يكفينا سعد محمد رحيم مؤونة تحديد الأفكار الأساسية في كتابه «صراع الدولة والجماعات في العراق» الصادر من أسابيع عن دار سطور، بـ220 صفحة ويحددها بأربعة بنود عريضة هي:
السياسة والثقافة والهوية والعنف. ويضيف إليها محورا خاصا عن انحطاط القيم (فساد العقول) بتعبير صدقي إسماعيل. وملحقا عن ثورات الربيع العربي وهموما متفرعة عنه.
ومن الواضح أن محاور الكتاب في معظمها لها علاقة بالعقل والنشاط الذهني والاختيار .
ومن الواضح أيضا أن الكتاب لا يتوقف عند تحديد معنى كل محور. وإنما يدخل في شرح الأسباب والظواهر فورا.
في محور السياسة، يشير الكاتب إلى أنه لا يمكنها أن تكون بريئة من الميول (ص15). ولذلك نحن نتحدث عن استراتيجية وتكتيك. وعن أجندات قريبة ومعها خطط بعيدة المدى نسخر كل شيء لتحويلها إلى غرض. بمعنى إلى مبدأ يترجم طبيعة التفكير والبنية النفسية للذهن. ولذلك يجب أن نتوقع خلال هذا المسار بعض الإفرازات الجانبية التي تتحول أحيانا بسبب خطأ في التشخيص إلى ظاهرة معاكسة. وضمن هذا البند تدخل ظاهرة «القاعدة» وبعدها «بوكو حرام» ومؤخرا «داعش». وإذا كان الكاتب يرى أنها نتيجة لسياسة التوسع الإمبريالي وأزمة الاقتصاد في العالم (كأنه يؤكد على ما دأب الباحث صائب خليل على تكراره: أن وراء كل مصيبة في الشرق أمريكا وإسرائيل، أو رأس الإمبريالية العالمية ويدها اليمنى ووكيلها) أنا شخصيا أعتقد أنها ليست إنتاجا للإمبريالية ولا تسويقا لسياساتها. ولكنها حلقة ضمن سلسلة من التفاعلات والخطط.
ولكن أتفق مع سعد رحيم على أن عبارات الخطاب السياسي بعد سقوط صدام لا تزال متداولة في سوق الشعارات السياسية (ص 22).
فالتركيبة أو الصيغة السياسية لم تتبدل في العالم جوهريا. لقد ذابت الإيديولوجيا فحسب أمام المصالح الأساسية للنظام والأمة. ثم يرى أن مشكلة السياسة في بلادنا أنها تتستر على عيوب المجتمع ولا تبرزها للعيان. وعليه لا يمكن معرفة مكامن العلل ولا الداء الذي ينخر في العظام، وإذا كانت مشاكلنا مركبة (ص27) فهذا لأن سياساتنا مركبة وكوادرنا السياسية تعاني من الالتباس.
وكذلك في محور الثقافة، لا ينفق الكاتب وقتا في التمهيد لمعناها. ويدخل إلى الموضوع من باب الدال وليس المدلول، ويحصر كل كلامه عن المثقف بمطلق المعنى وعلاقته مع السلطة، فهو يعتقد أن الثقافة تتطور في فضاء معزول عمن يفترض أنهم يبشرون بها أي المثقفين، ويرى أن المثقف في العراق معزول عن النشاط التفاعلي متورط بمكاسب آنية، أو خاضع لقيود لا تسمح له بالحركة (ص49). وهنا المعضلة، أن يتحول تحفيز المعاني إلى تبرير للأخطاء. وهكذا تنبع مشكلة التفسير الخاطئ لمعنى الأصول، التي أفضل الاستعاضة عنها بالينابيع. فالأصول تحولت إلى مصطلح بغيض ومنافس للعلمنة والوعي. وهذا أغلق الدائرة على التفسير الإنساني للجماعات. لقد أصبحت كتلة أو عصابا جماعيا وليس وعيا جماعيا. وهو ما يسميه سعد رحيم بإعادة انتاج المعرفة المقنعة بالموروث والمقدس. (ص51). ولكن يربطه هشام شرابي بآليات إنتاج المثقف التي تعود إلى مجتمع زراعي تقليدي غير حديث، تشابهت فيه القيم مع أخلاق العصور الوسطى مع استثناءات جزئية في مراكز المدن الأساسية فقط (المثقفون العرب والغرب، ص15).
وفي مثل هذا الجو كان لا بد من تغريب المثقف عن حياته وفضائه النفسي، وتحوله إلى أداة بيد السلطة، مثلما تحول الإعلام من وسيلة توعية إلى بوق يخاطب أدنى أنواع الغرائز، ونجم عن ذلك مثقف مشوه ومريض ومعزول عن ذاته (ص 67).
وفي محور الهوية يقفز الكتاب مباشرة إلى الانحرافات التي لحقت بالمعنى، من دون أن يتوقف عند معناها ذاته. ويرى أنه معنى خرج عن مساره الطبيعي (ص 85)، فقد تحمل هذا المفهوم إسقاطات تشوبها كل الشوائب، من التحجر والاستعلاء العرقي الأجوف الذي لا يستند إلى حقائق ومعطيات ملموسة، وحتى التفسيرات الغامضة التي تحمل قدرا لا يستهان به من الشوفينية واللاأدرية، وقدرا مماثلا من الأشكال قبل الدولتية (ص 87).
ولا يسعني إلا التأكيد والموافقة، فمفهوم الهوية لا يختلف برأيي عما جرى للثورة البلشفية. لقد تحولت بعد الدخول في لعبة الدولة إلى نوع من التسلط الأعمى، حتى أصبحت الدولة غاية بحد ذاتها. وهذا هو العبء الذي تعاني منه كل أمراض الهوية المزعومة، لقد أصبحت هدفا بلا مضمون، ثم أداة بلا هدف، يعني غاية تكتفي بذاتها. لقد عانت الهوية من فساد الطبقة التي تبشر بها، إن لم أقل حسر نظرها وتخلفها المعيب والمخجل. واستفحلت باسم الهوية الرقابة على الحريات الخاصة والعامة، ووصل الأمر إلى درجة تحريم الإنترنت بحجة أنها تتسبب في ضياع الأصالة، وكأن التخلف والتحجر هما الوسيلة الوحيدة لضمان حساسية وطنية نظيفة.
ولذلك يرى الكاتب (وهذا اجتهاد شخصي منه كما يقول) أن الايديولوجيا لا تفسر الهوية دائما. والعكس هو الصحيح. فالانتماء والاختيار هو الذي يحدد ماهية الإيديولوجيا ومادتها ومقارباتها. ويضرب مثلا على ذلك بـ»داعش» التي يمكنها أن تجد مرجعية في غير ابن حنبل، لو أنه ليس موجودا، ومثلها الخمير الحمر بوسعهم إسناد أفعالهم العنفية وتبريرها بنظريات غير ماركسية لو لم يكن لماركس وجود مادي في تاريخ الأفكار (ص 89).
لكن هوية الأفراد والمجتمعات لا تنفصل أيضا عن هوية المكان، وهو ما يسميه سعد رحيم (عبقرية المكان ص 97). وأعتقد أن هذا المصطلح وطني وعروبي بامتياز، وهو من نتاج الأفكار الرومانسية التي نادت بها الثورة الفرنسية، فجمال حمدان تكلم بكثير من الشاعرية عن عبقرية مصر، باعتبار أنها صورة مجازية لواقع متبدل، أو بالأحرى لواقعة تعود التصعيد. وكان في ذهنه ثورة الضباط الأحرار، بمعنى أنه ربط العمل الانقلابي بالواقع الذهني لمعنى الحرية، أو بالأدق التحرر.
ومثله تكلم زكي الأرسوزي عن عبقرية اللغة العربية، ورأى أنها تعني ذاتها، فهي حاملة لتاريخية الظاهرة، وهي إسقاط لعلاقة رحمانية بين الطبيعة والحكمة المبتغاة من التعبير أو النشاط الألسني التداولي. وعليه أكد أن الهوية العراقية هي حضارة ولا تقبل الدحض (ص98)، ولكنه لم يصل إلى درجة إسقاط الأساطير الافتراضية على معنى العراق، فأن يكون اسمه مشتقا من اسم أوروك لا يدل على واقعه الجغرافي ولا السياسي، وأجزم أن العراق بصورته الحالية لا يعني أنه حقيقة مؤبدة، وكذلك ليس باليد ضمانات أنه لن يهضم أو يبتلع أرضا جديدة، فالصورة السياسية لكل المنظومة في الشرق الأوسط نتيجة حدود سائلة ومعاهدات، ولا تزال أمام العراق ملفات كثيرة مفتوحة مع تركيا وإيران والكويت قبل إعلان صورته النهائية على الملأ.
إن الخريطة الحالية لبلداننا هي رماد احتراق الإمبراطوريات السابقة. ولذلك لا أعول كثيرا على الطبيعة والجغرافيا، حتى الجغرافيا متبدلة، والقول نفسه ينسحب على معنى الهوية الوطنية قبل 2003 وبعدها، من تفسير مركزي إلى فدراليات تضم مكونات لم يسبق الاعتراف بها. ولا أعتقد أن سعد رحيم يختلف معي في النتيجة، فقد ذكر بالحرف الواحد أن حقائق السياسة تتولد عن صراع المصالح (ص 98). والخرائط تتبدل بحسب الشروط والمتغيرات (ص 99). وأحيانا تخلق السياسة جغرافيا متوهمة يتحكم بها عاملا القوة والمصالح (ص 102). وقد خلقت سياسات الفراغ أو العطالة والترهل التي أصابت دولنا الضعيفة نتيجة العجز في تحميل وإسقاط المعارف والتقاليد على القانون، ونتيجة سوء رعاية العقد الاجتماعي، اختزلات في الهوية الوطنية (يسميها سعد رحيم: مقدمات للانسلاخ ص 108) تسببت بإحلال مؤسسات قبل دولتية محل احتكار العنف بيد الدولة، وبروز ثقافة عاجزة ومشبوهة لا يمكن للحداثة أن تصل إليها (ص108). ولكن ماذا يعني سعد رحيم بالحداثة؟ هل هي أحكام قيمة أم طور من أطوار العقل أم مجرد أداة؟ أعتقد أنه يربطها ببنية النظام الجماعي. فهي عنده كل كتلة أو مسطح يلغي مجتمع الدولة، بمعنى آخر إنها اقتصاد بلا أدوات إنتاج ينتظم في مؤسسات ويدير مصادر الثروات حسب خطة محكمة وتغيب عنه التناقضات الطبقية (ص 109).
وقد آذن هذا الجو الموبوء بولادة آليات العنف، فالحاضنة جاهزة. وكل الظروف تؤاتي تناميه. لقد استشرى مرة بدواعي التحرير والاستقلال، ومرة بدواعي الديمقراطية، حتى أصبح الإكراه والقسر يبدو كأنه قدر البشرية (كما ورد بالحرف الواحد) ولا سيما إذا قرأنا حقيقته في ضوء حركة الرأسمال ودوافعه (ص 113). ويبدو أن الكاتب يربط العنف بالإرهاب، ولا يرى فرقا بينهما، لذلك سأل نفسه: ما إذا كانت ثورات الربيع العربي قد أنعشت الإرهاب؟ لقد شاب مفهوم الإرهاب غموض يصل لدرجة الشك بمعناه وأدواته، فحركتا حماس وحزب الله إرهابيتان بنظر الولايات المتحدة. وعلى مدى خمسة عقود كان مبدأ الكفاح المسلح كله يحمل وصمة الإرهاب، مع دمغة وتوقيع من الأمم المتحدة، وقد طالت العقوبات الأفراد والكتل أو الجماعات. وكان دريدا وقبله فوكو قد سحبا البساط من تحت هذه الاتهامات، باعتبار أنها تعبير عن سلطة القوة ولها سياق إدراك ميول سياسية وليس وعيا إيديولوجيا. لذلك أرى مع سعد رحيم أن كل تلك الأسئلة التحريفية ليست ذات مغزى، والأجدى إعادة صياغتها بالشكل التالي: هل أدت الانتفاضات الأخيرة دورا إيجابيا غير إضعاف سلطة المركز وتشتيت مراكز القوة؟ (ص 145).
لا توجد إجابة فورية، ولكنه في الباب التالي وبعنوان «عالمنا الذي يتهرأ» بمعنى الذي يتداعى (وهذا التعبير لغينوا أتشيبي) يلاحظ أن العنف الموجه ضد الذات بسلوك مازوشي غريب وعجيب ينتقل ليطال الموضوع، وهو الدولة بسادية لا ينقصها التشفي والانتقام. ليتطور في لمح البصر إلى نوايا دامية وعنفية يمكن أن ترسم الحدود العريضة لمعنى الإرهاب المنظم أو إرهاب المؤسسة المجهولة، التي ليس لها تعريف في القاموس الدولي.
ورافق ذلك كله شعور حاد بفقدان المعنى والعمق والجدوى. مع توسع الفوارق الطبقية (ص167).
وكانت النتيجة بناء اقتصاد ضار يقترف الجريمة ضد الموارد بدم بارد، من خلال تقوية الأعراف العشائرية وانعاش الطقوس التي تشجع على الخرافة والهدر (ص 175).
وهذا هو مغزى الكـــتاب، الاختلاف والصراع، وهـــــو اختلاف بنيوي وصراع على الغرائز. اللاشعور المكبوت يعمل على إلغاء الشعور المدان الذي فقد أهليته وشرعيته.
٭ كاتب سوري
صالح الرزوق