اتضح منذ اللقاءات التمهيدية التي نظمتها السعودية، والدعوات التي وجهت والتسريبات التي سبقت زيارة الرئيس الامريكي، أن السعودية تسعى لشراء رضا الرئيس الجديد، بعقد الصفقات المليارية.
من جانبه ابتلع دونالد ترامب، التاجر الشاطر، كل التهديدات والشتائم والكلام البذيء الذي اطلقه سابقا بحق السعودية ودول مجلس التعاون، إبان حملته الانتخابية، ووافق على الصفقة التي تزايدت قيمتها من تسريبات أولية توقعت أن يكون المبلغ 100 مليار دولار من صفقات التسليح لتفوق عند نهاية الزيارة الـ400 مليار دولار.
مع اندلاع الأزمة القطرية الخليجية، توقع المراقبون أن تلعب الولايات المتحدة دورا محوريا في تهدئة الاجواء، والسعي للعب دور الوسيط بين الطرفين، خصوصا أن القيادة المركزية للمنطقة الوسطى في قاعدة العديد قرب الدوحة، تعتبر ضامنا استراتيجيا لمنع اشتعال الازمات في المنطقة، لكن المفاجأة جاءت مع تصريحات الرئيس دونالد ترامب، الذي وصف قطر بأنها داعم تاريخي للإرهاب، ودعا دول الخليج ودول الجوار لاتخاذ المزيد من الإجراءات لمكافحة الإرهاب. وقال ترامب في مؤتمر صحافي في البيت الأبيض «دولة قطر، للأسف، ممول تاريخي للإرهاب على مستوى عال جدا. يجب أن ينهوا هذا التمويل».
بينما كانت تصريحات إدارة ترامب مخففة لفجاجة تصريحات الرئيس، الا انها لم تستطيع الخروج عن خط تصريحاته العام، إذ دعا وزير الخارجية الأمريكي ريكس تيلرسون السعودية وحلفاءها الإقليميين لتخفيف الحصار على قطر، بينما دعا قطر لإنهاء دعمها للإرهاب. وقال تيلرسون بدأ الحصار يؤدي إلى أزمات إنسانية، وأضاف «نرى نقصا في الغذاء، وعائلات تضطر للانفصال، وأطفالا يضطرون للتوقف عن الدراسة «. وبينما امتدح تيلرسون أمير قطر «لعمله على تقليل تمويل منظمات إرهابية»، قال إن هناك حاجة لعمل المزيد، وقال إن النزاع الحالي يؤثر سلبا على التعاون في المنطقة من أجل مكافحة الإرهاب، وكذلك على نشاط شركات أمريكية في المنطقة. أما البنتاغون فأكد على لسان المتحدث باسمه جيف ديفيز، أن حصار قطر يعرقل القدرة على التخطيط لعمليات في المدى البعيد. وقال إنه رغم عدم تعطل العمليات العسكرية الأمريكية الحالية في قاعدة العديد الجوية في قطر، فإن الوضع الآخذ في التطور يعرقل القدرة على تخطيط عمليات عسكرية في مدى أبعد. وأضاف ديفيز أن قطر تظل ذات أهمية كبيرة للعمليات الجوية ضد تنظيم «الدولة».
وكما أوردت قناة (BBC) في قراءتها لموقف الصحافة الأمريكية من موضوع الازمة القطرية الخليجية، حيث ذكرت أن التضارب في تصريحات كبار المسؤولين بالإدارة الأمريكية، اثار شهية كبريات الصحف الأمريكية، فقد رأت صحيفة «نيويورك تايمز» أن كلا من ترامب وتيلرسون يؤديان على ما يبدو دور الشرطي الجيد والشرطي الشرير، سواء تعمدا ذلك، أو جاء الامر من غير قصد، وقالت إن تيلرسون سعى من خلال تصريحاته إلى «خفض حرارة» الأزمة عند جميع الأطراف، بينما أقحم ترامب نفسه فيها بتغريداته التي بدت منحازة إلى جانب السعودية، وأدلت صحيفة «واشنطن بوست» بدلوها في الموضوع، حيث قالت إن ترامب بدا وكأنه يقلل من شأن تصريحات تيلرسون.
وتوقع مراقبون أن يبتز ترامب قطر بصفقات مليارية، كما تم الامر مع السعودية لكي يغير موقفه، لكنهم توقعوا أن تكون لقطر بدورها اوراقها التي تستطيع لعبها في هذه الازمة، فقد ذكر موقع «ديفينس نيوز» أن ترامب وجه انتقادات حادة لقطر في وقت حرج، ما يطرح أسئلة مهمة حول الصفقة بين قطر والولايات المتحدة الأمريكية حول توريد 72 مقاتلة «إف 15»، وكانت هذه الصفقة قد عقدها الرئيس الأمريكي السابق باراك أوباما قبيل انتهاء فترة ولايته في 2016، وكان الغرض من الصفقة، حسب «ديفينس نيوز» هو دعم دول الخليج العربية مقابل المنافس إيران. من جانبه أعرب السيناتور الديمقراطي عن ولاية ميسوري كيلر ماكسكيل عن أمله في ألا تؤدي الأزمة الأخيرة إلى إفشال تلك الصفقة.
وقد رصد مراقبون ما جرى اثناء زيارة ترامب للرياض، التي تضمنت الخطابات التي القيت خلال ثمان واربعين ساعة من القمم، والكلمات والتصريحات والبث التلفزيوني من عشرين قناة وبحدود 460 ساعة بث، وصف ايران سلبا بحدود 3750 مرة، بينما وردت كلمة «داعش» 134 مرة فقط، وطالبان 8، و»القاعدة» 13، علما بأن شعار كل اللقاءات والقمم والعقود المليارية هو محاربة الإرهاب، فكيف يمكن أن تتماشى هذه المعطيات مع النتائج التي رسمت سلفا للزيارة؟
ويجيب الكاتب الصحافي روبرت فيسك في مقال نشرته صحيفة «الاندبندت» يوم 19 مايو 2017 على ذلك حين يقول «يسعى ملوك وأمراء الخليج الذين يمتلكون ثروات هائلة إلى تدمير شيعة المنطقة، وهذا مبرر بسيط لمكافحة الإرهاب بالنسبة لواشنطن؛ ما يعني تدفق ترسانة أسلحة هائلة تقدر بـ100 مليار دولار، إلى السعودية استعدادًا للحرب المرتقبة، بينما ستقف كل من أمريكا وإسرائيل تتفرجان وهما مبتسمتان. كما يرى فيسك أن جاريد كوشنر – صهر ترامب الذي يصفه بولي العهد- يمكنه تولي أمر إنشاء ناتو عربي، إذ أن إسرائيل ستكون سعيدة للغاية برؤية الشيعة والسنة يتقاتلون، بل ستغذي الصراع مثلما فعلت هي وأمريكا إبان الحرب العراقية الإيرانية، عندما دعمت واشنطن العراق بالسلاح، بينما أمدت تل أبيب إيران بالصواريخ. وقد برز الدور الإسرائيلي بالفعل، بقصفها قوات بشار الأسد وحلفائه الشيعة، وغضها الطرف عن «داعش»، وعلاج عناصر «القاعدة» في الجولان».
ويبدو من التصريحات الرسمية التي صدرت من حكومات السعودية والإمارات والبحرين، اتهام قطر بأنها تتأمر مع ايران ضد دول الخليج، وقد بدا هذا الموقف وكأنه تعجيل بإعلان حالة الحرب على «ايران وحلفائها» في المنطقة، لكن المفارقة أن البداية لم تكن بحلفاء ايران التقليديين في اليمن وسوريا والعراق ولبنان، وانما كانت البداية في مجلس التعاون الخليجي.
اذن نستطيع أن نقول وبوضوح إن زيارة ترامب للمنطقة موجهة ضد ايران «وحلفائها المحليين» وان ترسانة الاسلحة التي باعها لدول الخليج لم تكن الغاية منها محاربة الارهاب، ومن اولى تداعيات زيارة ترامب، ما انعكس بالقسوة المفرطة التي تعاملت بها السلطة البحرينية مع المعتصمين الشيعة، بعد مرور يومين فقط من الزيارة، حيث نفذت قوات الامن هجمة عنيفة على قرية الدراز قرب العاصمة البحرينية المنامة البحرين يوم 23 مايو 2017، حيث سقط أكثر من 100 شخص بين قتيل وجريح، جراء إطلاق قوات الأمن البحرينية الرصاص والغازات المسيلة للدموع على المعتصمين، أمام منزل المرجع الديني للطائفة الشيعية الشيخ عيسى قاسم، قبل أن تقوم باقتحام منزل الأخير. كما اسفرت عملية اقتحام المنزل عن اعتقال 50 شخصاً كانوا بداخله، فيما فشلت القوات الامنية باعتقال الشيخ عيسى قاسم بحسب مصادر بحرينية، العملية قوبلت بغضب شديد من الحركات والمكونات البحرينية. منظمة هيومن رايتس أدانت العملية الأمنية وقالت «مرة أخرى، يبدو أن مهندسي العنف المزعزع للاستقرار في البحرين هم حكومة البحرين، وتوقيت هذه العملية – بعد يومين من اجتماع الملك حمد بالرئيس ترامب – من الصعب أن يكون من قبيل المصادفة»، ويبدو أن المنطقة مقبلة على تصعيد غير مسبوق، وان هذا التصعيد ستكون له عواقب كارثية ستدفع ثمنها شعوب المنطقة.
كاتب عراقي
صادق الطائي