صفاء الرثاء في قصيدة «بدرية نعمة» للعراقي جواد الحطاب

حجم الخط
0

هذه تجربة جديدة يدشنها الشاعر جواد الحطاب بقصيدة رثاء الأم في إصداره الجديد، يستثمر فيها قصيدة النثر، وتقنياتها العديدة ليمحو من ذاكرته رحيل الأم المفجع، وفضائلها الكثيرة. وهي تجربة جديدة فعلا، لأنها تقاطع قصيدة الرثاء العربية بموسيقاها وصورها ومجازاتها التي تندب وترثي وتعدد مناقب المتوفى، حين يكون صوت الشاعر حاضرا وهو يتفجّع على الميت ويتأسّى ويعزّي.
وتجربة الحطاب عائمة بغير تجنيس حين يضعها ضمن توصيفات الكتب والمؤلفات، فلم يجنسها كمجموعة شعرية ولا ديوان شعر ولا قصائد متضامنة، بل هي كتاب يتضمن قصيدة طويلة، تحيطها ثلاثة هوامش تتحدث عن هذه التجربة: الأول لعبد الرضا علي يقول فيه «ليس لقصيدة بدرية نعمة من مثيل …هذه هي قصيدة النثر التي نتطلع إلى قراءتها».
والهامش الثاني بعنوان «نثار الذهب» كتبه الشاعر جواد الحطاب يتحدث فيه عن «صور شعرية قد تبدو فائقة الجمال لكنها باعتقادي إن بقيت ملتصقة بجسد القصيدة «الأم» فإنها تأخذ ولا تضيف» ويسميها ناميات مرة وفسائل على أهبة الاستعداد لأن تكون نخلة مرة ثانية، ويرفع رتبتها إلى «غبار الذهب» الذي يمكن جمعه «ثانية وصناعة مصوغات ربما تكون أجمل من العمل الأصلي»، ولذا فهو يفرد لها مكانا مستقلا في هذه التجربة الجديدة بعنوان «بعض نثار الذهب». أما القسم الأخير فهو قراءة مفتوحة للقصيدة للشاعر فضل خلف جبر أطلق عليها «محطات بمثابة التمهيد».
في قصيدة «بدرية نعمة» يستثمر الشاعر جواد الحطاب تقنيات متنوعة ليكسر حدة الانفعال الذي يصاحب قصيدة الرثاء برحيل إنسان عزيز عادة، وليكرس مناقب وأفعال وصفات تؤجل هذا الرحيل، أو تعلق زواله عن مجال الرؤية، ليبقى الاسم والصفة والفعل ماثلا أمام المخيلة التي تتوسل بكل الوسائل من أجل إبقاء هذا الأثر.
في المقطع الأول من القصيدة يظهر صوت الشاعر ليعلن رحيل بدرية نعمة بكلمات مقتضبة تعلن الخبر ولا تعلق عليه: «أنا الآن بدون بدرية نعمة» وكأنه فقد جزءا من كيانه، ثم يقرر أنها تفعل ذلك لأول مرة في حياتها «وتذهب بزيارة مجهولة» بعدها يعدد حماقاته الكثيرة ومنها «أهوائي باجتياز خطوط الرب الحمراء» ليجد نفسه دائما «في حرز أمين فمعي: بدرية نعمة»، وصوت الشاعر هنا ينحسر وينزوي حين يعدد حماقاته ويتصاغر أمام حضورها البهي لإعلاء قامتها معددا مناقبها وأفعالها وهي تمسح حماقاته وذنوبه بفعل حضوتها الكبيرة عند الرب فهو «صديق شيلتها السوداء كأفراح القديسين» وبذلك يلغي الصوت نفسه ليتماهى في حضورها، مستثمرا الجملة الاسمية المحملة بشحنات من الصور التي تتخطى المألوف، لتضيف صورا مبتكرة إلى قصيدة النثر مستقاة من مألوف الحياة تجاه الشعر. وحين يستثمر السرد المكثف، فإنه يستفيد من أفعال مضارعة يغلب عليها طابع السكون وعدم الحركة أمثال «ارتكب، أباشر، أعرف …» كي تتحرك الصورة بشكل بطيء يتيح للقارئ التأمل في تفاصيلها وتراكيبها وكلماتها.
في الأقسام الأخرى من القصيدة يتأكد حضور الراحلة حين تتضافر وجهات النظر بالضمائر المشخصة في الجمل الشعرية: ضمير المخاطب، وضمير الغائب، في حين تبدو الذوات الراصدة أو التي تخاطب الفقيدة، شخوصا مطفأة الأفعال، فالملقن الذي يحضر ليلقنها ما تقوله للملكين، يضيع صوته بظهور سلة مهملات ملونة «أوصى الله ليرمي الملكان بها ذنوبك اللامرئيات»، كما ينشغل الملكان الموكولان بالحساب بمراقبة الملائكة وهي «تتونس» بحياكة ذنوبها اللامرئية حسنات. وهي تقنية تعمل على تسيد صوت المرثي، فخطاب الشاعر لها يحمل حيرة من لا يستطيع أن يعمل شيئا لصوتها «المجعد» الذي يرسل هدهداته إلى المصبغة، ويتلاشى صوت الملقن وهو يحاول تلقينها: اسمعي يا… بدرية بت نعمة وافهمي ..» لتظهر «سلة المهملات الملونة».

نمط فريد من قصيدة الرثاء

في كل قصائد الرثاء يتسيد صوت الشاعر وهو يندب، ويتفجع ويتلهف ويتحسر على الفقيد، ثم يعدد صفات الفقيد ومحاسنه، ليقيم مأتم العزاء كي يزيد نبرة الحزن والأسى وشدة الفراق.
في هذه القصيدة يتخلى الصوت النادب عن مهمته ووظيفته، ليحضر الراحل وهو يسمو بصفاته الجليلة وأفعاله التي تتعالى على أفعال البشر، بدءا من تاريخ وجوده: فبدرية جاءت من عمق التاريخ العراقي «ختما أسطوانيا» وهي تمتد لتكون ابنة «الآلهة والكواكب التسعة» وبنت «اثني عشر كوكبا»، وهي خلاف البشر قد وجدها الرب «نامية على ضفاف سومر» وخلال حضورها في المكان المشخص «ناء قوس الليل» فهبط الملائكة «لسد شقوق الريح برقائق الذهب» ثم استودعوها «الناموس، وارتفعوا».
إن مراكمة الصفات والقداسة وامتداد التاريخ، يرفع رتبة الراحلة إلى نموذج صاف ومقطر يحمل صفات المرأة العراقية التي كابدت وضحت بحياتها وتخلت عن كل أفراح الحياة ومباهجها لتنذر نفسها للآخرين، لتصبح «نوء الثريا، برج الحوت، ونجم الصرفة»، ولتصبح «ثروى الكواكب وهجرة ألوز»، فهي «برج الحوت» أو امرأة الحوت التي تعني: امرأة رومانسية حنونة ولديها جانب روحاني وهي امرأة حساسة بدرجة كبيرة لديها عقل نشيط، على وفق المعاني التي يعددها المنجد، وإذا كانت كل النساء تستحم في الأنهار، فإن بدرية نعمة «ما زال نهر الكحلاء يأمل أن يستحم بك لعل شيباتك تعلو بأمواجه لمراتب الفضة».
وزيادة في توكيد معنى «سموها وقداستها» يضع لها الشاعر مسند الحطاب الذي يراها وقد طلعت من «لحاء الطين، ومن منكهات القرنفل والقصب». أما في مسند سومر فالآلهة قد استودعوها «الناموس وارتفعوا».

صور مبتكرة في نثار الذهب

يفرد الشاعر جواد الحطاب للمقاطع الشعرية التي أطلق عليها «ناميات أو فسائل» فضاء سماه « بعض نثار الذهب»، وفي هذا الفضاء المحدود، يفتح الشاعر أفق تجربته وصوته الذي تلاشى وانزوى في قصيدته الأم، ملاحظا أن «في وجودها ـ ولو على الهامش – ما يكمل المشهد، ويضيء بعض جوانبه».
في قصائد الهامش القصيرة المكثفة هذه يصوغ الشاعر ما يشبه «مواويل جنوبية أو عزف ناي شمالي» كما يقول الشاعر فضل خلف جبر في قراءته للقصيدة، ليكتمل المشهد بها، ويأتي صوت الشاعر هنا ليكرس ألم الفراق ووحشته، حين ينفرد بنفسه، وحيدا ضائعا بعدما كان قويا بها، وبهذا المعنى يصبح صوته رخيما عذبا ينهل من مفردات الضياع والغربة والتأسي بعد ما كان يعدد مناقبها، وحين يعترف الشاعر بموتها يطالب الموت بتأجيل موتها أو بالأقل «قسطوها عليّ لن أقدر على غيابها مرة واحدة». وفي قصيدة أخرى يعدد فضائلها حين يصبح حزنها فرحا: «الفرح: مدين لامي فحين بكت اجتمع حزن العالم في عينيها» أو بيتي في آخر أصقاع الحزن. وحنانك بيت.
إن هذه التجربة الثرة والغنية بشحناتها الشعرية الأخاذة، تضيف إلى قصيدة النثر العراقية مثالا لصفاء الرثاء والابتهال والحزن العميق، أو كما يقول الناقد حاتم الصكر في رسالة خاصة للشاعر: «النص مذهل ونشره بشكله هذا سيضيف لمكتبة الرثاء الحديث شيئا مهما ولافتا».

٭ ناقد عراقي

صفاء الرثاء في قصيدة «بدرية نعمة» للعراقي جواد الحطاب

جميل الشبيبي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية