صراع على النفوذ والزعامة ومحاولات فاشلة لإخضاع الدوحة

حجم الخط
1

الدوحة ـ «القدس العربي»:
تنطلق الرياض وأبو ظبي في إدارة صراعها المفتعل مع الدوحة من مزاعم تتعلق بمحاربة الإرهاب وتطويق التيارات المناوئة لها وعلى رأسها الإخوان بكل أذرعها وفصائل المقاومة وتحديدا حركة حماس. هذا الموقف العدائي تجاه حليفتهم وشقيقتهم قطر، يخفي في جوانب منه صراعا محوريا على النفوذ والزعامة والاستئثار بالقرار في أبرز الملفات والقضايا الإقليمية والدولية.
الأسباب الحقيقية للصراع لم تعلن عنها بشكل صريح العواصم التي تعمل على تطويق الدوحة، لفرض سياسة الأمر الواقع عليها، في محاولة لزعزعة استقرارها وتليين موقفها لترضخ لمطالب المقاطعين.
والرهانات الأساسية المغذية لهذا الصراع، لا تبتعد عن مسلمات السياسة الخارجية لأبو ظبي، والرياض (منذ بدأ ولي ولي العهد يوجه دفتها) وهي شيطنة تيار الإخوان المسلمين، وتعزيز نفوذهما في المنطقة، بعيدا عن تأثير الدوحة المتنامي في أكثر من مكان.
جذور الصراع تعود إلى ما بعد سنة 2011 حينما شرعت الإمارات العربية وتحديدا أبو ظبي، في الانقلاب على الخريطة الجيوسياسية التي أفرزتها التحولات التي تشهدها المنطقة، منذ هروب بن علي إلى جدة، حينما دعمت الدوحة الحكومات الوليدة من هذا الحراك، سعت أبو ظبي للانقلاب عليها، والتخطيط للقضاء عليها وعلى التيارات الوليدة، وتحديدا الإخوان الذين كان نفوذهم جليا على أرض الواقع. كما عملت الأطراف المناوئة لقطر على عودة الأمور لما كانت عليه قبل الثورات وكأنها تعمل على محو كل ما رسم على الخريطة.

عداء تاريخي

السر في عداء أبو ظبي لتيار الإخوان المسلمين الذي كان من أكثر القوى الفاعلة ميدانيا، لتحكم قياداته في قواعدها، وانضباط الأخيرة، ينطلق من فكرة جوهرية، أن هذا المكون الشعبي، بعيد عن مزاج حكامها، ولا يمكن تطويعه وفق مصالحها الوليدة، ولكونه تاريخيا أقرب للدوحة منه للعواصم الأخرى، وهي علاقة تعود لعقود سابقة.
تدرك الإمارات والسعودية في ظل القيادة الحالية أن هذا التيار لن يخضع لأجندتها، بالرغم من محاولات عابرة لجس نبضه والتأكد من امكانية تدجينه.
كما تعلم جيدا أن استقرار عدد من القيادات الإخوانية وعلى رأسهم يوسف القرضاوي، في الدوحة منذ أزيد من نصف قرن، سيكون ورقة رابحة لقطر التي تحالفت مبكرا مع التيار وسمحت لأعضائه بالتنقل والعيش بحرية في البلاد من دون مضايقات أو مراقبة.

منافسة إقليمية

وأدركت الإمارات العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية، أن الدوحة تملك أوراقا رابحة لصالحها في إدارة ملفاتها السياسية والخارجية وأن من الصعب تدجينها لتسير مثل البحرين على وفق مقرراتها. يعد هذا العامل أساسيا في الحرب الحالية على قطر التي تسير عكس تيار هذه العواصم التي تسعى قياداتها الجديدة لإعادة تشكيل المنطقة وفق حساباتها الاستراتيجية ولا تقبل منافسة من جارة عصية على الإخضاع ولها قرار مستقل وتنفرد بسياستها الخارجية.

