في مقاله «حلول فريدة لنزاع فريد في نوعه» («هآرتس»، 4/10) عرض شاؤول اريئيلي مرة أخرى حلا للصراع الطويل: «تسوية تلبي المصالح الجوهرية للطرفين، التي تستند إلى معايير أملت المفاوضات في أنابوليس 2008». هنا، برغم إشارات الواقع كلها، فإن الافتراض لهذا النزاع الفريد يجب أن يكون حل متفق عليه بين إسرائيل وم.ت.ف، ما زال يراوح في الساحة مثل دجاجة مقطوعة الرأس. هذا تفكير لم يعد موجودا. الآن تعمل ردود الفعل.
في انتقاله من الصعوبات الخاصة إلى الصيغة المخلصة، أهمل اريئيلي حقيقة أنه في عام 2008 رفضت قيادة م.ت.ف «المعايير» ثلاث مرات: في أيلول امتنع محمود عباس عن الإجابة على الاقتراح بعيد المدى الذي قدمه رئيس الحكومة اهود اولمرت («منذ ذلك الحين لم ألتق معه»، قال بعد ذلك اهود اولمرت)، وفي تشرين الثاني رفض طلب وزيرة الخارجية الأمريكية كونداليزا رايس، بأنه يوافق على اقتراح اولمرت، وفي كانون الأول عندما توسل إليه الرئيس الأمريكي جورج بوش بأن يبلغه عن موافقته على الاقتراح في مكتبه في البيت الأبيض وأن لا يتم الإعلان عن ذلك، رفض عباس ذلك مرة أخرى. وعن هذا الأمر كتبت رايس في مذكراتها («لا يوجد احترام أعلى»، 2011: «الفلسطيني وقف مصمما والفكرة ماتت»).
وحتى الآن ما زال يقف مصمما، ملتصقا بزاويته لا يستطيع الحركة. خيول الرئيس كلها ورجاله جميعهم لا يمكنهم تحريكه وزملاؤه من أماكنهم في قيادة م.ت.ف ورجال حماس أيضا. الفكرة ماتت.
بعد ثلاثة أسابيع سيكون قد مر على وعد بلفور مئة سنة. إخلاصا لميثاق م.ت.ف قال عباس عن ذلك في السنة الماضية في خطابه في الجمعية العمومية للأمم المتحدة: «لقد مرت مئة سنة على وعد بلفور سيئ الصيت، الذي بوساطته منحت بريطانيا من دون أي حق صلاحيات أو نوع من الموافقة، أرض فلسطين لشعب آخر، الأمر الذي مهد الطريق لحدوث النكبة لأبناء الشعب الفلسطيني، واقتلاعهم وسلب أراضيهم.
من هذه الأقوال المليئة بالتعابير، اختار اريئيلي أن يقتبس فقط الكلمات الثماني الأولى، التي معناها السياسي واضح: مع الكيان اليهودي الصهيوني الذي أقيم على أساس الظلم الفظيع والمستمر هذا في حدود 1949، لا يستطيع قادة جيراننا الفلسطينيين توقيع اتفاق سلام، يتم الإعلان فيه كما هو مطلوب إنهاء النزاع وإنهاء المطالب المتبادلة.
اريئيلي يعترف بـ «الحقوق الشخصية للاجئين بالعودة إلى بيوتهم»، أي، في الجيل الخامس والسادس أيضا، حسب تعريف الأمم المتحدة الذي يدين اللجوء، والذي وضع من أجل هؤلاء اللاجئين فقط، لكنه أيضا يرى التناقض بينه وبين الشخصية اليهودية لدولة إسرائيل.
ومن أجل حل هذه المشكلة لديه وصفة: «استيعاب اللاجئين في الدولة الفلسطينية بشكل عام، أو في أماكن وجودهم الحالي، أو في دولة ثالثة (من ضمنها إسرائيل)، حسب رغبتهم وموافقتهم الفردية». وإلى هذا الخليط يضيف أيضا «الاتفاق على صيغة مشتركة بخصوص الروايات حول موضوع اللاجئين»، ويضيف «القليل من التعويضات المختلفة». ضعها على نار هادئة والمشكلة ستحل.
ولكن في الحقيقة تعمل قواعد أخرى. فقط قبل أسبوعين، في 24 أيلول، قررت اللجنة التنفيذية لـ م.ت.ف مرة أخرى أن «القانون الدولي وقرارات الأمم المتحدة هي القاعدة الوحيدة لتسوية شاملة توفر الأمن والاستقرار للدول جميعها، من ضمنها دولة فلسطين في حدود 1967، والحفاظ على حق اللاجئين الفلسطينيين في العودة إلى بيوتهم حسب قرار 194 للجمعية العمومية عام 1948». الاكتفاء بـ «دولة فلسطين في حدود 1967» يناقض كما هو معروف حق اللاجئين في «العودة إلى بيوتهم»، لكن هذا الحق يسبق الحقوق كلها.
«هناك ستة ملايين لاجئ فلسطيني ينتظرون ما يحق لهم، وأن يمكنونهم من العودة إلى بيوتهم، حسب قرار الأمم المتحدة 194»، كتب عباس في صفحته على الفيس بوك قبل سنة. مليون ونصف المليون منهم يعيشون في فلسطين على بعد مسافة قصيرة عن القرى التي عاشوا فيها في السابق، وهم لا يتنازلون عن ذلك. بالنسبة لهم ولـ م.ت.ف ليس هناك حل سوى تحقيق حقهم الشخصي في الاختيار بين العودة إلى بيوتهم أو التعويضات. بوابة الدخول إلى مخيم اللاجئين «عايدة» (بالعربية معناه التي عادت): فوق البوابة وعلى امتدادها وضع مفتاح كبير وهو رمز «العودة». مع رموز كهذه، التي تورث من جيل إلى جيل لا يمكن أن يكون تنازلا.
من صيغة قرار 194 تستنتج م.ت.ف أن القرار وضع بصورة شخصية في يدي كل لاجئ، وليس هناك أي تنظيم له صلاحية التوقيع باسمه على اتفاق يقيد حقه. هنا هو واقف.
بعد بضعة أيام على فشل مفاوضات كامب ديفيد، أحسن عباس شرح موقف م.ت.ف («الأيام»، 30/7/2000). «الوفد الفلسطيني رفض تحديد عدد اللاجئين الفلسطينيين الذين سيسمح لهم بالعودة، حتى لو عرضوا علينا ثلاثة ملايين لاجئ، كما قلنا لهم. لأننا أردنا أن يعترفوا بالمبدأ، وبعد ذلك نتوصل إلى اتفاق حول برنامج زمني فيما يتعلق بعودة اللاجئين أو تعويض من لا يريد العودة».
ومنذ ذلك الحين لم يتغير أي شيء. توقيع م.ت.ف اتفاق سلام مع إسرائيل، يتضمن أيضا تقييد عدد اللاجئين الذين سيسمح لهم بالعودة إلى بيوتهم الأصلية، وإعلان «إنهاء المطالب» المتبادلة، يوجد فقط في خيال الخبراء. لهذا، من ظروف النزاع الفريدة هذه تبرز عبرة سياسية فريدة: اتفاق دائم مع قيادة جيراننا ليس في متناول اليد، مهما كانت تشكيلة الحكومة الإسرائيلية.
وفي المستقبل؟ جواب جزئي يوجد في الكتب التعليمية التي طبعتها ونشرتها السلطة الفلسطينية في عام 2016 (حسب مركز البحوث السياسية للشرق الأوسط). في الصف الحادي عشر يتعلمون، مثلا، أن الخط الأخضر هو «خط وهمي ظهر باللون الأخضر في الخرائط بعد حرب الايام الستة، من أجل الفصل بين المناطق الفلسطينية التي احتلتها إسرائيل في عام 1948 والمناطق التي احتلتها في عام 1967».
ويتعلمون في الصف الثالث: «لنغن ونحفظ عن ظهر قلب: سأروي بدمي أرض النبلاء وأطرد الغازي من أرضي وأدمر بقايا الغرباء. يا أرض الأقصى والأماكن المقدسة، يا عرش العظمة والنبل، صبرا صبرا، لأن النصر لنا والفجر سيبزغ من الظلام». وكل من سيقرأ هذا سيفهم.
هآرتس9/10/2017