أمس فقط كان يبدو أن العالم الديمقراطي يقف أمام تغيير دراماتيكي، وأن توجهه هو اليمين واليمين المتطرف في بعض الدول. بعد انتصار اليمين في هنغاريا وبولندا، والانتصار اللافت لترامب في الولايات المتحدة وزيادة قوة الحركات اليمينية في فرنسا وألمانيا وهولندا ونجاح خطة الخروج – الاستفتاء الشعبي الذي أيد خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي ـ كان يبدو أن ألمانيا وفرنسا ستسقطان في هذه السنة كثمرة ناضجة في يد اليمين الذي بدأ يزداد قوة في الميدان.
لكن يتبين أن التطورات السياسية كانت أقل توقعا وأكثر اهمية. انتصار ترامب بدل تشجيعه علم اليمين المحافظ قلل التحمس من العودة لثلاثين سنة إلى الوراء، إلى أيام رونالد ريغان ومارغريت ثاتشر وزاد من الاهتمام السياسي بالأشخاص اصحاب التجربة السياسية الملتزمين بالبرنامج الليبرالي والمساواة. ولكن ليس بالضرورة للمؤسسة الحزبية القديمة. هؤلاء الأشخاص تهتم بهم وسائل الإعلام وتتابعهم اكثر من المرشحين المتوقعين، لذلك هي تمنحهم أفضلية الدخول إلى كل بيت ومنصة لتوصيل الرسالة وفرصة أكبر للفوز في الانتخابات.
الانتخابات الأقرب في أوروبا ستكون في هولندا. حريق ولدرز، عضو برلمان قديم، وهناك من يعتبرونه متطرفا، كان في عدد من أحزاب اليمين، والآن هو يقف على رأس حزب الاستقلال الذي أقامه. انه يدمج في موقفه السياسي العداء لأوروبا مع الدعاية الشديدة ضد الإسلام، ويمكن أن يتصدر في 15 آذار المقبل الحركة الأكبر. لن يصبح رئيس حكومة، ويبدو الآن أن خمسة أحزاب من اليمين واليسار ستنضم إلى التحالف وتبقيه في المعارضة. وحزب العمل في هولندا هو الذي سيبقى في الحكم.
ايمانويل ماكرون، وزير المالية السابق في حكومة فرانسوا اولاند يؤثر في وسائل الإعلام الفرنسية، ليس فقط بسبب سيرته ورسائله الايديولوجية، بل ايضا بسبب قصته الشخصية: شاب عمره 39 سنة متزوج من معلمته السابقة التي عمرها 63. قصص كهذه لا توجد فقط في الأفلام، تزيد من استعداد وسائل الإعلام لمنح من يقف من ورائها الاهتمام. حقيقة أنه خلال فترة قصيرة نجح في الحصول على تأييد الجمهور، تعطي وسائل الإعلام المبرر لاستمرار الاهتمام به والتغطية الكبيرة تغذي الاهتمام الجماهيري والتأييد.
لو كانت الانتخابات في فرنسا تتم اليوم لفاز في الجولة الثانية. وقد يحدث هذا في ايلول المقبل، رغم ان الحديث عن فترة طويلة لاستنتاجات كهذه. يعتبر ماكرون وزيرا ناجحا في حكومة اولاند التي تفقد شعبيتها. وقد ترك الحزب الذي تراجع تأييده من قبل الجمهور، لا سيما بسبب ضعف الرئيس، وعندما قرر الترشح بشكل مستقل كان يبدو أنه لا توجد له فرصة.
لكن خلال اسابيع معدودة تبين أن ماكرون وجد أسلوب الحديث مع ناخبيه، وعلى ضوء الأحاديث حول سلوك رئيس حكومة اليمين السابق الشخصي، فرانسوا فيون، الذي كان يبدو مرشحا له فرص كبيرة، قد يحصل ماكرون على المكان الثاني في الجولة الأولى في نيسان.
مارين لوبان، ابنة السياسي اليميني المتطرف جان ماري لوبان التي تترأس حزب اليمين، الجبهة القومية، يفترض حسب الاستطلاعات ان تحصل على المكان الأول. وكل من سينتخب للمكان الثاني قد يحصل على التأييد المشترك لليمين واليسار بعد ذلك بأسبوعين، ويصبح رئيس فرنسا القادم. برنامج ماكرون يساري واضح، ويتبين أن هذا لا يؤثر على شعبيته المفاجئة.
نجاح مارتن شولتس في ألمانيا مفاجىء. الحديث هو عن تطور حدث في بضعة أيام. كان شولتس ينوي الترشح بعد سنتين ونصف على منصب رئيس البرلمان الأوروبي، لكن تبين أن الأغلبية اليمينية لا تريد منحه هذا. زغمار غبريئيل قائد الحزب الاشتراكي الديمقراطي نظر إلى الاستطلاعات وفهم ان فرص المنافسة أمام ميركل ضعيفة. وعندما عاد شولتس إلى ألمانيا وكان من المفروض ان يحصل على وزارة الخارجية إلى حين الانتخابات، اقترح عليه غبريئيل قيادة الحزب والترشح لمنصب المستشار على طبق من فضة. شولتس الذي أعاد مكانته بصعوبة في برلين فوجىء عندما رأى شعبيته رغم تضامنه الكامل مع الاتحاد الاوروبي ـ هناك اكتسب سيرته كنائب لرئيس البرلمان وكرئيس له.
في الفترة التي يتعرض فيها الاتحاد الأوروبي للانتقاد يبدو أن الألمان يريدون رؤية قائدهم مقربا من الاتحاد الذي تركته بريطانيا وحولت أحزاب كثيرة في اوروبا الخروج منه إلى الموضوع الأساسي في حملاتها الانتخابية.
ما زالت ميركل تعتبر القائدة المسؤولة في اوروبا، وإذا قررت التنافس على رئاسة الحزب المسيحي الديمقراطي للمرة الرابعة، فهي يمكنها التغلب على أي مرشح لليمين أو اليسار، ولكن تبين فجأة أن الوضع ليس كذلك. يبدو أن قرارها هذا سيكون خاطئا وأن الناخبين يريدون التجديد حتى لو كان يقودهم شخص ملائم جدا. يبدو ان الوضع الجديد الناشىء رافض لميركل أكثر من التأييد لشولتس. ولكن في السطر الأخير، بنفس القدر الذي يجب فيه التعاطي بجدية مع الاستطلاعات، فإن فرص القائد الاشتراكي الديمقراطي أفضل من فرصها.
حتى نهاية العام قد تجد اوروبا نفسها أكثر اشتراكية. العودة إلى الثمانينيات تبدو بعيدة. أحزاب اليمين المتطرف تزداد قوة لكنها لن تنجح في تشكيل حكومات في الدول الهامة في القارة. واذا لاحظنا انتصارات اليسار في فرنسا والمانيا خلال العام لا يمكن تجاهل إسهام ترامب في هذه الانتصارات.
إسرائيل اليوم 19/2/2017