أزمات عميقة

كان جليا أن هذه العواصم تعزف منفردة في قراراتها، ولا توجد هناك نقاط مشتركة في أكثر من ملف تم التعامل معه في السنوات الخمس الأخيرة، باستثناء الحرب في اليمن التي أطلقت شرارتها الأولى الرياض بقرار من محمد بن سلمان، لا يوجد أي توافق بين مختلف العواصم الخليجية في عديد القضايا والملفات المفتوحة. وتنطلق كل دولة منفردة في تشكيل سياستها الخارجية وإن تقاطعت بعضها مرات لكنها تظل مستقلة.
أبو ظبي والرياض كانتا الأقرب في رسم سياساتهما الخارجية، والدوحة كانت أكثر استقلالا في قراراتها السياسية. وكان هذا العامل محل استهجان السعودية والإمارات التي سعت إلى إخضاع دول المجلس لقراراتها وتوحيد صفها وفقا لمزاجهما.

تحالف المحمدين

المنحى العدائي تجاه قطر بدأت ملامحه تتشكل مع سيطرة كل محمد بن زايد على مقاليد الأمور في الإمارات العربية منذ ابتعاد شقيقه خليفة عن إدارة الحكم، ومع صعود نجم محمد بن سلمان نجل العاهل السعودي وولي ولي عهده. مع خروج المحمدين إلى الواجهة وتقوية نفوذهما في بلديهما، تشكل تحالف استراتيجي بينهما غذته كيمياء مشتركة لشخصيتيهما.
يتحد المحمدان في مخططاتهما للسيطرة على مقاليد الحكم في بلديهما حيث يطمح بن سلمان لتحييد ابن عمه بن نايف وإبعاده، كما نجح بن زايد بتولي زمام الأمور والحصول على كل الصلاحيات.
تحالف المحمدين ونزعتهما نحو الاستفراد بالقرار الخليجي، وتشكيل الخريطة الجيوسياسية للمنطقة وفق مخططاتهما، واجهه رفض الدوحة للخضوع لإملاءاتهما والاستقلال بقرارها.
وسعت قطر بالرغم من محاولات بسيطة للتوافق مع محمد بن سلمان في بعض الملفات، إلى الانفراد بقرارها في جل القضايا التي تديرها.
تجربة الدوحة في ترك مقاليد الأمور للرياض لم تكن ناجعة لها، وتجلى لها ذلك في اليمن وفي سوريا. مع بداية ظهور نزعة الرياض للتقدم نحو واجهة الأحداث الدولية وتراجع قطر خطوتين إلى الوراء، وجدت الأخيرة نفسها تفقد تدريجيا استقلاليتها. كان للملف السوري الذي كانت الدوحة أول من أدار دفته ثم دخلت في خطها تركيا، تأثير على قادتها بترك الرياض تخوض فيه مما أفقدهم أبرز أوراقهم الرابحة وتراجعهم إلى الأدوار الخلفية.

مآلات مستقبلية

الصراع الحالي يشير إلى أن الأزمة من المحتمل أن تستمر لفترة أطول وليس من السهل العودة إلى خط البداية في ظل تمسك وتعنت الأطراف بمواقفها.
وإذا كانت الرياض وأبو ظبي فشلتا حتى الآن في إخضاع الدوحة لسيطرتهما، تصر الأخيرة على المواجهة والمقاومة إدراكا منها أن التراجع معناه التسليم حصرا بكل خياراتها الاستراتيجية والالتزام حرفيا بمخططات العواصم التي تعمل على تطويعها.
يدرك المتابعون للملف أن التزام قطر بالشروط الخليجية لن يكون تحقيقه أمرا سهلا على الدوحة التي أعلنتها صراحة أنها لن تفرط في خياراتها الاستراتيجية وسيادتها على كل قراراتها.
وحتى يحدث اختراق في هذه الأزمة من أي جهة كانت، سيتابع صناع القرار على المستوى الدولي تفاعلاتها، ويسعون إلى تخفيف حدتها كحل وحيد متاح أمام مضي كل طرف في مساره.
ويظهر جليا أن الدوحة استعدت جيدا لهذه المواجهة وخططت لمسارها وتوقعت كل هذه السيناريوهات المطروحة، وهي ردة فعل أربكت الطرف المقابل الذي راهن كثيرا على عامل المباغتة لزعزعة استقرار قطر.
وفي قراءة المشهد الحالي يظهر جليا تشكل تحالفات جديدة وفق معطيات قربت المسافات بين بعض العواصم وهو عـــامل سيكون له دور محوري في إعادة الأمور إلى نقــطة البداية والبحث عن خطط بديلة بعيدا عن لغة العنف.

صراع على النفوذ والزعامة ومحاولات فاشلة لإخضاع الدوحة
منطلقات السعودية والإمارات في إدارة الأزمة المفتعلة مع قطر

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية