صفقة «ميسترال» لبيع فرنسا روسيا سفنا حربية..علقت؟ لن تعلق ؟

حجم الخط
3

باريس – «القدس العربي»: لمح الرئيس الفرنسي فرانسوا أولاند إلى إمكانية تراجعه عن قرار تعليق تسليم أول حاملة طائرات هليكوبتر لروسيا بعد أقل من يومين على إعلانه وقف العملية في محاولة منه لوقف عاصفة الغضب التي قوبل بها القرار داخليا من قبل بعض النقابات العمالية وخصومه السياسيين في المعارضة اليمينية واليمين المتطرف بلغت حد اتهامه بالإذعان للضغوط الأمريكية.
وقال أولاند على هامش مشاركته في قمة مجموعة دول حلف شمال الأطلسي (الناتو) بمدينة نيو بورت بمقاطعة ويلز البريطانية إن قرار تعليق تسليم حاملة طائرات هليكوبتر لروسيا لم يتخذ بعد وأن قرارا نهائيا سيصدر منه في الموضوع نهاية تشرين الاول/أكتوبر المقبل بالنظر للمعطيات على الأرض بين روسيا وأوكرانيا.
وجاء التلميح بالتراجع عن التراجع بعد يومين فقط على إعلان مكتب الرئيس الفرنسي  في بيان توصلت «القدس العربي» بنسخة منه أن الحكومة لن تسلم إحدى حاملتي طائرات هليكوبتر من طراز ميسترال إلى روسيا في الوقت الحالي بالنظر إلى تصرفات موسكو في شرق أوكرانيا.
وأثار هذا التصريح مخاوف موظفي أحواض بناء السفن الفرنسية، في “سان نازير”، الذين حذروا من «عواقب» إلغاء العقد على صعيد الوظائف.
وبدأ الغضب ضد قرار الرئيس الفرنسي من النقابات العمالية حين هاجمت نقابات ورشات السفن في سان نازير (محافظة لوار اتلنتيك) البيان الصادر عن مكتب الرئيس الفرنسي معتبرة إياه بالمخيب للآمال لما يحمله من أضرار اقتصادية كبيرة على الحوض الذي تصنع فيه السفن إضافة إلى تكبيد خزينة الدولة مبلغ مليار دولار ستجد باريس نفسها مضطرة لدفعها إلى موسكو قيمة الشرط الجزائي لفسخها العقد كما تنص على ذلك بنوده.
وفي تصريح لـ»القدس العربي» قال جان مارك بيريز الأمين العام المساعد لنقابة القوات العاملة في حوض بناء السفن ان القرار سيتسبب في إنهاء مئات عقود العمل وتسريح أصحابها من حوض بناء السفن مباشرة أو من الشركات العاملة معه واصفا القرار بـ»غير المقبول» و»لا يطاق».
وحول ما إذا كانت النقابات ستتفهم حجج الرئيس الفرنسي السياسية لتعليق الصفقة مع روسيا قال المسؤول النقابي «ما لا نفهمه هو الزج بنا كعمال وموظفين في أزمة سياسية يفترض أن لا تمس الاقتصاد، هذا دليل آخر على أن هذه الحكومة تتخذ قرارات غير شعبية ولا تراعي مصلحة اقتصادها ولا شعبها لأنها تعلم مسبقا أن قرارا كهذا ينعكس سلبا وبشكل سريع على العمال الذين يعيلون آلاف الأسر خلفهم».
من جانبه قال جوان جاردان القيادي في الكنفدرالية الفرنسية لحقول العمال إن قرارا نهائيا بوقف بناء السفينتين «ميسترال» لم يصدر بعد بشكل رسمي و إن العمال مازالوا يواصلون تنفيذ ما طلب منهم وفي الوقت نفسه باتوا في حيرة من أمرهم وبات على الرئيس أن يتخذ قراره ويحسم في الأمر، مؤكدا ان على الرئيس ان يخبرهم بقرار نهائي هل يواصلوا أم لا؟
ودخلت أحزاب المعارضة اليمينية على خط الأزمة حين صوبت سهام نقدها نحو الرئيس أولاند على خلفية القرار متهمة إياه بالخضوع لما وصفتها إملاءات واشنطن والتضحية بالمصالح الاقتصادية العليا للبلاد.
وقال القيادي في حزب الاتحاد من أجل حركة شعبية اليميني هنري غينو في اتصال هاتفي مع «القدس العربي» إن الأزمة الأوكرانية تحل بالحوار السياسي مع موسكو وليس بالعقوبات لأن هذه الأخيرة لم تعط ثمارها على حد تعبيره. و تساءل غينو الذي شغل من قبل مهمة مستشار خاص للرئيس السابق نيكولا ساركوزي قائلا :»هل عدم تسليم روسيا السفينتين سيضعفها ؟» مؤكدا أن «الحقيقة هي أمامنا ولا يمكن أن نتعامل معها من الجوانب بل أن نذهب إليها مباشرة يعني أن نتحدث إلى بوتين لأن ما نراه اليوم هو تفاقم للوضع وإذا بالغنا في معاقبة الروس قد ندفع بالوضع إلى مستوى لن يعد بإمكاننا السيطرة عليه». وأضاف «إن استراتيجية صب الزيت على النار وزيادة التوتر مع روسيا ليست جيدة» متسائلا: لماذا لا يفتح نقاش مع بوتين منذ البداية؟ ماذا نريد؟ هل نعلن الحرب على روسيا أو ندخل معها في حرب باردة.
بدورها هاجمت زعيمة حزب الجبهة الوطنية اليميني المتطرف مارين لوبان قرار الرئيس الفرنسي وقف تسليم أول حاملة طائرات هليكوبتر لروسيا واصفة ما صدر عنه بـ»التحرك ضد المصلحة الوطنية والإذعان
 للضغوط الأمريكية». ولوبان التي اجتذب حزبها المتشدد ناخبين من الأحزاب السياسية الكبرى من اليسار واليمين هي من أشد المنتقدين لسياسة الغرب تجاه روسيا في أزمة أوكرانيا وترى أنها تتسم بالعدائية الشديدة تجاه موسكو. ووصفت  لوبان قرار تعليق تسليم حاملة الطائرات بـ «القرار الخطير للغاية لأنه يتعارض مع مصالح البلاد» مشيرة إلى أن «فرص العمل ستكون معرضة للخطر وأن فرنسا سيتعين عليها دفع غرامة إذا لم تسلم حاملة الطائرات».
وتعرضت فرنسا لضغوط كبيرة خصوصا من الولايات المتحدة وبريطانيا لإرجاء تسليم السفينة لروسيا، رغم تأكيدها في أكثر من مناسبة أن العملية ستتم في الخريف المقبل كما ينص العقد.
واتهمت فرنسا روسيا مرارا بالقيام بأفعال في أوكرانيا تتعارض مع ركائز الأمن في أوروبا، بينما قاومت وعلى مدى الشهور الماضــــية ضغوطا من واشنطن وحلفاء آخرين لاتخاذ هذا القرار، ما جعلها تطالب باقي الدول الأوروبية بما أسمته « تتقاسم عبء فرض جولة جديدة من العقوبات على روسيا وإن أي إجراءات ينبغي أن تشمل أيضا قطاعي الطاقة والمال إلى جانب قطاع الدفاع».
وتصل قيمة صفقة سفينتي «ميسترال» التي أبرمت في العام 2010 الى 1.2 مليار يورو أي نحو 1.58 مليار دولار ،وقد وقعت الصفقة في عهد الرئيس اليميني السابق نيكولا ساركوزي وكانت أول صفقة توقعها دولة عضو في حلف شمال الأطلسي لمد موسكو بمعدات عسكرية.
وعبر الرئيس الأمريكي باراك أوباما شهر حزيران/يونيو الماضي عن عدم رضاه حيال بيع فرنسا سفنا حربية من طراز ميسترال إلى روسيا، بسبب الأزمة في أوكرانيا، وقال على هامش قمة مجموعة السبع في بروكسل «عبرت عن قلقي، ولا أعتقد إني الوحيد الذي قام بذلك، كان من الأفضل تعليق صفقة البيع هذه».
وكانت السلطات الفرنسية أكدت أن تسليم أول سفينة ميسترال يتوقف على قرار متوقع في الخريف من لجنة وزارية مكلفة المصادقة على تصدير معدات حربية، حيث تتدخل هذه اللجنة مرارا اثناء بيع أسلحة فرنسية وخصوصا من أجل السماح باجراء تدقيق أثناء توقيع العقد وأثناء التسليم.
وإذا ما أقدم الرئيس الفرنسي على توقيع قرار نهائي بإلغاء صفقة «الميسترال» مع روسيا لن يكون القرار الأول من نوعه في فرنسا، حيث في العام 1967، قرر الرئيس الفرنسي شارل ديغول فرض حظر على مبيعات الأسلحة الى اسرائيل بعد حرب حزيران/يونيو فالغى خصوصا عملية تسليم قاذفات الصواريخ التي كانت تجري. ونقلت اسرائيل لاحقا بشكل سري خمسا من هذه القاذفات بقيت في مرفأ شيربورغ .
وينص العقد الموقع بين روسيا وفرنسا لتوريد الأخيرة حاملتي مروحيات من طراز «ميسترال» على دفع غرامة كبيرة تصل إلى مليار دولار في حال إلغاء العقد من قبل أحد الطرفين.
ودفعت روسيا حتى الآن أكثر من نصف قيمة العقد مع فرنسا الموقع، أي نحو 700 مليون يورو رغم توجيه خبراء روس انتقادات لبلادهم باختيارها فرنسا لعقد الصفقة بسبب كلفة العمل والإنتاج الصناعي المرافعة في أوروبا مقارنة بروسيا، حيث تبلغ تكلفة بناء سفينة واحدة من طراز «ميسترال» في روسيا نحو 250 مليون يورو، بينما تبلغ قيمة العقد الموقع مع فرنسا لبناء سفينتين 1.12 مليار يورو.
ويعتبر المختصون الروس المبلغ كافيا لبناء 4 أو 5 سفن إنزال حاملة للمروحيات تتمتع بمواصفات مشابهة لـ»ميسترال»، إذا جرى تصنيعها في روسيا.
وانتقد الرئيس الروسي فلاديمير بوتين الولايات المتحدة في أكثر من مناسبة لممارستها الضغط على فرنسا حتى تتخلى عن عقود صفقة ميسترال لروسيا، مؤكدا بأن الولايات المتحدة قد ألمحت بأنه إذا لم تورد فرنسا السفن الحربية إلى روسيا سترفع العقوبات تدريجيا أو على الأقل تخفيفها، قبل أن يتسائل قائلا :» ألا يكون هذا سوى ابتزاز لموسكو؟».
وبعثت مجموعة من أعضاء الكونغرس الأمريكي رسالة إلى الأمين العام لحلف الناتو أندرس فوغ راسموسن، يدعونه فيها إلى عرقلة تنفيذ صفقة بيع حاملتي المروحيات الفرنسيتين «ميسترال» لروسيا.

محمد واموسي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية