صراع الأضداد بين شرعية الشعوب وشريعة الاستبداد

حجم الخط
3

لم تكن قضية الشرعية مثارة، في أي وقت من الأوقات، على امتداد التاريخ العربي والإسلامي، كما هي مثارة هذه الأيام، والسبب أن ضياع الخلافة وتشتت للأمة، وهيمنة الاستعمار، مكّنَ بريطانيا وفرنسا من ارتكاب جريمتين بحق العرب، ما زالت تداعياتها وآثارها وأثامها، تتراكم وتتضاعف رغم مرور ما يقارب من مئة عام، وهاتان الجريمتان هما، وعد بلفور، الذي أعطت بريطانيا بموجبه وطنا قوميا لليهود في فلسطين، واتفاقيات سايكس بيكو السرية، لتقسيم وتقاسم الوطن العربي، وإقامة الحدود والسدود بين أقطاره، وزرع الفتن والأحقاد والفرقة بين شعوبه، وتحويل الأمة الواحدة إلى أمم شتى متنازعة، والشعب الواحد إلى شعوب متشاحنة، وما زالت سياسة فرّق تسد، تسعى بكل وسائل المكر ومخططات الدهاء، لإشعال الحروب في كل بقعة من الديار العربية والإسلامية، من أفغانستان إلى الصومال، ومن إندونيسيا إلى السودان، ومن الصحراء الغربية إلى سوريا والعراق، ومن اليمن إلى ليبيا، وتبقى فلسطين، والأقصى الأسير، مرتعاً لشذاذ الأفاق، وجرحاً نازفا، وتبقى إسرائيل خنجراً مسموماً في قلب الأمة، ومثالاً صارخاً، على امتداد قرن من الزمان، للتآمر والنفاق وازدواجية المعايير، والانحياز الغربي المفضوح للاحتلال والعدوان الإسرائيلي، ضد صاحب الحق والأرض، وضد كل المواثيق والقوانين.
لقد نجحت هذه المكائد والمخططات، منذ انهيار الدولة العثمانية، في تشرذم الأمة، وتمزيق كيانها إلى أشلاء، توارثتها أنظمة الاستبداد والقهر، بدعم وتأييد غربي، في مقايضة تقوم على العمالة والنفط وأمن إسرائيل، مقابل الدعم والحماية وغض النظر، عن انتهاكات هذه الأنظمة لحقوق الإنسان. أما مفاهيم العدالة وسيادة القانون، وحقوق الشعوب في تقرير مصيرها، وحكم نفسها بنفسها، فكانت مجرد أوراق في لعبة الحرب الباردة بين القطبين المتصارعين، وبسقوط حائط برلين، وانهيار الاتحاد السوفييتي، وبقوة الاستقطاب المطلقة التى امتلكها القطب الواحد، لم تعد هناك حاجة لاستمالة الشعوب بهذه الأفكار والمبادئ البراقة، وأصبحت أنظمة القهر والانقلابات القائمة على شريعة الغاب، تحظى بالاعتراف الكامل والدعم المطلق من المجتمع الدولي، خاصة الدول الغربية، التي تتبجح بقيمها الديمقراطية، بينما أصبحت الشعوب المطالبة بالحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان، محل تآمر وعداء من قبل حلف المصالح الإستراتيجية، الذي ترسخ بين النظام الرسمي العربي وحلفائه الغربيين.
وقد ظهر جلياً، منذ اندلاع ثورات الربيع العربي، مدى التعاون والتنسيق بين الدول الغربية وبقايا النظام الرسمي العربي، ومتانة التحالفات بينهما، وشدة العداء الذي يجمعهما، ضد مطالب الشعوب العربية في الحرية والديمقرايطة وحقوق الإنسان، التي تقود بالطبع إلى حرية الإرادة واستقلالية القرار، وقد كان العرض المتسرع لوزيرة الدفاع الفرنسية لتقديم المساعدة العسكرية للرئيس التونسي زين العابدين بن علي قبيل رحيله، كاشفاً وفاضحا لطبيعة العلاقة بين الأنظمة العربية الاستبدادية والعالم الغربي الديمقراطي، وكذلك الموقف الغربي من الثورة المصرية، وأول انتخابات ديمقراطية نزيهة في تاريخ مصر، جاءت بالرئيس محمد مرسي، الذي انتهى به الأمر، مع اركان دولته، والآلاف من الثوار، في سجون الانقلابيين، ومثلهم قتلى أو ملاحقون، وكانت مجازر رابعة والاتحادية وما تبعها من مجازر، نماذج يندى لها الجبين، تكشف مدى التواطؤ والتآمر والتحالف العميق بين الغرب وأنظمة الاستبداد العربية، ثم كانت ثورة اليمن نموذجاً آخر لعملية إجهاض الثورات العربية، بالدبلوماسية الناعمة، حيث عُزل الرئيس علي عبدالله صالح إرضاءً للثوار، وبقي نائبه عبد ربه منصور حفاظاً على النظام، فكانت ثورة منقوصة لم تكتمل بعد، انقض عليها الحوثيون مع الرئيس المخلوع، وكان ذلك سبباً لما آلت إليه الأمور هذه الأيام، من حرب أهلية وتحالفات خارجية، تنذر جميعها بمضاعفات تهدد المنطقة بكاملها، وكان يمكن تداركها لو اُحترمت إرادة الشعب اليمني في التعبير، وشرعيته التي يجب أن لا تعلو عليها شرعية في التغيير. وكانت الثورة السورية نموذجاً آخر للنفاق الغربي وازدواج المعايير، فهم يدينون جرائم الأسد الوحشية ضد الشعب السوري، ولكنهم لا يرغبون في إسقاطه، حفاظاً على أمن إسرائيل، وللحيلولة دون وصول الثوار المسلمين السنيين الى حكم سوريا، كما أنهم يُعبرون عن دعمهم وتعاطفهم مع الثورة السورية، ولكنهم يتحفظون على تسليحها بما يمكنها من مواجهة نظام الأسد المدجج بالسلاح الروسي والدعم والإمداد اللوجستي الكامل من إيران وحزب الله اللبناني، بذريعة زائفة، وحجة واهية، وهي الخوف من وصول هذه الأسلحة إلى أيدي المتطرفين، الذين يملكون جميع انواع الأسلحة المتطورة من مصادر عليها العديد من علامات الاستفهام.
أما العراق، الذى كان الحارس القوي الأمين، فقد استغلت شرعية الأمم المتحدة في انتهاك سيادته وإزالة شرعيته، بذريعة امتلاك أسلحة الدمار الشامل التي ثبت زيفها، وقام التحالف الدولي، مع تواطؤ عربي، وتآمر فارسي، وتخطيط يميني صهيوني، بتدمير حضارة العراق وحاضره، وتمزيق نسيجه الاجتماعي، وإذكاء الفتنة الطائفية، وتحويله إلى ساحة للعنف والإرهاب والحرب الأهلية، ولم يكن «داعش» سوى نتاج هذه الجريمة الدولية .
وأما ليبيا، وقد انتصرت ثورة 17 فبراير، انتصاراً أحنى لها العالم رأسه إعجاباً، وأحنى البعض رأسه للعاصفة انتظاراً لفرصة سانحة للانقضاض على الثورة، وقد جاءت هذه الفرصة عندما اصطدمت شرعية المؤتمر الوطني العام، مع شرعية البرلمان، فانقض المتربصون على الثورة، بذريعة تأييد الشرعية في مواجهة حكم المحكمة الدستورية، التي يُفترض أن لا يعلوها حكم في نظر من يحترم القانون، مما أغرق ليبيا في أتون حرب أهلية، ما زال يذكيها ويزيدها اشتعالاً، جهل وحمق وعصبية بغيضة، تخدم عن قصد أو عن غير قصد، أطماع ومخططات حلقات التآمر الإقليمية والدولية.
واليوم، ها هي شعوب الأمة، رغم كل المكائد والمخططات ووسائل التدجين والتضليل، تعثر على شرعيتها، وتسترد حريتها، من خلال ربيعها العربي، بعد عقود، لا بل قرون، من الخضوع لشريعة الغاب التي قامت عليها أنظمة القهر والاستبداد، وها هي تتخذ قرارها المخضب بدماء أبنائها، أن لا عودة إلى أغلال الطغاة، وأن الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان، التي كانت شعار ثوراتها ومطلبها، والتي بذلت في سبيلها الدماء والأرواح، هي حق مقدس لها، وأن شرعيتها، التي لا تعلوها سوى شريعة الله، لن تفرّط بها ولن تتنازل عنها، مهما كان حجم المؤامرات والتحالفات، ومهما دفعت في سبيلها من تضحيات.

٭ كاتب ليبي

سالم قواطين

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية