لا تُختزل أزمة الهوية التي أُسست عليها قُطريات عربية هجينة مغتربة التاريخ متراكبة الجغرافيا، في مجرد نزاعات لعناوين ثقافية وطائفية ولغوية ناهضة، أو مستنهضة في حساب الأجندات المشتغلة على قلق الاختلاف والتنوع، الذي على أسسه بُنيت الدولة العربية، بدون أساس معرفـــي ووعي خاص بفهوم التنوع التي تطرحها العلوم الإنسانية في مختلف طبقاتها وتخصصاتها، بل هي تمتد إلى إشكالات التاريخ الكبرى التي فجرها وعي الإنسان المعرفي ومناهجه، التي اختطها لاستيعاب أبعاد كينونته وطرحها في مسافات الزمن ومساقات التاريخ، إلى أن انتهت المحاولة في ذلك عند العقل الغربي، الذي تمركز بكل ما أعطته قوة حضوره في التاريخ والحضارة اليوم من شرعية، كمنتج للمعاني والافتراضات والفرضيات المالئة لأسئلة التاريخ الكبرى، في مقابل جثوم العرب والمسلمين على الماضي بوصفه الواقي من وحي الغرب وفلسفته للإنسان صانع التاريخ والمصنوع به.
العقل كنموذج معرفي
لا مندوحة من التأكيد على أن فجر الأنوار الذي تفجر في القرن الذي تلا القرون الوسطى، حرر الإنسان من ذاتية الانتماء الثقافي في تفسير التاريخ، بناء على تصور لمبناه ومعناه، وفق أداة صناعة التاريخ الأولى والأخيرة وهي العقل، من هنا صار العقل مصدرا للمعرفة، سواء منها القبلية، أي التي استبقت وجوده بمعنى الوجود الإنساني، أو البعدية التي تلته، حسبان أن له المقدرة التامة على استيعاب غيوب ما قبل الضاربة في الأزمنة وعيوب ما يحضره في واقع وما يستشرفه للمستقبل. والعقلانية بوصفها استيحاء ذاتيي ماتحا من النظر في التجربة الإنسانية انبنت فلسفتها على منهج استقراء الظواهر المقلقة في التاريخ ومحاولة إعطائها التفسير اللازم، وهنا تحديدا طُرح إشكال الذاتية في التفسير الناتج عن الاستعقال الذاتي للتجربة في التاريخ، وجعلها مقاسا لكل التجارب الأخرى في العلوم الإنسانية، ما أفضى إلى صراع المركزيات الثقافية والمعرفية التي تحضر في كل مناحي الحياة البشرية اليوم.
العقل كنموذج استعماري
كل هذا المنتج العقلاني الذي تم به تفسير وصناعة التاريخ، صار مع هيمنة النموذج الغربي على الحضارة، واجتياحه لكل مناحي ونواحي التاريخ والجغرافيا، من خلال حركة الاستعمار العسكري، وما يتيحه له من استثمار مادي بشري يأخذ طابع التسليم الحقيقي (من الحقيقة) التي غابت وتغيب عن الآخر غير الغربي، فلم تعد المدرسة الحديثة الملقنة للمعرفة الكونية ذات المنشأ الحقيقي الغربي، سوى عنوان للتحضر منهجا ومنتجا، مبنى ومعنى، ولا يمكن تصور شكل آخر للمدرسة غير الذي أفضت إليه التجربة الغربية رائدة الحضارة والحداثة. طبعا محتوى المعرفة الغربية أخذ طابع شرعية العصر، وصار المنهج فيها هو ضالة البشرية على امتداد الزمن والتاريخ، فعندما تصنف العلوم حسب الرؤى التجريبية للعقل الغربي، وتصك المصطلحات وتصاغ مفاهيمها، فهي غربية التجربة مهما حاول خطاب النقد الفكري إلباسها الحلة الكونية، التي هي وهم في قصة الحقيقة طالما أن تنوعا يصنعه الخيال ومحل هذا الأخيرة انزياحات الذات ومنتجها الخصوصي. ولكون المدرسة صارت مع تغول نطاق المعرفة، أبرز مؤسسات صناعة الإنسان التاريخي، فقد تمظهر الاجتماع الغربي على كل نطاقات التجمعات البشرية، بمختلف أنساقها وذواتها، حتى وهي تصادم بُنى الحداثة الأساسية في بعض محطات تفتعلها معها، كما هو الشأن في المجتمعات الشرقية ذات السبق الحضاري للإنسانية، لاسيما منها المجتمعات العربية والإسلامية، حيث قضايا اينعت بالتنوير وما استتبعه من تحديث وعالمية ثم عولمية مثل الهوية، والمرأة، والآخر داخل الحيز القُطري، أو ما يصطلح عليه بمسألة المواطنة، لا تكاد تترسخ في مستويات الوعي الاجتماعي وتأخذ بالتالي سريانها في الوعي المتجدد بالذات القاطعة مع شرطيات التاريخ والجغرافية القديمة.
التجربة العربية
وإذا كان التفسير الغربي للتاريخ المستند أساسا إلى رؤاه العقلانية المستمدة من نقد تجربته التراثية المعرفية، قد طغى على شتى صُعد الخطاب الفكري والتحليلي التاريخي، صار يجسد قطب الرحى لكل الرؤى النقدية الأخرى، والأدل على ذلك ما فجره كتاب «نهاية التاريخ» لفرنسيس فوكو ياما نهاية القرن الفائت، حين مزج الزمن بالتاريخ، وبات البعدان في نظره سيان في الجريان، لكون الأنموذج الغربي الرأسمالي خاتم ما قد يستعقله الإنسان من نماذج ونظم العيش، فإن تفاعلنا كعرب ومسلمين مع هذا الإشكال أخذ أوجها عدة لكنها في كليتها تتمحور في موقفين أساسيين راسخين في فضائنا الفكري والثقافي، تتطوران بتطور خطابي، وهما؛ أولا الاستجابة لمركزية المعرفة الغربية وإسقاط حالاتها وتفسيراتها للتاريخ، بما في ذلك فهم وقراءة الذات المتشكلة وفق سياق تطوري خاص، قد لا يستوعب نظرية القراءة التاريخية التي تقترحها نظرية المعرفة المركزية الكونية. فمثلا برر مرة وزير تجارة جزائري سابق قراره بمنح الترخيص لفتح حانات جديدة واستيراد الخمور، الذي أحدث جدلا كبيرا في مجتمعي الدين والسياسة في البلاد، بكونه رجل دولة ليس رجل دين، والدولة بمنظاره هي ما تقترحه نظرية المعرفة المركزية للكون حاليا المتأسسة على تجربة مجتمعية تاريخية، ولا يقابلها من أنموذج بنيوي آخر وكل ما تقترحه الأطراف الدائرة حول المركز من فكريات وأفكار لا يعدو أن يكون عنتا ونرجسية ذاتية تحن إلى مقامتها وقومتها الغابرة في ماضي التاريخ. ثانيا، وفي مقابل اندفاعات الاستجابة لمركزية المعرفة الغربية وتفسيراتها الكونية للتاريخ، يقف تيار الاسترابة مأزوما في رؤاه للمسألة، يبدع خطابيا في استشكالها ولكنه لا يعجز عن إعادة تشكلها في أجندة مشروعه المضاد، والذي لا خطوط يحملها من غير معان ورمزيات افترضتها جهود عقلية اشتغلت على مصادر الثقافة والمعرفة الذاتية بنصوصها ومرجعيتها التأسيسية وفق المستطاع العقلاني، إذ ذاك وشروط اللحظة.
الأزمة المستدامة
من هنا تتبدى غرابة وغربة الاتجاهين المستجيب والمستريب في واقع تاريخي متشكل ومؤول في مسائل انبثاقه ومآلاته وفق خلفية فكرية ذاتية احتلت العالم في رمزياته وأدوات فهمه للإنسان، ونمط حضوره الواعي في الزمن وصناعته للتاريخ، فالدولة الحديثة، بكل مكوناتها البنيوية وفلسفة حركيتها التي لا تكاد تترسخ في وعينا ليست في الأول والأخير سوى نتاج هذا الجدل الثنائي الحاضر في مسرح التاريخ ومفهومية مركزية تفسيره وتحليله وتأويله الغربية القابضة على روح الحضارة اليوم، التي تدور حولها كل الرؤى، سواء بالاستجابة «الإقدامية» التقدمية أو الاسترابة الانتقادية المتمرجعة أو الرجعية، في ظل العجز عن فتح فضاءات نقدية تأسيسية لفهوم المعنى الوجودي الإنساني وفق نسق معرفي متصل كلية بأحداث التاريخ، بما فيها تلك التي غاب عنها لحظة تأسيسها الأولى المستريب القاطع مع الآخر قبل صحوته المتأخرة، وغاب عما سبقها المستجيب القاطع مع الذات زمنا وتاريخا.
٭ صحافي جزائري
بشير عمري