لندن ـ «القدس العربي»: اعتذر أم لم يعتذر، سيظل غزو العراق وصمة عار في تاريخ رئيس الوزراء البريطاني السابق توني بلير.
وقد قيل الكثير عن مقابلته مع شبكة أنباء «سي أن أن» الأمريكية التي اعترف فيها بخطأ المعلومات الأمنية وأثر الغزو الذي جلب في النهاية «تنظيم الدولة».
لكن علينا أن لا نصدق بلير الذي عجز طوال ثماني سنوات من العمل ممثلا للرباعية الدولية في فلسطين عن المساهمة في حل أطول احتلال في التاريخ.
ولا بد من وجه آخر النظر للاعتراف/الاعتذار من خلال ما سيقوله سير جون تشيلكوت الذي يحقق في الظروف التي قادت بريطانيا للحرب.
ويرى المعلقون أن ما صدر من تصريحات أو اعتذار جزئي في مقابلته مع المعلق المعروف فريد زكريا هي «محاولة وقائية» لإحباط ما يمكن أن يصدر عن السير تشيلكوت من انتقادات حول مسؤولية بلير عن الغزو وفشله مع الأمريكيين في التخطيط لما بعد الحرب.
وهو ما التفتت إليه نيكولا ستريجن، وزيرة اسكتلندا، حيث قالت إن «آلة غزل» بلير بدأت بالتحرك لنسج حكاية تغطي على الحقيقة «في الوقت الذي ينتظر فيه كل البلد معرفة الحقيقة».
انتقادات
ومن المتوقع أن ينتقد تقرير تشيلكوت المعلومات الأمنية التي بنى عليها بلير وحكومته مبرر الدخول للحرب. فقد قالت المعلومات الأمنية أن صدام حسين بمقدوره ضرب بريطانيا في مدى 45 دقيقة.
ويرى مينزي كامبل، زعيم حزب الليبراليين الديمقراطيين السابق أنه «مهما قال بلير أو أي انتقاد له في تقرير تشيلكوت، فقد توصل الناس للحقيقة منذ زمن طويل. واعترافه الجزئي من أن التدخل العسكري ضد صدام حسين ساهم في زعزعة استقرار الشرق الأوسط لن يؤثر كثيرا على مواقف الرأي العام وأنه اتخذ قرارا خاطئا». وأضاف «الحقيقة المحتومة هي أن العراق سيظل إرثه وستنقش على ضريحه».
وكان بلير يتحدث مع زكريا كجزء من برنامج الشبكة «الطريق الطويل إلى جهنم: أمريكا في العراق» وعرض ليلة أمس. ويحضر سير تشيلكوت لنشر تقريره وسيعلن خلال الأيام المقبلة عن الجدول الزمني لصدوره.
وكتب لكل المشاركين حتى يسمح لهم بالرد على ما ورد من نقد ضدهم قبل نشر التحقيق بالكامل.
واتفق معظم المعلقين مع بلير على انه من دون غزو العراق لم يكن «تنظيم الدولة» ليظهر.
ويعتبر اعترافه تطورا في موقفه، فحتى اليوم السابق رفض بلير الربط بين الإطاحة بصدام وصعود الجهاديين.
فقد بنى مبرراته للغزو على فكرة حرمان الجهاديين من منطقة للعمل في العراق ومنع الرئيس العراقي السابق من استخدامهم كقوات وكيلة وضرب الغرب.
كيف صعدوا؟
وأثبتت السنوات الـ12 الماضية خطل وخطأ المبررين. فخلال ستة أشهر من الغزو أرسلت القوات البريطانية الخاصة لقتال الجهاديين الذين تمركزوا في الرمادي، محافظة الأنبار. وكانوا في البداية مجموعة من الجهاديين الأجانب الذين تعاونوا مع السنة الغاضبين ثم جاءت الدول الإسلامية في العراق (القاعدة) وتحولت منذ منتصف عام 2013 إلى «تنظيم الدولة» في العراق والشام.
ويرى مراسل صحيفة «الغارديان» مارتن شولوف أن مطالب الجهاديين ظلت متناسقة وتقوم على اتهام بريطانيا والولايات بتغيير النظام في المنطقة وفتح المجال أمام طائفة أخرى للحكم، وبالتالي صعود النفوذ الإيراني في العراق.
ويقول إن السنة رأوا، صوابا أو خطأ، في قرار بلير الانضمام إلى جورج دبليو بوش بأنه كان نقطة محورية فتحت الباب أمام النفوذ الفارسي في المنطقة. ويشيرون في هذا السياق إلى سلسلة من الإجراءات التي تؤكد رؤيتهم، مثل حل الجيش واجتثاث البعث، السياسة التي أصبحت وسيلة ليس لمعاقبة البعث ولكن لاضطهاد السنة.
ويضاف إلى مظالم السنة فقد ساهمت صور التعذيب التي خرجت من سجن أبو غريب في صعود «تنظيم الدولة».
ويقول قادة بارزون في الدوائر الجهادية إن صور التعذيب كانت وسيلة مهمة للتجنيد، كما تحولت السجون التي أقامها الأمريكيون لجامعة يتخرج منها الجهاديون مثل معسكر بوكا- جنوب العراق.
ونقل شولوف عن قيادي في «تنظيم الدولة» قوله لو لم يكن هناك سجن بوكا، لما كان هناك «تنظيم الدولة» اليوم «فلم يكن من الممكن أن نلتقي كلنا مرة واحدة في بغداد أو أي مكان آخر»، «كان مستحيلا وخطيرا أما هنا فقد كان الوضع آمن وكانت قيادة القاعدة لا تبعد عنا سوى أمتار قليلة».
وعندما غرق العراق في دوامة الطائفية من بداية عام 2005 تشدد كل طرف ، ومع خروج الأمريكيين من العراق عام 2011 وبداية الربيع العربي عرف «تنظيم الدولة» كيفية الاستفادة من شعور السنة بالظلم.
ووجدت دعوات «تنظيم الدولة» لاستعادة الأمجاد السابقة قبولا من داخل القطاع السني وخارجه. وزادت من جاذبية التنظيم الأحداث في سوريا ولبنان، حيث تهيمن إيران. ولم يكن هذا ليحدث لو لم تشن حرب العراق عام 2003 كما يقول شولوف.
ولم تفت هذه الحقيقة عن السنة في العراق فبحسب جهاد محمد الذي يعيش في غرب بغداد معلقا على اعتراف بلير بأنه «واضح وأنا مستغرب لحديثه، فبدون الغزو لم يكن هناك داعش».
عالم غير مستقر
ويعلق روبرت فيسك في صحيفة «إندبندنت» أن هناك بعض الحقيقة في كلام بلير «فهذا الرجل الشقي بدأ حربا إقليمية غطت على قضية الفلسطينيين الذين لا يزالون يعانون من أطول احتلال في التاريخ الحديث».
وقال فيسك «لقد شعرت بالضيق عندما فشل بلير بتحمل مسؤولية الكارثة. ولا شك أن الظل القاتم لتقرير تشيلكوت يقف وراء هذا الاعتذار المبتور».
وأضاف «ما وجدته مثيرا للرعب في مقابلة «سي أن أن» هو الافتراض الذي يرى في الشرق الأوسط مكانا غير مستقر». ويشير في هذا السياق لمقال كتبه رامي خوري والذي علق فيه على كلام لهنري كيسنجر ورأى في الشرق الأوسط بأنه «مكان لا وجود فيه أو يتعامى فيه عن حقيقة أن نصف مليون رجل وأمرأة ممن يعيشون في تلك الدول والمجتمعات، فهؤلاء يريدون نفس الشيء الذي يريده كيسنجر للأمريكيين: مجتمعا مستقرا وشريفا حيث يعيش الناس بسلام».
ويعترف خوري بوجود الجماعات غير الدول والقومية الإثنو- طائفية إلا أن الغرب لا يرى العالم العربي إلا من خلال الرؤية الطائفية والأقليات- شيعية، مارونية أو درزية. وتتحارب هذه حربا وجودية في حرب وجودية تقوم بها جماعات مسلحة.
ويعتقد فيسك أن بلير يرى الشرق الأوسط بهذه الطريقة. بخلاف أن بلير يرى أرضا، ولكنه لا يرى شعوبا. فحقيقة أنه أطاح بصدام حسين تظهر المشكلة. نعم، استخدم النظام العراقي السابق السلاح الكيميائي، لكن جورج بوش الأب كان يدعمه عسكريا في حربه ضد إيران. وعندما شنت الحرب في عام 2003 لم تقتل الصداميين أو المعادين له ولكن عشرات الألوف من المدنيين.
ويقول إننا نعرف الضحايا بكونهم سنة أم شيعة أو موارنة «فإننا نحط من قدر هؤلاء الناس ونفرزهم ونحشرهم في صناديق» الهوية الطائفية. ولا شك أن سياسات الأمريكيين والقوى الاجنبية أسهمت في المشاكل وهزت سلام المنطقة وعلمت حياتها في مرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية باستثناء الحروب العربية ـ الإسرائيلية.
ولأن هذه الدول لا ترى الناس بل السياسات اختار بلير الحرب. وهي الحروب التي اختارها كيسنجر والتي ركزت على السلام بين العراق وإيران مقابل التضحية بالأكراد. وهو ما فعله الأمريكيون عندما قصفوا العراق مرة تلو الأخرى في الفترة ما بين 1991- 2003 وبعد فترة طويلة من تحرير الكويت.
وهو ما فعلوه منذ غزو العراق ولا يزال القصف مستمرا. ويعتقد فيسك أن الغرب يفشل في تحمل المسؤولية ولا يخطط لأنه لا يملك خططا طويلة الأمد.
وهذا بخلاف ما فعله تشرتشل الذي بدأ يخطط لغزو ألمانيا عام 1941 أي قبل غزو النازيين الاتحاد السوفييتي «وعندما اجتازت الدبابات نهر دجلة لم يفكر لا بوش أو بلير بما سيحدث بعد وكانا مشغولين بالتقارير الأمنية التي لا تحمل إلا عناصر من الصحة».
حرب الدمار
في تعليق على ما جاء في تصريح بلير الأخير، تعتقد صحيفة «إندبندنت» في افتتاحيتها أن اعتذار أو شبه اعتذار رئيس الوزراء الأسبق ليس بديلا عن تحقيق شامل في قرار الحرب الذي ترك عواقب وخيمة «فالنتائج الوحشية والكارثية القاتلة للغزو الأنكلو- أمريكي للعراق لا تزال واضحة في كل أنحاء الشرق الأوسط وبالتأكيد في العالم».
وتشير للهلال العظيم من المشاكل الذي يمتد من نيجيريا إلى الصومال وأفغانستان وأبعد منها».
وتعتقد الصحيفة أن نتائح حرب بوش- بلير تركت آثارها الدولية، فهي وإن لم تكن حربا ثالثة إلا أنها ومن خلال ما خلقته من أعداء ألداء وما دمرته من أمم ومدن وما ولدته من هجرات جماعية للسكان يمكن اعتبارها وبالتأكيد حربا دولية.
ويمكننا اليوم متابعة أصل هذه الحرب من خلال الأحاديث الخاصة التي تمت بين بوش وبلير في منتجع كامب ديفيد، وبالتالي رد نهب سوريا وهجرة العراقيين والسوريين لتلك الحادثة.
ورأت في مسارعة بلير للحديث، قبل الإعلان عن الجدول الزمني لنشر تقرير تشيلكوت الذي طال انتظاره، تخليا منه عن براعته في المناورة، وتبريره شرعية الحرب بالإطاحة بنظام صدام حسين لا يبرر في النهاية حربا غير شرعية.
وتعتقد الصحيفة أن وزير الخارجية روبن كوك والذي استقال احتجاجا على حرب العراق كان محقا، فلو ترك صدام محبوسا في قفص المناطق ذات الحظر الجوي لما خسر الملايين أرواحهم. صحيح، بلير محق عندما يقول أن الربيع العربي كان سيحدث إضطرابات بحرب العراق أو بدونها لكن مع الانهيار الذي أصاب ذلك البلد، فمن الصعوبة عليه إنكار أن الربيع العربي ربما أعطى نتيجة أفضل لو لم يتم غزو العراق.
فلم يكن صعود «تنظيم الدولة» محتوما ولكنه جاء نتيجة لحرب لم يتم التخطيط لها جيدا ولا يمكن الانتصار بها، وهي التي عرفت بـ «الحرب على الإرهاب» وهي التي سمحت لطالبان بالعودة من جديد في أفغانستان.
وتعتقد الصحيفة أن «التاريخ الحديث مهم لأنه عن تحقيق نوع من العدالة للمدنيين والجنود الذين فقدوا أرواحهم». و»مهما قاله بلير فلن يحمي على المدى القريب ولا لاجئ واحد من الغرق في البحر المتوسط أو من التجمد في مخيمات اللاجئين في جبال لبنان وبعلبك. ولن يمنع من اغتصاب النساء على يد بوكو حرام أو داعش أو حركة الشباب الإسلامي ولن يمنع من محاولات إبادة الأقليات وانتهاك حقوق الإنسان وتدمير التراث الثقافي.
ويجب أن لا تمنعنا أحداث عام 2003 من اتخاذ الأفعال الآن. ورغم مساعدة تقرير تشيلكوت لنا على فهم ما جرى لكن ما «نحتاجه» أي الغرب هو السياسات الصحيحة والأفكار والمصادر المالية والأمنية والسياسية. كانت القضية بالنسبة لبلير وبوش واضحة لكنهما لم يفعلا ما يجب حتى تكتمل المهمة. ولدى بلير عادة في الاتكاء على التاريخ وتركه لكي يحكم عليه.
ولن ينتظر طويلا حسب صحيفة «دايلي تلغراف» التي قالت في افتتاحيتها. وقللت الصحيفة من أهمية ما نظر إليه اعتذار عن الغزو «ولم يكن أعتذارا من أي نوع ولم تكن لحظة «فروست/نيكسون»، وبالتأكيد يشعر أنه ليس بحاجة لتقديم اعتذار لأنه مقتنع بأن ما فعله كان صحيحا.
وتعلق الصحيفة على رفض بلير الاعتذار عن الإطاحة بصدام حسين، إلا أن التخلص من الزعيم العراقي كان نتيجة للحرب وليس المنطق الذي دفعها. فقد أكد بلير مرارا وتكرارا للنواب أن سبب دعمه لقرار بوش جاء لتأكيد القانون الدولي الذي رفض صدام حسين الرضوخ له، خاصة فيما يتعلق بقرارات مجلس الأمن حول برنامج التفتيش عن أسلحة الدمار الشامل.
ورغم كل هذا فالأدلة تشير إلى تعهد رئيس الوزراء السابق لدعم بوش قبل عام من الغزو كما كشفت الرسائل الإلكترونية لوزيرة الخارجية السابقة هيلاري كلينتون.
وتعتقد الصحيفة أن تصريحات بلير الأخيرة مرتبطة بالتأكيد بملف تشيلكوت، فهو الشخصية الرئيسية فيه وربما اطلع على الفقرات المتعلقة به ويريد والحالة هذه، أي بلير، تحضير الأجواء للدفاع عن سمعته.
وترى أن تبرير بلير بأن العراق كان سيمضي بالطريقة نفسها التي مضت بها سوريا بعد الربيع العربي ليس موفقا، فهو يتحدث هنا عن تاريخ بديل لما حدث، ويجب عليه أن يكتب ما حدث بالفعل لا ما لم يحدث.
فعندما يتحدث بلير عن الثمن الباهظ لعدم التحرك لوقف ديكتاتور أو حرب أهلية والمضي فيما يراه تدخلا إنسانيا يتعامى عن الكثير من الحقائق ليس أقلها الإجابة على ما سيحدث لاحقا، وهذا هو جوهر نقد تشيلكوت له، فقراره مع بوش أدى لخروج الجني من القمقم ولم يكن بقدرة أي منهما إعادته لمكانه غير الحديث عن المهمة المتعجلة وإعلان ان «المهمة أنجزت» وهو إعلان أدى لمقتل الملايين وتدمير المجتمعات.
فلم يقاتل العراقيون الأمريكيين أو البريطانيين لأنهم أطاحوا بصدام، ولكن لاحتلالهم العراق وهي الحرب التي دمرت البلاد وفتحت الباب أمام دخول تنظيم «القاعدة».
وكما يعلق باتريك كوكبيرن في صحيفة «إندبندنت» فتصريحات بلير عن الغزو وما جرى في الشرق الأوسط منذئذ تنقصها الخبرة والمعلومات الصحيحة وتبدو متحيزة وكأن الرجل المعروف بذكائه بات أسيرا ومشلولا للقرار الذي أدى به إلى هناك.
ويتناقض موقفه حول العراق مع فهمه للأزمة في أيرلندا التي تحدث عنها بوضوح في مذكراته، فالقوة في أيرلندا تحولت لضعف في العراق والمرونة تحولت إلى جمود.
إبراهيم درويش