحت عنوان «عهد التحدي الفلسطيني»:
ثمانية أشهر يا ابنة التميمي قضيتها خلف قضبان السجون الإسرائيلية قبل أن تخرجي لتعانقي الحرية وأنت أكثر إصرارا وعزما على مواصلة النضال الذي بات يخشاه بعض الرجال، ولأن «المقاومة مستمرة حتى إنهاء الاحتلال» كما قلتِ فور وصولك إلى قريتك الصغيرة فى الضفة الأسيرة، وبمجرد معانقتك لأهلك، فليس هناك خوف على فلسطين وإن تعددت الصفقات و«طالت القرون» فالنصر بأمثالك قادم لا محالة وإن كره المستسلمون. قبل ثمانية أشهر لحظة سلب المحتل الإسرائيلى حريتك في سعي خائب لكسر إرادتك قلنا إن «عهد على العهد» ستكون دوما فزيارتك لقبر الراحل العظيم ياسر عرفات «أبو عمار» كانت ترجمة عملية ودعوة صريحة لما يجب أن يكون عليه الفلسطينيون فالاتحاد ورص الصفوف في وجه ما يحاك لكل فلسطين أرضا وشعبا من دسائس ومؤامرات يستدعي تعلم الدرس من هذه الصبية الصهباء أيقونة النضال الفلسطيني ونبذ كل خلاف.

لا يوجد احتلال دائم

وفي «المصري اليوم» وفي صفحته الرياضية كتب الدكتور عبد المنعم عمارة محافظ الاسماعيلية الأسبق مقالا يتضمن فقرات عنوانها «مشاعر كان عددها خمس» خصص أطولها لعهد وقال عنها مطالبا بدعوتها للقاهرة: مايا مرسي رئيسة المجلس القومي للمرأة هل تسمح لي بأن أطلب دعوة الفتاة الصغيرة الفلسطينية عهد التميمي لزيارة مصر بعد خروجها من السجون الإسرائيلية التي قضت فيها ثمانية أشهر، موقفها بطولي وشجاع عندما تصدت لجنديين إسرائيليين اقتحما باحة منزل عائلتها وتصدت لهم بصفعهم وركلهم لطردهم من منزل أسرتها هل ستفعلينها؟ أرجوك أفعليها.
وهذا اقتراح جدير بالتنفيذ ويمكن أن تتولاه أي جمعية نسائية أو حزب سياسي بعيدا عن الدولة منعا لإحراجها، ولو تم هذا فانا أتوقع أن يستقبلها ملايين المصريين.
والآن إلى «اليوم السابع» التي نشرت حديثا مع عهد أجراه معها أحمد جمعة جاء فيه:
وقالت عهد التميمي في تصريحات خاصة لـ»اليوم السابع» إن من الضروري أن تضع القيادات الفلسطينية خطة نموذجية لتحرير الأراضى الفلسطينية داعية للاهتمام بقضايا الأسرى والعمل على تحريرهم» مضيفة: في حال لم تتوحد القيادات سيبحث الشعب الفلسطيني عن قيادات بديلة». وأضافت التميمي في رسالة للاحتلال الإسرائيلى: «لا يوجد احتلال دائم وكل بلد كان فيه احتلال انتهى، وفلسطين ستتحرر، نحن لن نستسلم وسنحرر الأراضي الفلسطينية». وأكدت الناشطة الفلسطينية أن سجون الاحتلال الإسرائيلي لن تردع أبناء الشعب الفلسطيني عن المطالبة بحقهم وأن الشعب مستمر في نضاله». وقالت: «أنا مستمرة في مسيرتي حتى تحرير فلسطين والأسرى الفلسطينيين من سجون الاحتلال». وبعثت برسالة تحية وتقدير إلى أهالى قطاع غزة لصمودهم واستمرارهم في مسيرات العودة لكسر الحصار الإسرائيلي، مؤكدة أنها تستمد قوتها من غزة داعية لاستمرار المسيرات لتحرير فلسطين.

دفاعا عن الثورة

وإلى ثورة يوليو/تموز وزعيمها جمال عبد الناصر واستمرار الجدل حولهما رغم مرور أكثر من أسبوع علي انتهاء الاحتفالات بها. ففي «الأخبار» كتب الدكتور محمد السعدني مقاله الاسبوعي تحت عنوان «يوليو وناصر الذي لا يغيب» قال فيه:
«إذا كان روزفلت وتشرشل وستالين هم أبطال الحرب العالمية الثانية الذين فرضوا بعد ذلك سياساتهم على العالم، وإذا كان ريغان وتاتشر وغورباتشوف هم من حددوا شكل النظام العالمي حتي يومنا هذا فإن جمال عبد الناصر وجوزيف بروز تيتو وجواهر لال نهرو زعماء فرضوا وجودهم باعتبارهم رموزاً معبرة عن روح العالم الثالث ونزعته نحو التحرر والاستقلال».‬
وفي «الأهرام» طالب ماهر مقلد بشيء من الهدوء بين أنصار الثورة وخصومها وأن لا تدفع الخصومة بينهما التجاوز على تاريخ مرحلة الملكية وما بعدها وقال:
مرت ذكرى ثورة 23 يوليو/تموز 1952 هذا العام بعد أن فتح البعض بابا واسعا للمقارنة بين صورة مصر ما قبل الثورة وما بعدها وانحاز عدد كبير من أصحاب الرأي والنشطاء على صفحات التواصل الاجتماعى لنظرية أن مصر كانت أفضل بمراحل في حقبة ما قبل ثورة 23 يوليو/تموز من النظام والحضارة والمستوى الاجتماعي والاقتصادي وسلوك الشارع. ويستند هؤلاء إلى أن قيمة الجنيه المصري قبل الثورة مقابل العملات الأجنبية كانت قيمة مرتفعة وعملة نقدية لها وزنها. وتمادى هؤلاء فى ذكر محاسن الحياة والمعيشة ما قبل الثورة. هذا الرأي انتقده فريق كبير وكبير جدا من المصريين المهتمين بالدفاع عن الثورة ومكاسبها للطبقة الوسطى وما حققته من مجانية التعليم والمساواة بين أبناء الشعب وغيرها من المبادىء المعروفة للثورة الأشهر في تاريخ مصر. التاريخ يكتبه المتخصصون بضمير ونزاهة. مرت ذكرى الثورة ومازالت المقارنات قائمة وقد لا تتوقف. ليت الأمر يطرح صورة قريبة لمصر التي كانت قبلها لكي نستفيد مما كان جميلا وننسى ما كان غير ذلك.

عصر السجالات

أما الذي فاجأني في «الوفد» وجدي زين الدين ومصطفى عبيد حيث استعرض عبيد بعض ما جاء في كتاب لوجدي زين الدين مبديا دهشته بما جاء فيه من رحابة صدر وانفتاح فكري في عهد عبد الناصر وقال: في كتابه الشيق «بين الأدب والصحافة» يفتح لنا الكاتب النابه وجدي زين الدين نوافذ الإطلال على وقائع مدهشة لحروب الكتبة ودور الصحافة في استقبال تلك الحروب واحتضانها باعتبارها مادة ثرية لقراء على وعي وثقافة ودراية وذوق فني، لم أكن أتخيل أن يكون عصر عبدالناصر بما شهده من انغلاق وأحادية ووجل محل معارك فكرية ونقدية وأدبية بين رواد عظام أبوا أن يتدثروا بالسكون ويلتحفوا بالطاعة فخاصموا القطيع وفتحوا صنابير إبداعهم وفكرهم ودخلوا حروباً في الفكر والمعنى والتجديد. لم أكن أعتقد أن تتحول صفحات الصحف إلى ساحات قتال بين أقلام عظيمة من عينة طه حسين والعقاد ومحمد مندور وسلامة موسى حتى جاء وجدى زين الدين ووثّق ذلك في كتابه ليمنحنا لحظات نور نادرة في زمن خفتت فيه المعانى وتسطحت المعارك الفكرية والأدبية. أندهش وأنا أقرأ عن عباس محمود العقاد ذلك العملاق المثقف وهو ينتقد شوقي وحافظ إبراهيم عندما كانا نجمين في سماء الشعر بينما كان هو نبتة جديدة. ثم نقرأ كيف تحول في بداية الستينيات إلى عملاق ورمز للتقليديين والمحافظين وهو يدخل فى معارك جديدة مع شباب صاعد في ذلك الوقت يبحث عن التغيير والتحديث مثل أحمد عبدالمعطي حجازي ورجاء النقاش. تفاجأ وأنت تقرأ أن العقاد الذي كان رمزاً للتطور والحداثة انقلب رجعياً متزمتاً وهو يلعن الشعراء الجدد وذلك الفن الذي طوروه وعرف بشعر التفعيلة أو الشعر الحر واصماً إياه أنه نثر قبيح. ويروي وجدي زين الدين كيف شهدت الصحف سجالات بين العقاد ورجاء النقاش حيث كان الثاني شاباً يافعاً يتمرد على لقب الأستاذية الذي يفرضه العقاد على نفسه. وكان العقاد يصر في ردوده على النقاش بوصفه له بـ «السيد رجاء النقاش» خالعاً عنه صفة الناقد ومنكراً عنه لقب الكاتب. والطريف أن رجاء النقاش أمسك على العقاد خدعة طريفة انطلت عليه عندما عرض عليه أحد القراء بيت شعر يقول «سقته ندى السحب من مرضعاتها / أفانين مما لم تقطره مرضع» وطلب منه أن يحلل هذا البيت لابن الرومى وانطلق العقاد ناقداً ومحللاً قبل أن يفاجئه القارى الشرير بأنه هو مؤلف بيت الشعر وليس ابن الرومي.

باطل باطل

وهكذا أنطق ربك وجدي وعبيد بالحق أما عن قصد أو ارغمتهما الوقائع التاريخية الثابتة ولم يكن الأمر يحتاج إلى هذا اللف والدوران لأن هذه الوقائع وأكثر وأهم منها كانت موجودة فلم يحدث رغم تأميم الصحافة أن تم منع كاتب أو صحافي من الكتابة أو الاشتغال باستثناء واحد وهو المرحوم محمود عبد المنعم مراد وكان وفديا وعاد لكتابة عمود يومي في «الأخبار» عنوانه « كلمات « في عهد السادات. ولا أعرف سببا لذلك باستثناء إنه لم يكن معينا على أي صحيفة ومع ذلك كان يعمل في مجال نشر الكتب وله دار نشر معروفة وقتها ومقرها كان في شارع عبد السلام عارف بالقرب من مبنى وزارة الأوقاف وسط القاهرة. أما باقي الكتاب والصحافيين فقد استمروا في الكتابة من كان موجودا في الصحف ومن كانوا يكتبون مقالات من الخارج من كبار الكتاب والسياسيين فاستمرت «الأخبار» في نشر مقالات العقاد والدكتور محمد حسين هيكل رئيس حزب الأحرار الدستوريين السابق وصاحب رواية «زينب» الشهيرة. وكان الاثنان يكتبان أسبوعيا في الصفحة الأخيرة من «الأخبار» وأصدرت الثورة صحفا عدة منها «الجمهورية» و»الشعب» ومجلتا «التحرير» و»بناء الوطن» أغلقت بعد مدة لفشلها وتم نقل صحافييها وكتابها إلى «الجمهورية»، وصدرت «المساء» عام 1956 برئاسة خالد محيي الدين عضو مجلس قيادة الثورة لتكون منبرا للشيوعيين واليسار. وأصدرت وزارة الثقافة مجلة «الفكر المعاصر» وهي شهرية لتعبر عن التيار العلماني وأسندت رئاستها إلى أستاذ الفلسفة الدكتور فؤاد زكريا، ومجلة «الثقافة» ورأسها الأديب محمد حسن الزيات لتعبر عن الاتجاه الديني المهاجم للشيوعيين، ومجلة «المسرح» ورأسها الدكتور رشاد رشدي المعادي للاشتراكيين. ولم يكن هناك أي قانون لحماية الصحافيين ولذلك ونتيجة لزيادة أعدادهم بعد الثورة وامتلاء الصحف التي أصبحت حكومية بهم فقام بعض رؤساء التحرير بطلب الاستغناء عن عدد منهم خاصة عندما رأس تحرير «الجمهورية» حلمي سلام. ولأن قانون العمل الذي أصدرته الثورة كان يمنع الفصل التعسفي للعاملين إلا إذا ارتكب أي واحد مخالفات فتتم إحالته إلى لجنة ثلاثية مشكلة من ممثل للإدارة القانونية في المؤسسة وممثل عن اللجنة النقابية وثالث عن وزارة الشؤون هي التي تقرر فصله أم لا ولذلك تم نقلهم إلى الوزارات المختلفة. ولكن في عام 1970 عندما كان أحمد بهاء الدين نقيبا للصحافيين أعد مع أعضاء المجلس مشروع قانون وقدمه لعبد الناصر ينص على حظر تغيير عمل الصحافي بنقله إلى وظيفة غير صحافية ووافق عليه. وصدر القانون وتمت إعادة الذين نقلوا إلى الوزارات إلى صحفهم بالتدريج في عهدي عبد الناصر والسادات. ولكن السادات ضرب بعد ذلك بالقانون عرض الحائط في ديسمبر/كانون الأول عام 1972 ويناير/كانون الثاني 1973 بإحالة عدد كبير من الصحافيين إلى وظائف حكومية. أما عن المسرح والسينما فعهدهما الذهبي كان في عهد عبد الناصر لا غيره. وحتى لا أطيل يكفي أن أذكر من لم يعش هذه الفترة ولم يقرأ عنها أن روايات نجيب محفوظ التي وجهت انتقادات للنظام مثل «ثرثرة فوق النيل» و»ميرامار» أنتجتهما الدولة أعمالا سينمائية، ورواية ثروت أباظة «شيء من الخوف» التي تعرضت للهجوم بعد أن اتهم بعض النقاد اباظة بأنه قصد عبد الناصر من هتاف الجماهير التي هاجمت منزل محمود مرسي بطل الفيلم الذي تزوج شادية (فؤادة) رغما عنها وأحرقته وهي تردد عبارة: «باطل باطل» أي على وزن ناصر ناصر. وشاهد عبد الناصر الفيلم وأمر باستمراره وقال معلنا وهو يضحك «والله لو كنت زي عتريس يبقى استاهل».

الإنصاف مطلوب

أيضا عرض المسرح القومي المملوك للدولة مسرحية عبد الرحمن الشرقاوي «الفتى مهران» التي انتقدت تورط مصر في حرب اليمن وأحدثت ضجة وأمر عبد الناصر باستمرارها. وكذلك مسرحية «المخططون» ليوسف ادريس ومسرحيات ميخائيل رومان وغيرهم. واكتفي بذلك ولا يفوتني أن أذكر من يتناسى أو يجهل أن أول دورة لمعرض القاهرة الدولي للكتاب عقدت في ديسمبر/كانون الأول سنة 1969 هزيمة يونيو/حزيران. ولا أريد أن أبرر كل شيء، ولكن الإنصاف مطلوب. وعلى العموم فلم يخدع عبد الناصر أحدا وإنما قالها صراحة إنه يرفض الأحزاب ويطبق نظاما قائما على تحالف قوى الشعب العامل. وقال عباراته الشهيرة «الحرية للشعب ولا حرية لأعداء الشعب». وحددهم في الذين يحاولون قلب النظام أو إنشاء تنظيمات سرية. أما من يختلفون مع توجهات النظام سياسيا وفكريا فلهم حق التعبير عن آرائهم. طبعا لم يكن مسموحا بانتقاده أو بانتقاد الجيش وقادته وفيما عدا ذلك لم تكن هناك حصانة لأحد المسؤولين. المشكلة أننا آمنا بما يقوله أعداء الثورة وعبد الناصر بأنه فرض نفسه على الشعب فماذا يقولون عن استمرار محبة الشعوب العربية حتى الآن له ومنها شعوب تحكمها أنظمة ملكية.

ملاحظات إنشائية

وإلى معارك الصحافيين وأولها واحدة غير مسبوقة وتشكل مفاجأة حقيقيه إذ نشرت جريدة «روز اليوسف» الحكومية في صفحتها الأخيرة مقالا عنوانه عشر أسئلة لعبد الناصر سلامة رئيس مجلس إدارة أكبر مؤسسة صحافية في الشرق الأوسط ونقيب الصحافيين السابق وقعته باسم مستعار هو رشدي أباظة. ولها مقالات أخرى في الصفحة نفسها توقعها باسم أنور وجدي. وكان هجوما غير مسبوق وجه فيه اتهامات عديدة وخطيرة لسلامة لأنه كتب (بوست) قال عنه رشدي اباظة أنه يهاجم الرئيس السيسي بطريقة غير مباشرة. قال رشدي:
ندخل مباشرة فى الموضوع الأستاذ عبد الناصر سلامة رئيس تحرير «الأهرام» الأسبق غاضب حانق كتب «بوست» على صفحته  للرئيس وجه له عشرة أسئلة لم يستطع أن يقول صراحة إنها تخص الرئيس .مفهوم الرجل حديث عهد بالنضال بالتوجيهات وأشياء أخرى اختار الرمزية، يخشى المواجهة. لن أدافع عن الرئيس لديه جحافل ملاحظات لا تصلح لتقييم مسؤول مرسلة لا تعكس المستوى المعرفي لصحافي تولى رئاسة تحرير أكبر مؤسسة صحافية فى الشرق الأوسط ضحل ركيك، أخطاء إملائية ونحوية بالجملة. الملاحظات إنشائية تلوكها سيدات الكافيهات وسط سحب دخان النرجيلة. البوست ليس فيه جديد، مكرر يقوله الإخوان ومن شايعهم منذ عزل مرسي. ملاحظات فارغة المعنى والمضمون. لنتبادل إذن المقاعد، نترك تقييم الرئيس جانبًا ونسأل الأستاذ سلامة عما أولاه الله إياه من مسؤولية رئاسة تحرير «الأهرام» أكبر منصب يتولاه صحافي، أمنية غالية، لنسأل الأسئلة العشرة ذاتها قبل أن تسأل غيرك حتى يتسنى لك تقييم غيرك بمن فيهم رئيس الجمهورية السؤال الأول: كم وصلت أعداد توزيع «الأهرام» في عهدك؟ كم تراجع؟ هل حقا تراجع 17‎٪‎ أكبر نسبة في تاريخ «الأهرام»؟ السؤال الثاني: لماذا تقلصت «الأهرام» اقتصاديًا في عهد توليك رئاسة التحرير وتراجعت الإعلانات لأول مرة؟ السؤال العاشر: من الكاتب الذي ارتضيت وضع اسمك على مقاله ذات ليلة قال فيها إن الكنائس والأديرة مليئة بالأسلحة والذخائر؟ الأستاذ عبد الناصر سلامة أنتظر الإجابات العشر حتى لا تكون مثل السيدة البغي التي أنشدت قول الشاعر: رمتني بدائها وانسلت!

مخاوف من استمرار التدهور

وإلى أن يجيب عبد الناصر عن أسئلة رشدي أباظة أو يتولاها أحد من زملائه في «الأهرام» فإن هذا هجوم موجه من جهة ما في الدولة ضد سلامة لسبب ما وجهة ما أخرى تسنده. وأود أن اشير إلى أن ابتداع «روز اليوسف» كتابة مقالات موقعة باسماء فنانين كان قد ابتدعها في عهد السادات إبراهيم سعدة عندما كان رئيسا لتحرير جريدة «أخبار اليوم» بكتابة مقالات في الصفحة الأخيرة يوقعها باسم أنور وجدي بهاجم فيها زعماء المعارضة وغيرهم.
ونظل مع الصحافيين ومشاكل اقتصادية يعانون منها دفعت البعض منهم إلى العمل سائقين على سيارات شركة أوبر أو بيع كروت شحن الموبيلات أو تجارة المواشي وهو ما قاله في «الوفد» مصطفى عبد الرازق تحت عنوان «صحافيون وأصحاب مهن لا داعي لذكرها» إلا أن المقال يذكر هذه المهن قال: لا غرابة في أن يعمل الصحافي مترجما أو قائما على التعاون مع دار نشر أو مستشارا إعلاميا لمؤسسة من المؤسسات ولكن الغرابة في أن يعمل بائعا لكروت الهاتف في محطات المترو. والإشارة إلى ذلك ليس فيه تقليل من بيع كروت الهاتف. قابلت بالصدفة صديقا صحافيا لم أقابله منذ سنوات. وبعد السؤال والتحية علمت إنه يعمل في تجارة المواشي إلى جانب عمله الصحافي. آخر يعمل في تربية الأرانب ليزيد من دخله. ليس هناك مشكلة. الأكثر من ذلك إنني فوجئت بشباب صحافيين يعلنون بكل فخر على صفحتهم على الفيسبوك اعتزامهم إقامة مشروع «أكل بيتي» لكي يزيدوا من دخلهم. وفي مواجهة الأزمة المادية التي يعيشونها بسبب ضيق أجواء الصحافة كمصدر للدخل. ليس ذلك فقط بل لديهم آمال بأن يتسع المشروع، وفي حال نجاحه يتم تطويره إلى مستوى أكبر ولم يتواروا خجلا كما يتوارى الحريصون على المظاهر من دعوة من يعرفهم إلى تشجيعهم والشراء منهم. لا أحب أن احتل موقع الواعظ غير أن الأمر يدعونني للقول العيب هو أن يلجأ المرء إلى طرق غير مشروعة لمواجهة احتياجاته المادية وطالما الصحافي أو غيره يجتهد لكي يواجه متطلبات الحياة بالحلال فلا غبار عليه، أما الشكليات المتعلقة بالتقليل من شأن تلك الفئة أو غيرها فأمر لا يجب أن يجرنا لمعارك جانبية تلهينا عن القضية الأصلية وهي تدهور أوضاع الصحافيين الأمر الذي سيتفاقم على خلفية ظروف عديدة في الفترة المقبلة.
وللأسف فإن توقعه صحيح ذلك أننا حاليا نعاني من بطالة آلاف من الصحافيين الذين كانوا يعملون أما في صحف حزبية أو مستقلة أو مواقع إخبارية وأغلقت أبوابها، وكثير منهم لم يكن مؤمنا عليهم في التأمينات الاجتماعية. ولولا تدخل نقابة الصحافيين أيام نظام مبارك وبدعم من وزير الإعلام وقتها صفوت الشريف الذي قرر تقديم دعم لكل صحافي تحت اسم بدل مراجع وكومبيوتر يتم تسليمه إلى النقابة لتصرفه لهم بدأ على ما أذكر بخمسة وعشرين جنيها، إن لم تخني الذاكرة، وصل اليوم إلى الف وثلاثمئة جنيه، كما زاد من المعونات المقدمة من الحكومة لتغطية المعاشات التي وصلت الآن إلى الف ومئة جنيه. وكانت هناك امتيازات أخرى ألغيت الآن مثل تخفيضات في وسائل المواصلات من أتوبيسات وقطارات بنصف الثمن وإعفاء من دفع الرسوم على الطريق السريعة الحرة، كما ألغي امتياز ثلاثة آلاف مكالمة تليفونية منزلية مجانا تدفع قيمتها هيئة الاستعلامات بعد أن ثار أصحاب مهن أخرى وطالبوا بمثلها. أما الامتياز الخاص في شركة مصر للطيران بتخفيض عشرين في المئة من ثمن التذكرة وكذلك في الفنادق فلا أعرف إن كان معمولا به وألغي الآن.

معارك وردود

وأخيرا إلى معركتين لهما طابع سياسي الأولى للمفكر الاقتصادي والوزير الأسبق الدكتور زياد بهاء الدين الذي أيد الحكومة في سياساتها للإصلاح الاقتصادي لأنه ضروري وأشاد بالإجراءات الاقتصادية التي اتخذتها للتخفيف من آثارها على الناس إلا أنه طالب بقدر من أكبر من النشاط السياسي وقال: المشكلة أن الدولة اكتفت بتعويض تلك الإجراءات بحزمة من المعاشات والإعانات والسلع التموينية ولكن أهملت تحسين الخدمات والمرافق العامة في الريف والمدن القديمة والمناطق العشوائية على حساب المدن الجديدة، وعجزت عن جذب الاستثمار الإنتاجي الذي يوفر فرص عمل مستدامة ويخرج الشباب العاطل من البيوت والمقاهي مع أن البطالة والفقر وضعف الخدمات العام أكثر ما يهدد الاستقرار. والاستقرار يحتاج لمناخ سياسي متوازن تخفف فيه الدولة من قبضتها على الإعلام والبرلمان والمجتمع المدني والنشاط الجامعي والثقافي وتتيح مساحة من الحرية فى التعبير وانتقاد السياسات العامة والتفاعل معها. وهذا على عكس ما تصدره وسائل الإعلام الرسمية لا يعنى عودة الفوضى إلى الشارع أو يهدد مؤسسات الدولة بل هو ضمان للأمن والاستقرار لأنه يتيح للناس، وبخاصة الشباب، التواصل مع الدولة خارج المؤتمرات محكمة التنظيم والتعبير عن الرأي بشكل مشروع والمشاركة في مناقشة القرارات الحكومية وبالذات ما يحتاج منها للتضحية والتعب.
لكن زكي السعدني في «الوفد» أشاد بالنظام وبالرئيس بقوله عن مؤتمر الشباب:
الحوار هذه المرة قائم على الصراحة والشفافية وليس هناك إعداد مسبق ورسم للأدوار التي كان يقوم بها كل طالب أو طالبة فى إلقاء الأسئلة على الرئيس واختيار نوعيات بعينها من الطلاب لإلقاء الأسئلة بصيغة معدة مسبقاً من خلال عمل البروفات الخاصة بإلقاء الأسئلة على الرئيس بنوعية محددة تحت إشراف القائمين على أمر المعسكرات الطلابية وتحت قيادة وزراء التعليم العالي فىيالعهد السابق. وأجد أن الرئيس يستمع بنفسه وبدون حواجز إلى آراء الشباب في مختلف القضايا ليعيش نبض الشباب وأفكارهم ومعاناتهم الحياتية ووضع الحلول المطلوبة لمشاكلهم سواء خلال حياتهم الدراسية أو بعد التخرج في الجامعة. وبدون شك أن هذه اللقاءات تجعل الحاكم لا يعيش بمعزل عن واقع حياة الشباب وتعد واحدة من أقوى أدوات التواصل المباشرة ودون وسيط بين المواطن ورئيس الدولة.

صحافيون يعملون في تربية الأرانب وبيع «كروت» الهواتف المحمولة بعد إلغاء عشرات الامتيازات

حسنين كروم

كلمات مفتاحية

اشترك في قائمتنا البريدية