سليمان حاج إبراهيم: تأجج الصراع السعودي الإيراني مؤخرا، وانتقاله إلى الجبهة اللبنانية، ليس وليد ظرفه الراهن، وهو يعكس إلى حد كبير جوهر خلاف تاريخي راسخ، بين طرفين تكبلهما حلقات متسلسلة من التوتر المتصاعد، تغذيه نزعات متجددة لتصدير أزمات، تعصف باستقرار الأوضاع في المنطقة.
ظلت علاقات البلدين، تنتقل من توتر ومجابهة استخدمت فيها مختلف الوسائل وعناصر القوة، إلى بعض البرود الكامن، مع لحظات هدوء قصيرة، لا تصمد كثيرا أمام الاستفزازات المتبادلة بسبب عناصر التوتر المتصاعد، والمعارك الكلامية، إلا أنها لم تصل إلى حدود التصعيد الأخير.
أطلق شرارة الحرب الأخيرة ولي العهد السعودي محمد بن سلمان بجزمه تزويد إيران للحوثيين الذين يقاتلهم في اليمن، صواريخ بعيدة المدى، أطلق أحدها على عاصمة بلاده الرياض، مطلع شهر تشرين الثاني/نوفمبر الجاري.
وأعلن الرجل الذي يعتبر الحاكم الفعلي في بلاده، أن استهداف المملكة بهذا الصاروخ الباليستي يرقى إلى إعتباره عملا من أعمال الحرب ضد السعودية، منذرا بمزيد من التصعيد والتوتر في المنطقة.
السعودية لم تتأخر كثيرا في قرع طبول الحرب ضد غريمتها إيران، ونقل ساحة صراعهما من الجبهة المشتعلة حاليا في اليمن، في سياق الحرب التي تقودها بلاده، نحو لبنان.
كل المؤشرات كانت توحي أن جبهة بيروت ستكون المعركة الأكثر شراسة في حروب الطرفين، مع تصعيد الرياض حدة هجومها على طهران، مستخدمة تيار المستقبل لإضرام النيران في المنطقة، ومحاولة الضغط على الحريري لينفذ أجندتها.
وحتى الآن ستلجأ المملكة إلى تغيير استراتيجتها في إدارة معركتها مع إيران، عندما أجبرت سعد الحريري على إعلان استقالته من العاصمة الرياض، وإقحام حزب الله اللبناني ومن خلفه سلطات طهران.
وزير الدولة السعودي لشؤون الخليج ثامر السبهان أعلن مباشرة بعد دفع الحريري زعيم تيار المستقبل المؤثر في سنة لبنان لإعلان الاستقالة، أن بلاده تعلن الحرب على لبنان، في مؤشر خطير، كان محل استهجان عدد من القوى الإقليمية التي انتقدت الزج بدولة مستقلة في حروب دول أخرى بالوكالة.
ويخطط قادة المملكة على ضوء التفاعلات الأخيرة، وتملص سعد الحريري من الاستقالة التي اضطر بالقوة لإعلانها من الرياض، إلى البحث عن بدائل جديدة، في سياق صراعها الحالي مع إيران، الذي تعتبره معركة وجودية بالنسبة لها.
وقبل إطلاق نذر الحرب ضد طهران في بيروت، لجأت الرياض إلى تضييق الخناق على الحوثيين، وأغلقت جميع المنافذ البرية والجوية لليمن في محاولة لمحاربة من تعتبرهم الأذرع العسكرية لغريمتها.
عقدة إرث أوباما
القيادة السعودية الحالية، وتحديدا مع تسلق حاكمها الفعلي هرم السلطة، تعاني من متلازمة «اتفاق أوباما النووي» الذي أبرمه عام 2015 معتبرا أن الولايات المتحدة آنذاك وهي حليفة بلاده، لم تأخذ مخاوفها بعين الاعتبار عند ابرام هذا الاتفاق.
ويؤكد المسؤولون السعوديون في مختلف لقاءاتهم أن واشنطن منحت طهران قدرا من الحرية والقدرة على إثارة الإضطراب والفوضى في المنطقة بعد أن تم رفع العقوبات الدولية عنها بهدف تعزيز مواقعها ونفوذها.
ولم يخف بن سلمان امتعاضه من إدارة الرئيس الأمريكي السابق باراك أوباما، مما يعتبره إطلاق يد إيران في المنطقة، وعدم لجم طموحاتها، أو محاولة ثنيها عن مساعيها التوسعية بسبب توقيع الاتفاق النووي.
العتب السعودي على واشطن لم يقتصر فقط على الاتفاق النووي الموقع مع إيران، بل يتعداه إلى غضب وتذمر، من تراجع إدارة البيت الأبيض في عهد باراك أوباما، عن شن ضربات على نظام بشار الأسد المدعوم من قبل غريمتها.
وباءت محاولات الخارجية السعودية بالفشل في الحصول على تعهد أمريكي بضرورة دك معاقل الأسد، وشل قدرة طيرانه بفرض حظر جوي، بسبب الفيتو الذي لوح به نزيل البيت الأبيض الذي أوصل السعوديين إلى مرحلة من اليأس وفقدانهم الأمل من امكانية مجابهة طهران في الساحة السورية.
وراهنت القيادة السعودية كثيرا على معركة سوريا بالتنسيق الذي وصل مراحل متقدمة مع الأتراك، لتوجيه ضربة موجعة لطهران، واستنزاف مواردها بشكل مباشر، في معركة كانت تعتبر وجودية بالنسبة لها.
دوافع السعودية من التدخل في الأزمة السورية كانت واضحة وجلية للعيان، وأنها لم تكن لأجل الإطاحة بنظام بشار الأسد، وهي التي ساهمت مع حليفتها الإمارات العربية المتحدة في وأد الثورات التي شهدتها المنطقة، في كل من مصر، وليبيا واليمن.
صناع القرار في الرياض منذ لحظة دخولهم حلبة الصراع السوري، كانت طهران نقطة الارتكاز في تدخلهم، وأعدوا العدة من أجل حرب استنزاف طويلة الأمد، تساهم في خسائر مادية وبشرية لإيران.
وراهنت السعودية على هذه الحرب، وكانت الوسيلة الأساسية التي تمكنها من تنفيذ خطط سريعة للنيل من النظام الإيراني، عبر عدد من المحاور منها العراق، والجبهة الداخلية التي حاولت أن تؤلبها على ساسة البلاد.
جرعة الأمل
وجدت السعودية في ظل قيادتها الجديدة المعروفة بنهجها التصادمي، وتحديدا رأسها محمد بن سلمان، في الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الحليف الأمثل لتحقيق ما ترمي إليه، في توجيه دفة الصراع نحو إيران.
نزيل البيت الأبيض الحالي المعروف عنه ولعه بلغة الأرقام، والرجل الذي يتقن فن حسابات الربح والخسارة، وجد بدوره في محمد بن سلمان الشخص الثري الذي يحقق له مبتغاه ونهج سياسته التي تعتمد على مكاسب أكثر بتكاليف أقل وبتدخلات غير مباشرة.
استراتيجية ترامب في تأجيج حدة الخطاب تجاه إيران من دون قدرة حقيقية على التحرك بسبب القيود المفروضة عليه لتوقيع بلاده اتفاقا موثقا ليس من السهل تجاوز الأختام الممهورة على ظهر الورقة، وجدت في ولي عهد السعودية الحل الأمثل.
سريعا تجاوبت كيمياء الرجلين، الأول مستعد للدفع والثاني لديه قدرته على النفخ في الكير لتصعيد لهجة الخطاب، ليتفقا على المضي في هذا المسعى لإدارة معركة الصراع مع طهران.
وهكذا وجدت الرياض الفرصة مواتية مع التحول الحاصل باعتلاء «الرجل المتهور» مثلما يوصف نزيل البيت الأبيض، للحصول على ضوء أخضر يمكنها من المضي في مخططها نحو فتح جبهات في صراعها الطويل والمرير مع إيران.
خلافات
وتعود أسباب التوتر بين الطرفين إلى عقد تاريخية مستشرية بينهما لم يكن بالوسع تجاوزها وغذتها جملة من الأزمات المتتاعبة والمتعاقبة التي جعلت التصالح أمرا صعب التحقيق.
وتعتبر الرياض طهران خطرا وجوديا عليها على المدى البعيد، وتنظر بعين الريبة والشك إلى محاولاتها التمدد والتوسع في المنطقة التي تعتبرها مجالها الحيوي وعمقها الاستراتجيي.
وتنطلق المملكة في تبرير هذه المخاوف إلى اعتبار المنطقة الممتدة من حدود إيران الجنوبية عمقها الاستراتيجي، وتنظر بشزر إلى تنامي أذرعها في كل من العراق، وسوريا واليمن.
كما تتهمها أيضا بالتحرك في الخليج والسعي لتأليب جبهتها الداخلية مستغلة الشيعة لتحريكهم في كل منطقتها الشرقية أو في البحرين التي سجلت أزمات متعاقبة.
وعبر عن هذه المخاوف بشكل مباشر ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان في أكثر من مناسبة بتأكيده أن النظام الإيراني قائم على أيديولوجية متطرفة، تسعى إلى التوسع في المنطقة وخلق أجواء من الفوضى.
وعلى الجانب الآخر تنظر طهران إلى الرياض كونها غريما تقليديا ومنافسا شرسا يعمل على الحد من نفوذها في المنطقة التي تعتبرها ضمن مجالها الحيوي ولها فيها مصالح استراتيجية ومعنية بالدفاع وحماية الشيعة.
ويسارع محمد بن سلمان في ظل محاولاته المستميتة فرض بلاده القوة الإقليمية الوحيدة من دون أي منافس في المنطقة، الخطى لتوجيه اهتمام إدارة ترامب بعد انتهاء معركة تنظيم «الدولة» نحو طهران وشحذ السكاكين في وجهها.
ولم يتقبل الرجل المعروف بشخصيته المتهورة، وهو الذي أشعل أكثر من جبهة منذ تقلد مناصب المسؤوليات في المملكة أن تظهر غريمته في موقع المنتصر في معظم الحروب والصراعات التي شاركت فيها في العراق وسوريا واليمن ومؤخرا لبنان.
وزاد من تعزيز هذه القناعة، الشعور الذي يعتري ساسة في طهران بأن مجريات الأحداث في المنطقة مضت لصالحهم، ورفع أسهمهم كلاعب إقليمي، لا يمكن تجاهله، وهذا للدور التاريخي الذي ميز بلادهم عبر الحقب الزمنية.
رواسب تاريخية
ولفهم أعمق لسر العداء الحالي بين الطرفين، لا بد من العودة إلى الماضي ولسنوات خلت، مع كل العوامل التي غذته بما تحمله من خلافات سياسية وعرقية ومذهبية، اتسمت بها علاقة البلدين وما اتصفت به من احتقان شديد.
فمنذ بدء العلاقة بعد توقيع معاهدة صداقة في 1929 وتبادل السفراء، وافتتاح أول سفارة إيرانية في جدة، ظلت العلاقات بينهما متوترة.
وقبل أزيد من نصف قرن قطعت العلاقات الدبلوماسية بين البلدين في 1943 بسبب إعدام السلطات السعودية أحد الحجاج الإيرانيين.
وفي عام 1955 زار الملك سعود إيران والتقى الشاه محمد رضا بهلوي، وبعد هذه الزيارة صرح الشاه لصحيفة أمريكية أن ضيفه السعودي، كان يعامل أحد حراسه ومرافقيه كالعبيد مما اعتبرها الملك سعود إهانة له، وقرر منع أي إيراني وبحريني من أصول إيرانية من دخول السعودية.
ولكن بسبب ثورة الضباط في مصر وصعود جمال عبد الناصر للحكم بعد إطاحته للملك فاروق، شكل الأمر تهديداً للأنظمة الملكية في المنطقة آنذاك ومن بينها النظامان الإيراني والسعودي.
وحدث نوع من التقارب بين البلدين، وفي 1957 زار الشاه محمد رضا بهلوي السعودية وذهب إلى مكة والمدينة، وفي 1962 ساندت طهران الرياض، عسكرياً في مواجهة القصف المصري على جنوب السعودية أثناء حرب اليمن 1962.
كما ساندت الحكومتان السعودية والإيرانية الإمام البدر، وأنصاره بالمال والسلاح، ما أدى لإرهاق جميع الأطراف المشاركة في حرب اليمن.
وأثناء الثورة الإسلامية الإيرانية صرح الملك فهد ولي العهد آنذاك في لقاء صحافي أن السعودية تقف إلى جوار الشرعية، في إشارة إلى الشاه محمد رضا بهلوي.
وحاولت إيران مقابل ذلك تصدير الثورة إلى دول الجوار وخاصة العراق ودول الخليج، وفي تشرين الثاني/نوفمبر 1979 استضافت إيران بعض المعارضين السعوديين الشيعة داخل أراضيها.
وكانت الحرب العراقية الإيرانية، متنفسا هاما للسعودية عن كل غضبها تجاه غريمتها، وقامت بمساعدة ودعم وإمداد العراق لوجستياً خلال الحرب، وكرد فعل إيراني على هذا الدعم قامت إيران بمحاولة نقل المعركة إلى داخل السعودية عن طريق قصف ناقلات النفط السعودية في الخليج العربي وإغتيال الدبلوماسيين السعوديين في الخارج وعدد من الأحداث الأخرى.
وبلغت الأزمة بين البلدين ذروتها مع اختراق القوات الجوية الإيرانية المجال الجوي السعودي، عن طريق 4 طائرات مقاتلة وهذا في عز الحرب الإيرانية العراقية.
وفي 1987قطع البلدان علاقاتهما الدبلوماسية، بسبب مصرع أكثر من 400 شخص، معظمهم إيرانيون، أثناء أدائهم فريضة الحج في منى في صدامات مع الشرطة السعودية عرفت باسم أحداث مكة 1987.
وفي مطلع عام 2016 بادرت السعودية لقطع علاقتها مع إيران مجددا بعد الهجوم الذي تعرضت له بعثتها الدبلوماسية في طهران.
وجاء ذلك ردة فعل لإعدام الزعيم الشيعي السعودي النمر، وتوعدت طهران السعودية أن تدفع الثمن غالياً، وفي اليوم التالي، بعد استهداف السفارة أعلن وزير الخارجية السعودي عادل الجبير قطع العلاقات الدبلوماسية بين طهران والرياض، وطالب أعضاء البعثة الدبلوماسية الإيرانية بمغادرة السعودية خلال 48 ساعة.
ولا يبدو أن الأزمات العاصفة التي تسجلها علاقات البلدين ستشهد تراجعا في حدة الخطاب الدائر بينهما، في حال بقيت تغذيها رواسب تاريخية تستند على خلافات عقدية وسياسية يصعب القفز عليها.