صعود العالول في «فتح» والسنوار في «حماس» يمثل تحولاً جذرياً في السياسة الفلسطينية وميثاق جديد للحركة الإسلامية يعترف بحدود عام 67 ويسترضي مصر… وإسرائيل متشككة

حجم الخط
1

لندن ـ «القدس العربي»: تعيش حركة المقاومة الإسلامية (حماس) مرحلة من التطورات السياسية والفكرية وما يمكن أن يكون مراجعة متأخرة للميثاق الذي أصدرته عشية انطلاقتها قبل أكثر من عقدين.
ومن هنا تقوم الحركة بالعمل على ميثاق جديد لتقديم رؤية براغماتية وتعاونية لمواجهة العالم. وتعبر الوثيقة الجديدة عن تحول عن ميثاق عام 1988 الذي اعتبر إسرائيل دولة عدوة ووعد بتدميرها، وقدمت الكفاح ضدها على أنه كفاح ضد اليهود.
ولا تذكر الوثيقة الجديدة اليهود بالاسم ولكنها تشير لإسرائيل بالدولة المحتلة. ونقلت صحيفة «نيويورك تايمز» عن طاهر النونو، المتحدث باسم حماس في غزة قوله «هذا يعني أننا لا نقاتل اليهود لأنهم يهود « و»معركتنا هي ضد من احتلوا أرضنا».
وتقبل الوثيقة أو الميثاق الجديد بحدود عام 1967 كأساس لقيام الدولة الفلسطينية ولا تعترف مع ذلك بإسرائيل ولا تتخلى عن فلسطين التاريخية. ويقول النونو إن الميثاق الجديد هو ثمرة نقاش استمر لمدة أربعة أعوام ولم يتم التوافق عليه بعد بين كل مؤسسات الحركة كما أن محتوياته ليست جديدة مع أن الوثيقة تحمل وزنا اليوم في ضوء العلاقة بين حماس ومصر. وتسيطر هذه على الجزء الجنوبي من حدود غزة وتتحكم بحركة المسافرين والبضائع من وإلى القطاع الفقير. أما إسرائيل فتتحكم بكل الجهات المحيطة بالقطاع بما في ذلك المياه الإقليمية في البحر المتوسط في حصار مستمر منذ اكثر من عشرة أعوام على القطاع الذي يعيش فيه أكثر من مليوني شخص.
ومن أجل إرضاء مصر ستقول الوثيقة إن حماس ليست جزءًا من حركة الإخوان المسلمين التي تتعرض لعملية قمع وملاحقة من النظام المصري. وكان ميثاق عام 1988 واضحاً في الحديث عن كون الحركة فرعا من حركة الإخوان المسلمين. ويقول مسؤولون في حماس ومحللون أن الوثيقة الجديدة ما هي إلا محاولة لتخفيف العزلة الدولية.
وصنفت الولايات المتحدة وعدد من الدول والاتحاد الأوروبي حماس كحركة إرهابية وتجد نفسها في عزلة في الوقت الذي تتمتع فيه منافستها فتح التي تدير الضفة وتسيطر على السلطة الوطنية بصلات دولية.
وتعلل الصحيفة أن النسخة الجديدة المعدلة لن تغير الوضع نفسه. إلا أن أحمد يوسف الخبير بالحركة والذي عمل مرة مستشاراً لإسماعيل هنية قال إن النسخة الجديدة قد تؤدي لتغيير المفاهيم الجديدة عن الجماعة. وقال «تم انتقاد الميثاق بسبب لهجته عن اليهود والقانون الدولي» و«لدينا الآن وثيقة تقول إن اليهود ليسوا أعداءنا».
وعبر مايكل كوبي من معهد الدراسات الأمنية بجامعة تل أبيب عن شكوكه بالوثيقة الجديدة. وقال كوبي الذي كان مسؤولاً عن مكتب الشؤون الفلسطينية بوزارة الخارجية الإسرائيلية إنه لا توجد ضمانات تؤكد تبني حماس مبادئ الميثاق الجديد.
وحتى لو فعلت فلن يشكل تغيراً في موقف الحركة من المقاومة المسلحة ضد إسرائيل ولن تؤدي لإضعاف من قبضة الزعيم الجديد لغزة يحيى السنوار، مضيفاً أن قادة الحركة «يحاولون استخدام اللغة التي يقبلها المجتمع الدولي» و»لكنهم لن يغيروا من وسائلهم واستخدام الإرهاب والعنف ضد المواطنين الإسرائيليين».

تطور في فتح

ويعتبر صعود السنوار تحولاً في حركة حماس، فقد جاء من التيار المتشدد داخل القسام. إلا ان حركة فتح التي تواجه إدارة أمريكية جديدة متقلبة، شهدت تحولاً من نوع آخر وهو تعيين محمود العالول، نائباً لرئيس حركة فتح- محمود عباس.
وفي هذا السياق كتب غرانت روملي، في مجلة «فورين أفيرز» عن الدماء الجديدة في حركتي فتح وحماس وماذا يعني صعود كل من محمود العالول والسنوار وأُثره على المسار السياسي للحركتين.
وقال الكاتب وهو باحث في «معهد الدفاع عن الديمقراطيات» ومؤلف كتاب «الفلسطيني الأخير: صعود وحكم محمود عباس» الذي سيصدر قريباً قائلاً إن السياسة الفلسطينية عادة ما تتعامل مع مفاهيم مثل حدود أو محدودية باعتبارها مقترحات ظرفية، وهذا واضح في حالة أكبر حزبين فلسطينيين وهما الحركة العلمانية فتح التي تدير السلطة الوطنية في الضفة الغربية وحركة حماس التي تهيمن على قطاع غزة.
ويشير الموقف هذا الذي يتعامل بنوع من عدم الاهتمام بعملية الانتقال السياسي إلا أن اختيار السنوار ليكون قائداً لحماس في غزة وانتخاب العضو البارز في حركة فتح العالول كأول نائب للرئيس يشير لتحول نحو التشدد في السياسة الفلسطينية.
ويرى الكاتب أن تعيين العالول نائباً لعباس في حركة فتح يعتبر «ضربة معلم» تكتيكية. فلطالما ضغط عليه الحلفاء والأعداء ومنذ وقت طويل تعيين نائب له والبدء بالتحضير لعملية انتقال للسلطة سلسة.
ولكن عباس البالغ من العمر 81 عاماً والخائف من أن تؤدي أي خطوة بهذا الاتجاه لكي يتجرأ عليه منافسوه رفض الانصياع لطلباتهم. وعوضاً عن ذلك قضى الرئيس وقته وهو يعزز سلطاته على الحكم ويدفع بمنافسيه جانباً والتأكد من إضعافهم وعدم توسع قاعدتهم الشعبية.
فعندما انتشرت شائعات حول انشقاقات في حركة فتح استخدم الرئيس مؤتمرها في تشرين الثاني/نوفمبر العام الماضي ومنع المعارضين له من حضور المؤتمر واستخدم الانتخابات الداخلية للقيام بعملية تطهير في الحركة. ومن خلال تعيين العالول، البالغ من العمر 66 عاما كنائب للرئيس في حركة فتح فإنه قام بترفيع رجل يتمتع بتاريخ طويل في الحركة ويستطيع أن يخلفه كرئيس لها ولكن لن يقوم بتحدي قيادته مباشرة.
ويعتبر العالول من الأعضاء البارزين في الحركة ومحارب قديم في الجناح العسكري الذي كان مسؤولاً في عام 1983 عن الجنود الإسرائيليين وفديتهم من لبنان، وفي التسعينات من القرن الماضي عمل محافظاً في الضفة الغربية.
وشغل مفوض التعبئة والتنظيم في حركة فتح كما أنه مسؤول عن المقاومة الشعبية السلمية وهو يقوم من خلالها الإشراف على نشاطات القاعدة في الحركة وبالتالي تنسيق الاحتجاجات ضد إسرائيل. ويقول الكاتب إن ترفيع العالول لمنصبه الجديد يعني أنه لا يمكن إهماله في معركة السباق لخلافة عباس.
ويضيف إن صعوده أدى لتهميش مرشحين آخرين للمنصب الرفيع، وهما مروان برغوثي وجبريل الرجوب. ويقضي الأول أحكاماً عدة بالسجن المؤبد بسبب دوره في الانتفاضة الثانية، مع أنه استمر في نشاطه السياسي داخل السجن. أما الثاني، فهو من المسؤولين البارزين سابقاً في الأجهزة الأمنية التابعة للسلطة الوطنية في الضفة الغربية. وكلاهما عضو باللجنة المركزية لحركة فتح وهي أعلى هيئة لصناعة القرار.

تطور في حماس

ويشير في السياق نفسه إلى التطورات التي حدثت متزامنة نوعاً ما مع تغييرات هرم القيادة في حركة حماس. فالنتائج الجزئية التي أعلن عنها في شهر شباط/فبراير وأعلن فيها عن منصب السنوار الجديد.
ويعلق الكاتب قائلاً «لو كان هناك قائد يمكنه أخذ حماس إلى موقف أكثر تشدداً فسيكون السنوارـ البالغ من العمر 55 عاماً والمحارب السابق في الجناح العسكري للحركة، كتائب عز الدين القسام وقضى 20 عاماً في السجن بتهمة التنسيق لعمليات عسكرية.
وتم الإفراج عنه عام 2011 في صفقة التبادل لجلعاد شاليط، الجندي الإسرائيلي الذي اختطفته حماس. وبعد الإفراج عنه صعد السنوار في صفوف الحركة وأصبح في عام 2012 ممثلا للجناح العسكري في المكتب السياسي.
ويصف الكاتب السنوار بالمتشدد الذي انتقد صفقة التبادل التي أمنت الإفراج عنه وقام بمحاكمة عدد من الأشخاص الذين اتهمهم بالتعاون مع إسرائيل. وسيحل محل إسماعيل هنية، كزعيم حماس في غزة فيما سيتولى هنية منصب مدير المكتب السياسي الذي يشغله حاليا خالد مشعل. ويقول الكاتب إن حركة حماس ظلت ولسنوات منقسمة إلى مراكز قوة بين الجناح السياسي والعسكري والذي تفاقم من خلال الفجوة بين قيادة الداخل ـ غزة والخارج.
وظل الجناح السياسي يتمتع بالسيادة إلا أن الجناح العسكري بات يتصرف في السنوات الأخيرة بعيدا عن موافقة الجناح السياسي. وعندما قام الجناح العسكري في الضفة الغربية باختطاف ثلاثة إسرائيليين عام 2014، أنكر مشعل بالبداية علاقة الحركة بالعملية قبل اعترافه أنه لم يعرف بها مقدماً.
ومن هنا فصعود السنوار قد يعلم بداية الهبوط للجناح السياسي. ولا يستبعد الكاتب إمكانية مواجهة جديدة بين حماس وإسرائيل. ويعتقد المسؤولون الإسرائيليون أن الغزيين لا يرغبون بحرب جديدة وهذا لا يعني أن حماس لا تفكر بجولة جديدة من النزاع. فقد قامت الحركة بإعادة بناء ترسانتها العسكرية للمستويات التي كانت عليها قبل حرب عام 2014. وتسيطر الآن على 15 نفقًا إلى إسرائيل. وكممثل للجناح العسكري في المكتب السياسي ـ أي بصفة وزير دفاع- فقد كان السنوار مسؤولا عن هذه الجهود.
ويختم الكاتب بالقول إن صعود كل من العالول والسنوار يأتي في لحظة ملتهبة تجد فيها كل من فتح وحماس في منطقة غير واضحة.
والشكر يعود لصعود الإدارة الأمريكية الجديدة لدونالد ترامب وتراجع فرص تحقيق تسوية سلمية. ويواجه محكا صعبا وأصبحت حكومته التي تغلب الدبلوماسية محلاً للنقد من حركة فتح ومسؤولين في حماس مثل محمود الزهار الذي وصف عباس في الفترة الماضية بـ «الخائن» واتهمه «بتضييع وقتنا ومساعدة الإستيطان الإسرائيلي».
ففي ظل غياب حل دبلوماسي في الضفة الغربية وعدم تحسن الظروف الإنسانية في غزة فإن صعود قيادات جديدة «متشددة» قد تقدم لهم البديل.

ميناء غزة

وفي سياق مختلف تناولت مجلة «إيكونوميست» في عددها الأخير عن التفكير داخل الحكومة الإسرائيلية من أجل منع وقوع حرب جديدة مع القطاع. وقالت إن قادة الأمن الإسرائيليين يبحثون عن طرق لمنع توتر على الحدود مع غزة التي تظل في معظم الوقت في حالة من التأهب ووقف دوامة الحروب التي تندلع عادة مرة كل ثلاث سنوات أو أقل.
وتقول المجلة إن ما دفع باتجاه هذا التفكير هو التقرير الذي أصدره مراقب الدولة حول القرارات التي قادت لحرب عام 2014 التي قتل فيها حوالي 2.100 فلسطيني و 73 إسرائيلياً. ومع أن التقرير تصدى للفوضى التي اندلعت في ذلك الصيف ولكنه أكد على الشكوى المستمرة المتعلقة بفشل القيادة الإسرائيلية العثور على حل طويل الأمد للنزاع الإسرائيلي ـ الفلسطيني.
ولاحظ مراقب الدولة إن القادة العسكريين والأمنيين حذروا دائماً من تدهور أوضاع 1.8 مليون فلسطيني يعيشون في القطاع إلا أن الحكومة الإسرائيلية عرض عليها فقط خيارات عسكرية لمواجهة حركة حماس ولم يعرض عليها بدائل دبلوماسية.
وتقول المجلة إن تقرير مراقب الدولة أحيا النقاش داخل المؤسسة الأمنية الحديث عن طرق لتخفيف الحصار عن القطاع والذي أسهم في الركود الاقتصادي وانتشار حالة الإحباط التي تدفع الغزيين للبحث عن الحجارة والسكاكين والصواريخ ورميها على إسرائيل. فرغم انسحابها من القطاع في آب/أغسطس 2005 إلا أن إسرائيل تواصل التحكم بكل المعابر إليه إلى جانب مصر وكذا الشريط الساحلي الممتد على 365 كيلومتراً مربعاً.
وبعد سيطرة حماس على القطاع عام 2007 وانتزعت القوة من السلطة الوطنية قامت مصر وإسرائيل بفرض نظام متشدد من الحصار على السكان. وتشير «إيكونوميست» هنا للمقترح الذي تقدم به وزير الإستخبارات المتشدد في حزب الليكود، يسرائيل كاتز وهو بناء جزيرة اصطناعية تبعد ثلاثة أميال عن القطاع ويبنى عليها مطار وميناء يمنح الغزيين المنفذ على العالم الخارجي الذي يحتاجون إليه بشدة. بالإضافة لبناء محطات تحلية تعطي القطاع الطاقة الكهربائية التي يحتاجها وكذا مياه الشرب الصحية.
ويرى كاتز أن بناء جزيرة اصطناعية قرب شواطئ غزة سيسمح بنشر قوات دولية تقوم بفحص البضائع المستوردة ومنع تهريب السلاح إلى حماس والجماعات المسلحة الأخرى. كما ويعتقد أن الجزيرة ستؤدي «لإنشاء أرض لن يزعم أحد ملكيتها». أما من سيمول بناء الجزيرة فقد اقترح المسؤول الإسرائيلي السماح للمستثمرين والمانحين الدوليين للمساهمة في المشروع الذي ستبلغ كلفته 5 مليارات دولار. ويناقش كاتز أن بناء الجزيرة سيوفر فرص عمل لأهل غزة وفوق كل هذا ستتحرر إسرائيل من أية مسؤولية تجاه القطاع. ويقول «ليس لدي أي وهم بشأن حماس وأيديولوجيتها القاتلة» و «لكن سياستنا تسمح لهم بسجن شعبهم بدون أي أمل بحصول تنمية».
وتخلص المجلة للقول إلى ان مقترح كاتز يحظى بدعم واسع داخل المؤسسة الأمنية الإسرائيلية ودعم تكتيكي من وزراء في الحكومة حتى لو خافوا من التعبير عن مواقفهم علنا.
ورغم كل هذا فالعائق أمام تنفيذ الفكرة يظل سياسياً، فحماس وإسرائيل اللتان تحصلان على موارد من الضريبة على الاستيراد للقطاع ترفضان التفاوض مباشرة. كما أن العلاقة المتوترة بين حماس والسلطة ومصر تجعل من التوصل لاتفاق أمر صعب. ويظل قرار تنفيذ المشروع المقترح من عدمه بيد رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو وهو متردد. فعندما يتعلق الأمر بغزة، فخياره هو المماطلة حتى لا يبقى أي حل إلا الـحرب.

صعود العالول في «فتح» والسنوار في «حماس» يمثل تحولاً جذرياً في السياسة الفلسطينية وميثاق جديد للحركة الإسلامية يعترف بحدود عام 67 ويسترضي مصر… وإسرائيل متشككة

إبراهيم درويش

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية