صفوف ترحيبية ومحاولة لسد الثغرة الطلاب السوريون في مدارس ألمانيا ومشاكل الاندماج

حجم الخط
0

من أهم المواضيع التي تم طرحها مع وصول موجات اللاجئين إلى ألمانيا، هي القدرة الاستيعابية للمؤسسات القائمة، وإن كان قادرة على تغطية الحاجة التي خلقتها الأعداد المتزايدة من القادمين الجدد، ومن بينها، المؤسسة التعليمية، وإن برزت العديد من المبادرات من المجتمع المدني والأهلي لتعليم الأطفال اللاجئين، إلا أن الأعداد كانت تفوق في الكثير من الولايات القدرة الحقيقية للمدارس الموجودة. من جانب آخر، أظهر عدد من الألمان تحفظهم على المدارس التي بدأت تحتوي على عدد كبير من اللاجئين، فحسب استطلاع للرأي أجراه مجلس المؤسسات الألمانية المعنية بشؤون الاندماج والهجرة، في ربيع 2016، ظهر أن 51% من الألمان لديهم تحفظات على تسجيل أبنائهم في مدارس تحتوي أعدادا كبيرة من الأطفال المهاجرين، وهو الرأي الذي أيده أكثر من نصف الأفراد المنحدرين من أصولٍ تركية، وما بين الأخذ والجذب، يستمر الطلاب اللاجئون في حياتهم المدرسية.

الصفوف الترحيبية

أم أحمد وصلت إلى برلين العام الفائت مع أولادها ضمن عملية لم شمل الأسرة مع زوجها الذي كان هنا منذ سنتين، وكان هاجسها الرئيسي إيجاد فرصة تعليمية لأبنائها في برلين، وتقول: «لم يكن إيجاد المدارس أمراً يسيراً، فهناك أعداد كبيرة جداً من الطلاب بالانتظار». ولكن لا يمر الطلاب السوريون بالمرحلة نفسها التي يمر بها أقرانهم من الألمان، فهناك حاجز اللغة الكبير، بالإضافة إلى الفروق بالمناهج، وتضيف أم أحمد: «عادةً ما يتم وضع الطلاب اللاجئين بما يسمى بالصفوف الترحيبية، والتي تكون أشبه بدورة للغة وتأسيس للحياة المدرسية الألمانية، دون منهاج تعليمي مدرسي حقيقي». لكن هذه الصفوف الترحيبية كانت تثير مخاوف أم جمال، وهي سورية في برلين أيضاً حيث رأت أن هذه الصفوف «لا تسمح لأولادنا الاندماج مع بقية الأطفال، حيث يتقوقع الأطفال مع بعضهم البعض، سوريون وعراقيون واللاجئون من دولٍ أخرى، وهذا ما يمنعهم عن الدخول في المجتمع الحقيقي».
أما علا وهي أم لثلاثة أطفال وتعيش في ولاية بريمن، فما زالت تنتظر أن يحصل أولادها على دور ليدخلوا المدرسة، وتقول: «في بريمن توجد دورات مدرسية قبل بدء المدرسة الحقيقية، وتتراوح مدتها بين الشهرين والسنتين، وغالباً ما تتم المماطلة حسب وجود شواغر في المدارس لفرز الطلاب إليها» وتضيف: «ابنتي في هذا الصف منذ عام، لم أستطع أن أجد لها أي مكانٍ في المدارس المحيطة بنا». لكنها ترى أن الأمر مبرر بشكل من الأشكال، فتقول: «التقيت بأكثر من مسؤول تعليمي، وبالفعل هناك مشكلة في أعداد الكوادر التعليمية والقدرة الاستيعابية للمدارس في بريمن، فهي ولاية فقيرة، ومعظم المعلمين يذهبون للعمل في ولاياتٍ أخرى تكون الأجور فيها أعلى، وهذا ما جعل عدد الأطفال أكبر بكثير من الإمكانيات».

المراهقون هم الأصعب

جنا في الرابعة عشر، لكنها تجد نفسها اليوم مع طلاب الصف السابع، أي من يصغرها بثلاث سنوات، لا فارق بمثل هذه الأرقام في عالم الكبار، لكن بالنسبة لجنا، فإنها الأطول والأكبر في الصف، ما يجعلها تشعر بعدم الارتياح، وقد دخلت مرحلةً عمريةً مختلفة عن زملائها وزميلاتها في الدراسة، وما يثير مخاوفها، هو عدم قدرتها على الحصول على صداقات مناسبة، فالفتيات وحسب جنا في صفها، ما زالت الدمى وألعاب الصغار تثير اهتمامهن، في حين أنها صارت تشعر هذه أمور لم تعد مناسبةً لسنها، فلا أحاديث مشتركة مع الطلاب، إلى جانب النظرة المختلفة، والتي لم تستطع أن تعرف إن كانت تتعلق باختلاف المظهر، أم باختلاف السن، وفي الحالتين لم تكن بالشيء المريح.
جود في الصف الثاني، لم يكن في حاجة لأكثر من شهرين باللغة الألمانية حتى يدخل، دون أن يخسر أي صف، واستطاع على الفور بالدخول في الحياة المدرسية وإيجاد صداقات له، «فالأولاد في هذا السن لا توجد لديهم فروق بين شخص وآخر» هذا ما تخبرنا به والدته، التي ترى أن الفارق كبير بينه وبين شقيقه الأكبر حيدر، الذي كان من المفترض أن يكون في الصف الحادي عشر، وعمره 16 عاماً، فحيدر يعاني صعوبة في تعلم اللغة، كما أنه خسر عدداً من الصفوف. وتضيف أن المدرسة تسبب له كآبة شديدة، حتى أنه بدأ بالتفكير بعدم الحصول على شهادة ثانوية، والاكتفاء بالتعليم الحرفي في الثانوية عوضاً عنها، وهو خيار اتخذه الكثير من المراهقين اللاجئين في ألمانيا.
حول هذا الموضوع تخبرنا أم هادي عن ولديها اللذين كانا من المفترض أن يحصلا على الشهادة الثانوية في سوريا، ولكن وبسبب الحرب، لم يستطيعا إكمال تعليمهما، ليصلا هنا، ويبدآن بالمرحلة الثانوية من أولها، «هادي وهاني صارا اليوم في الصف عينه، العاشر، لكن المدرسة والمرشدين يدفعونهما بشكل أكبر للتعليم المهني، وبالأخص ابني الأكبر هادي، فهو أقل تفوقاً من هاني، وهذا ما جعلهم يعتقدون بعدم قدرته على الحصول على الشهادة الثانوية». وتضيف: «عادةً ما يتم إغراء المراهقين في برلين بأنهم سيحصلون على راتب بعمر السادسة عشرة، مع بداية التعليم المهني، وسيحصلون على عمل على الفور، وهذا ما يجعل الكثير منهم يبتعدون عن التعليم الأكاديمي» وتعتبر أم هادي أن هذا الأمر يبدو أكثر وضوحاً مع الطلاب اللاجئين وتعتقد أن الأسباب تعود «إلى حاجة ألمانيا إلى المزيد من العاملين في المجال الحرفي والمهني أكثر من الأكاديمي، كما أنه قد يكون الطريق الأسهل والأيسر بالنسبة للطلاب الذين لم يتعلموا في المدارس الألمانية منذ البداية».

حلم الروضة

أما الرياض التي تقبل استقبال الأطفال منذ عمر السنة في معظم الولايات حتى دخول المدارس، فإن التسجيل ضمنها (وبالأخص لمن هم تحت الأربع سنوات) يعتبر أشبه بالحلم. ماريا سورية وهي أم لطفل في عمر السنتين، وما زالت تنتظر منذ عام أن يأتي دور تسجيله في الروضة، تقول: «نصحنا الجميع أن الألمان عادةً ما يحجزون دوراً للطفل لدخول الروضة، خلال فترة الحمل، لأن الرياض هنا مكتظة جداً، حيث تعمل معظم الأمهات في وقتٍ مبكر، ولا يستطعن الانتظار لعمر الثلاث أو الأربع سنوات»، وفي الوقت عينه لا تفضل ماريا أن تضع طفلها في رياض المهاجرين أو التي تقوم عليها جالية عربية أو غيرها، حيث تعتبر أنه يشكل نوعاً من العزل الاجتماعي للطفل، الذي يحتاج لأن يكون جزءاً من المجتمع الذي يعيش فيه، ولا يتم فرزه إلى كانتونات صغيرة.
قد يكون التعليم في ألمانيا متقدماً جداً بالأخص إن ما تمت مقارنته مع المناهج والطرق التربوية المعتمدة في مدارس البلدان العربية، لكن دخول المدارس ليس بالأمر السهل، وتحديداً للطلاب الوافدين حديثاً إليها، حيث سيبقى عائق اللغة والثقافة يخلق عدداً من الحواجز في المرحلة الأولى، لكن وبنظر الجميع، فإن فرص الأطفال ستكون الأكبر بالاندماج في ألمانيا، وبناء حياةٍ متوازنة ربما تكون صعبة على آبائهم.

صفوف ترحيبية ومحاولة لسد الثغرة الطلاب السوريون في مدارس ألمانيا ومشاكل الاندماج

رند صباغ

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية