صدى النصّ البلزاكي في الكتابة الفرانكفونية الحديثة

حجم الخط
0

نتحدث كثيرا عن الرواية البلزاكية وعن الكتابة البلزاكية وعن التأثير البلزاكي على النتاج الأدبي لبعض الروائيين. وباختصار عن النص البلزاكي الخفيّ أو المخفيّ من غير أن يقودنا ذلك إلى إظهار مؤشرات النص البلزاكي الغائب.
وقد منحنا كل من فوزي الملاح وألبير قصيري بالتدقيق، فرصة تلمس آثار هذا الصدى البلزاكي في «مجمع المشيّعات» بالنسبة للأول و»طموح في الصحراء» بالنسبة للثاني.
فلكي يدين مجتمع المظاهر المتمثلة في مترفي الأحياء الجديدة، فإن فوزي ملاّح الكاتب التونسي باللغة الفرنسية، من خلال روايته لا يستلهم فقط الأنموذج البلزاكي بل إنه يحذو حذوه في السخرية من بعض سلوكيات هؤلاء المترفين الباذخين، بالتركيز على أخلاقيات المظهر لديهم ومعالجة شيفرتهم الاجتماعية. وهي كلها ثيمات سبق أن تبلورت في «الأب جوريو» من خلال دوقة لانجي وراستيناك والفيكونت دوبوزيان، باعتبارها الشخوص المؤسسة والمنظرة لهذه الثيمات. واليوم يتجه فوزي الملاح بدوره إلى الاهتمام بمجتمع المضمرات هذا، ويكِلُ تصويره إلى شخص قادم من مصدر آخر مفارق من الشعب ومرتبط بلحظة تاريخية أخرى مختلفة.
وهذه الشخصية هي «فاطمة المصباح» القاطنة في حيّ الفينيقيين التي تحكي عن أناسه بهذا النحو: «إن مشغليَّ ما كانوا بأغنياء ولا فقراء ولا صدروا عن عائلة كبيرة ذات مركز استراتيجي. إنها لعبة موجهة بجرع من التحالفات من خلال الزواج أو الأعمال، مكنتهم من مظهر اليسر الذي أكسبهم الوضع والملاذ» . وفي هذا المجتمع الفرجوي المسير من طرف كثير من التوافقات، فإن الممثلين قد يكونون مرة متفرجين ومرة ممثلين. ولن يكونوا أبدا ما هم عليه من الجوهر الفرد. فالكينونة والمظهر يظلان منفصلين في مجتمع كاذب يجمّل الصورة ويجعلها القيمة الأوحد. «الصورة هي العمق الجوهري الذي يبدو أنّ عليه تستقيم حياة الفرد وحياة الزوجين وحياة المجتمع وحياة الحيّ»، هي صورة زائفة في الغالب مغلوطة وكاذبة، وتفضح صخرتها الدجل المتعاظم.
وكما فعل بلزاك يبدو ألبير قصيري، الكاتب المصري باللغة الفرنسية أيضا من خلال روايته وكأنه لا يمكنه الصمود أمام جمال الصحراء، بما أنه سيقدم لنا من خلالها توصيفا يعكس الصدى لما سيقرره هذا المقطع: «كلّ الطبيعة يبدو أنها كانت مسمّرة تحت شمس القيلولة الحارقة في بهاء قارّ ومنيع، كما لو كانت غير عابئة بالسيرورة الأبدية البطيئة للزمن. وعلى نحو مثير ومفارق فإن السارد في رواية القُصيري يأتي توّا ليعترف لنا بأن «هذا الهدوء الثمين وهذه النعومة الراسخة هما اليوم مجرد ذكرى.
ذلك لأن الاستبداد الصناعي حوّرَ الفضاءات الطبيعية المؤثرة. ولكي يضيف تشنيعا أكثر على مشهد الطبيعة البلزاكي الأسطوري يذهب المؤلف إلى أن يزرع في قلب هذه الصحراء ذاتها تمثالا موسوما بالسخرية، هو عبارة عن مجسّد معدني لرافعة متعفّنة تحت الشمس. وهي صورة مفاجئة بكل المقاييس إذا كنّا معتادين على قراءة تلك الفقرات الوصفية التي تقف بدلا من ذلك مليّا على نقاوة الصحراء.
وإننا لنتساءل لماذا يتلهى قصيري بتشويه الصورة الجميلة المحصلة عن هذا الفضاء المغري؟ هل يمكن تفسير ذلك من خلال الواقعية المفرطة أم من خلال الإثارة المجانية؟ والجواب عنه لا. فلا هذا ولا ذاك يفسر بما فيه الكفاية الصّورة المتحوّلة التي يُرينا الكاتب إياها.
فإن عدنا إلى النص في الصفحة 14 أدركنا بأن الكاتب يدافع في العمق عن فكرة أن الصحراء فضاء يزخر بالجمال وبالصفاء تماما كما يصفها بلزاك في قصته، وكما يتمثلها الغربيون اليوم. ومع ذلك يراهن على جعل هذه الفكرة مقررة من خلال الحضور الصعب لتلك البقايا من التقنيات البترولية رمز الوقاحة «لقوة الامبريالية الكبرى» ملمحا من ثم إلى أنه لولا هذا السلوك من الغرب لما آلت «جنّة الشرق» تلك إلى الحال الذي صارت عليه اليوم. وأن نظرته التغريبية الأصلية لها لتُعدُّ الوقت ذاته أكثر تأمينا له.

كاتب مغربي

عبد السلام ناس عبد الكريم

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية