يُؤدي تعقب تاريخ الاستشراق الروسي إلى أنّه شديد الصلة بطموحات القيصر بطرس الأكبر (1682-1725)، وإصلاحاته الإدارية والاقتصادية والاجتماعية، وتشجيع التعليم والعلم والمعارف العامة وتسليح الجيش والأسطول البحري. وتنعت مؤلفات الفكر التاريخي السياسي هذا القيصر المستنير بمُصلح روسيا الحديثة، وموسع أراضيها ومياهها الاقليمية، وصلاتها الدبلوماسية والتجارية مع دول أوروبا الكبرى والشرق الإسلامي، المتاخم لدولته الناهضة؛ السلطنة العثمانية والقفقاز وآسيا الوسطى وبلاد فارس.
الألمان والاستشراق والخط الكوفي
ومنذ ظهور الاستشراق في روسيا القيصرية وحقوله الأكاديمية ودراساته النظرية ودروسه وأعماله التطبيقية، كان على اتصال مباشر بعلوم معهد الأنثروبولوجيا والإثنوغرافيا (ت 1714)، ومجمل أعمال أكاديمية العلوم الروسية (ت 1724)، وصدور الصحف والمطبوعات الدورية العامة، التي نشرت وثائق ومقالات ومعلومات منوعة عن بلدان الشرق وأحوالها السياسية والاجتماعية، أُقتبس وتُرجم مُعظمها من منشورات وأدبيات أجنبية.
وما ينبغي ذكره، أنَّ جُلَّ المستشرقين الأوائل، في أكاديمية العلوم والجامعات الروسية، كانوا من الأجانب ومعظمهم ألمان. وأوسعهم شهرة المستشرقان بائير وياكوف كيير. حصل بائير (1694-1738) على تعليمه العالي في جامعة ألمانية مختصاً باللغات الشرقية، الصينية والعربية والعبرية القديمة، وترأس عام (1725) قسم اللغات الشرقية والتاريخ القديم في أكاديمية العلوم الروسية، وحينها أدخل لأول مرة، كما لاحظ المستشرق كراتشكوفسكي، في دراساته التاريخية عن حملات الروس الأولى على القسطنطينية وبلاد القفقاز والشرق الأدنى مؤلفات شرقية ذات أهمية في دراسة تاريخ روسيا في العصر الوسيط، وفي حالات معينة وظَّفَ مصادر عربية في حدود توفرها، واستخدم الحرف العربي في أعماله الأكاديمية المبكرة المطبوعة. أما المستشرق ياكوف كيير (1692-1740) فقد تعلم اللغات الشرقية في جامعة (ليئبتسيسك). وتلقى، عام (1732)، حين كان بروفيسوراً دعوة لتدريس اللغات العربية والفارسية والتركية في دائرة التعليم في هيئة الشؤون الخارجية الروسية. واشتهر كيير، على وجه التحديد، بمعارفه المعتبرة بعلوم اللغة العربية. فهو أول من أثبت أن الكتابة العربية الكوفية «الخط الكوفي» ما هي إلا الكتابة العربية القديمة. وبرهن أيضاً أن أصل الرقم العربي من الهند (غير أنَّه لم يتم تقييم أهمية هذا الاكتشاف في تاريح العلم، إلا في وقت متأخر). في هيئة الشؤون الخارجية دَرَّس كيير ستة طلبة، تم إرسالهم إليه من الأكاديمية السلفيانية- اليونانية – اللاتينية. وتذكر المصادر أن خمسة منهم تم تعيينهم في مجال اختصاصهم.
وعُرف المستشرق كيير بترجمة وثائق تركية وفارسية إلى الألمانية، وترجم من اللغتين الروسية والألمانية إلى اللغات الشرقية التي كان يجيدها. كما أعد للطباعة فهرس العملات الكوفية، المحفوظة في معهد الأنثروبولوجيا والإثنوغرافيا. وبهذا العمل يكون العلامة كيير، وفق تعبير الأكاديمي كراتشكوفسكي (قد أضاف إلى العلوم الروسية حقلاً جديداً في دراسة المسكوكات الشرقية). وأيضاً وضع الخريطة الجغرافية لبلاد القفقاز وما وراءها، وكذلك استنسخ وبدقة تامة خريطة الأراضي التركية المطبوعة في القسطنطينية عام (1723). وللعلامة كيير مشروع (إنشاء أكاديمية للعلوم واللغات الشرقية في الإمبراطورية الروسية). وما يبعث الأسف، أن هذا المشروع لم يتم تنفيذه، بل إن مخطوطة المشروع فقدت، ولم يتم العثور عليها إلا عام (1821) من قبل المستشرق كريستيان فرين، أول رئيس للمتحف الآسيوي في أكاديمية العلوم الإمبراطورية الروسية.
خزانة المخطوطات العربية
ولأجل أن ينبت وينمو الاستشراق الأكاديمي في روسيا القيصرية استغرق عمل المستشرقين، في معهد الأنثروبولوجيا والإثنوغرافيا وهيئة الخارجية وأقسام الآداب الشرقية في الجامعات الروسية نحو قرن كامل. الأمر الذي تطلب إنشاء المتحف الآسيوي في العاصمة سانت- بطرسبورغ عام (1818)، كخزانة لحفظ المخطوطات والنقود الشرقية، و»فيه تم لأول مرة في العالم دراسة الشرق في مركز أكاديمي وبرؤية مركبة». وقُبيل ذلك وجه سيرغي أوفاروف رئيس أكاديمية العلوم الإمبراطورية الروسية، في الثالث والعشرين من نوفمبر/تشرين الثاني عام (1818)، مذكرة إلى مجلس إدارة الأكاديمية (عن ضرورة تنظيم قسم خاص بالميداليات والمخطوطات والكتب الشرقية داخل «كونستكاميرا/ دار التحف» الأكاديمية)، وهذا ما كان يتوافق حينئذ مع مهام علم التاريخ البشري ومجالاته الموجهة، قبل كل شيء، إلى دراسة آثار الحضارات الإنسانية.
ومنذ تأسيس المتحف الآسيوي تركزت الاتجاهات الأساسية للبحث العلمي على، الاستشراق الكلاسيكي، دراسة آثار الشرق المدونة، صيانة ووصف مجموعات مخطوطات المعهد الأكثر عدداً في خزائن روسيا وتحقيقها وإصدارها، وتضم مئة ألف مخطوطة، وكتابا قديماً مطبوعاً بخمس وستين لُغة شرقية حية وميتة، وتعد إحدى أثمن ثلاث مجموعات في العالم. واليوم يبلغ عدد محتويات الخزانة العربية في معهد المخطوطات الشرقية في سانت- بطرسبورغ نحو خمسة آلاف مجلد وثلاثة آلاف مقتطف مدون. تغطي تاريخ تطور الكتابة العربية، وتضم الآثار المهمة للثقافتين الإسلامية والمسيحية العربيتين. وتندرج في المجموعة العربية؛ نسخ من مخطوطات المصحف الشريف والإنجيل المقدس، والحديث النبوي الشريف، ومؤلفات في الشريعة والعقيدة والفلسفة الإسلامية، ونتاجات فنية وأعمال في التاريخ والجغرافية والطب وغيرها من العلوم.
تجميع ودراسة الآثار الشرقية
وحتى مستهل القرن العشرين، حظيت مهام تجميع الآثار الشرقية بمنزلة رئيسية ومقرَّرة في أعمال المتحف الآسيوي، وكان هدفها (جمع كل ما أمكن من آداب الدراسات الشرقية). وأصبح المبدأ الأهم في حياة المتحف وارتقائه إدراك تلك الحقيقة اليقينية؛ أن الكتاب، المخطوط، المصدر هو الأساس الأهم لأيِّ بحثٍ علمي. ولهذا خصص، منذ عام (1823)، المديران الأَوّلان للمتحف الآسيوي خريستيان فرين (1782-1851)، وبوريس دورن (1805-1881) وباحثو المتحف الآسيوي معظم وقتهم لإعداد الفهارس العلمية ووصف مجموعات المخطوطات. وفي صلب عمل مدرسة الاستعراب الأكاديمي في سانت- بطرسبورغ، تحظى ترجمة وإصدار المؤلفات المخطوطة ودراستها بأسبقية في اتجاهاتها العلمية. وتشغل دراسة اللغة العربية وآدابها، والقرآن الكريم وتفسيره، والفقه الإسلامي، وتاريخ الخلافة العربية – الإسلامية مركز البحث العلمي في معهد المخطوطات الشرقية. وأصبحت مؤلفات علماء المعهد بمثابة بطاقة زيارة المعهد، وبينها؛ فهرس المخطوطات العربية في معهد الاستشراق (جزءان) لأنيس خاليدوف، وتاريخ الخلافة العربية (ثلاثة أجزاء) لأُوليغ بولشاكوف، والقاموس الموسوعي «الإسلام على أراضي الإمبراطورية الروسية» إعداد ستانيسلاف بروزوروف.
واليوم تشكل مجموعات معهد المخطوطات الشرقية في سانت- بطرسبورغ أساساً علمياً رصيناً لتطوير الدراسات العربية في روسيا الفيدرالية وعموم الاستشراق العالمي.
باحث وأُستاذ جامعي مقيم في روسيا
ناظم مجيد حمود