«صفقة القرن» ودولة الاحتلال

حجم الخط
1

بحكم الواقع الذي سارت وتسير عليه دولة الاحتلال الإسرائيلي منذ تنفيذها لفكرة نشأتها، وهناك طبيعة تلازم سلوكها الفعلي، الممتد منذ عام 1948 إلى يومنا هذا، ويقوم هذا السلوك على أساس تغيير وتبديل شكل الصراع وإدارته، كل عشرين إلى خمسة وعشرين عاما، بشكل يتلائم والتغييرات الحاصلة في المنطقة والعالم، إذ لم يمض على الحرب التي شنتها العصابات الصهيونية 20 عاما بداية تشكيل الكيان، إلا وقامت دولة الاحتلال عام 1967 بحرب جديدة وهي حرب تثبيت الكيان، من خلال احتلال كامل لفلسطين التاريخية، وأراض من كل من مصر ولبنان وسوريا والأردن.
ورغم أن مصر كانت قد وقعت مع دولة الاحتلال اتفاقية سلام في 17/9/1978، إلا أن هذه الاتفاقية لم تمنع دولة الاحتلال من تغيير الطابع العام للصراع، ولم تجعلها دولة قادرة على إقامة علاقات طبيعية مع دول المنطقة.
انتقلت دولة الاحتلال إلى توقيع اتفاقية أوسلو واتفاقية وادي عربا، بعد ستة وعشرين عاما من حرب تثبيت الوجود (1967)، هاتان الاتفاقيتان غيرتا شكل الصراع جوهريا، وانتقلتا به من مرحلة تثبيت وجود الكيان إلى الدخول لمرحلة تشريع الوجود، فقد أصبح الاعتراف بهذا الكيان أمرا طبيعيا بالنسبة لبعض الأنظمة العربية، وقد جاء اتفاق أوسلو مع تغير شامل للحالة الدولية إثر سقوط الاتحاد السوفييتي (انهيار الشرق وصمود الغرب)، وقد قتل رابين الذي وقع على اتفاق أوسلو إسرائيليا (4/11/1995) واستشهد ياسر عرفات الذي وقع على أوسلو فلسطينيا (11/11/2005)، وحولت دولة الاحتلال الصراع بعد مقتل رابين إلى صراع ذي طابع ديني إلى حد ما، وذلك بعد سيطرة اليمين المتطرف على جزء مهم من مؤسسات هذه الدولة.
واليوم بعد خمس وعشرين عاما على اتفاقية أوسلو، يدور حديث عن «صفقة قرن»، ليس غريبا الحديث عنها أو ما يصدر من تسريبات وإشاعات هنا وهناك حولها، لكون السلوك الطبيعي الذي جنحت، أو ستجنح إليه دولة الاحتلال الآن، هو أن تبسط وجودها كدولة نفوذ في المنطقة، وهذا الأمر مقدمات إنتاجه وصياغاته كثيرة، جزء منها قتلها لحل الدولتين والحديث علانية أنها لا تسعى للحديث مع الفلسطينيين على انفراد، بل الحديث عن أن الصراع يجب أن يكون مع العرب ككتلة واحدة، إضافة إلى نتائج ما يحدث من تخريب وتدمير لشكل ودور الدولة في المنطقة، واستقدام وإنتاج الحركات الدينية المتطرفة لتغذي وتعزز واقع الوجود النفوذي لدولة الاحتلال، حتى إن كان ذلك، في بعض الحالات الحالية، دورا أمنيا استخباريا تؤديه هذه الدولة، مع تعزيز الاشتباك الإعلامي وأيضا الميداني في بعض المناطق بين إيران من جهة وبعض الاصطفاف العربي (المتكون) من جهة أخرى.
هذه المشاهد سبقتها أيضا مجموعة من الصور والأفعال والتحولات، مثل وجود المبادرة العربية للسلام، التي حسمت الاعتراف بدولة الاحتلال على أنه أمر طبيعي، وقد جاءت بمدخل إنهاء كامل الاحتلال للأراضي العربية المحتلة، ومخرج التطبيع الكامل مع دولة الاحتلال، إضافة إلى الانسحاب أحادي الجانب الذي نفذته دولة الاحتلال من قطاع غزة، وتغذية هذا الانسحاب بإنتاج الانقسام ما بين الضفة وقطاع غزة، مستبقة ذلك بتغييب الشهيد ياسر عرفات عن المشهد السياسي من خلال قتله بالسم.
دولة الاحتلال تريد المبادرة العربية من خلال أخذ مخرجاتها (التطبيع) والتخلي عن مدخلاتها (إنهاء الإحتلال)، فمهما كانت هذه التي تسمى «صفقة القرن» لا يمكن لها تحت أي ظرف من الظروف أن تنهي الاحتلال، فالأمر الوحيد والمطلوب من هذه الصفقة، وبغض النظر عن عناصرها، لن يكون سوى تشريع الدور النفوذي لدولة الاحتلال على الدول العربية، وحتى التسريبات والإشاعات حملت مصطلح (صفقة القرن) ومن خلال هذه التسمية واضح أن الطرح سيكون كرزمة شاملة وكاملة، وهي ذات بعد تجاري (جعل الربح للجميع) ولكن سيبقى السؤال المركزي والمعلق على الإجابة، ما الذي سيأخذه العرب غير اصطفاف دولة الاحتلال معهم لمواجهة إيران؟
الشكل الحالي للمنطقة يؤكد ضرورة وجود تسوية أو حرب، لإعادة توزيع الأدوار وتثبيت النفوذ لكل قوة إقليمية، وطالما أن التسوية وفق الخريطة الإٌقليمية وأدواتها الحالية ليس لها من الفرص الكثيرة، فإن الاتجاه سيبقى مقدمة للحرب، والحرب المقبلة في المنطقة لن تكون سوى لإعادة توزيع أدوار اللاعبين الإقليميين والدوليين، ونتائج هذه الحرب ستحدد مدى الدور النفوذي الذي ستمارسه دولة الاحتلال وشكله وأدواته. وما تمارسه في هذه الأيام من ضغط على إدارة ترامب للتراجع عن الاتفاق النووي مع إيران، يأتي في إطار الدعوة والضغط لإعادة توزيع الأدوار على اللاعبين الإقليميين.
لن تتورط دولة الاحتلال بأية حرب ما لم تكن قد ضمنت دور إسناد فعلي من الاصطفاف العربي الذي منحها اليوم شرعية النفوذ الإقليمي. عوامل الحسم في هذه المعركة كبيرة والمفاجآت فيها ستكون أكبر، فالكل يدرك أن النتائج هي التي سترسم الطاولة والخريطة النفوذية المستقبلية.
بكل الاعتبارات المصالح الفلسطينية، كقضية عربية مركزية لم يعد يريدها الاصطفاف العربي بهذا الشكل، وهذا الأمر الذي لن يقبله أي فلسطيني مهما كان. والفلسطينيون إن لم يأخذوا حقوقهم بغير انتقاص (إقامة دولة مستقلة وعاصمتها القدس الشرقية، مع تفكيك كل بنية الاحتلال التي نتجت بفعل وجوده- الاستيطان)، لن يروا من ضرورة لكي يكونوا طرفا يشرع نفوذ دولة الاحتلال، وهذه الكلفة قد تحمل الكثير من التحولات الداخلية الفلسطينية والإقليمية.
كاتب فلسطيني

«صفقة القرن» ودولة الاحتلال

ياسر المصري

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية