الكويت ـ «القدس العربي»: إن الرأي الواحد، والفكر الواحد، والنهج الواحد، هو الذي كان وراء سقوط دولة القوطيين في بلاد شبه الجزيرة الإيبرية (الأندلس)، في المقابل كان التنوع وقبول الآخر وتعدد الأعراق والأفكار والثقافات واحترام العقائد، وراء إقامة دولة الأندلس وتثبيت دعائمها وازدهارها. بهذا بدأ أستاذ الدراسات العربية والإسلامية في «جامعة الخليج للعلوم والتكنولوجيا» صلاح الدين آرقه دان حديثه في الندوة التي ألقاها في رابطة الأدباء الكويتيين، تحت عنوان «التعدد في الثقافة في الأندلس».
وأضاف: أن الأندلس العربية كانت جسرا عبرت فوقه لغات وقوميات وثقافات عاشت على أرضها وامتزجت في بوتقتها تفاعلت مع بعضها وبنت لوحة فريدة من التسامح الحضاري، الذي استمر مع استمرار القوة الإسلامية العربية، ثم أوقفت عجلتها في ما بعد كارثة محاكم التفتيش وتداعياتها كالإبادة الجماعية. وذكر: أن تعدد الأعراق في الأندلس خلق حينذاك لغة منطوقة «لهجة أندلسية» هي خليط من العربية والبربرية واللاتينية، وغيرها من اللهجات المحلية التي كان يستخدمها كل الأندلسيين، وبقيت في التداول حتى بعد سقوط الدولة الإسلامية بمئتي سنة، ولم تندثر الإ بالإكراه في حرب تصفية كل ما هو إسلامي في العهد الإسباني. وأوضح آرقه دان أن المرأة في دولة الأندلس كان لها حضور ومكانة وتوهج، فكانت الشاعرة والمقاتلة والمؤثرة في الرأي والحكمة، وهي من سمات النظرة العربية لها قبل الجاهلية وفي الإسلام، أما ما حدث لها من ردة في بعض الأحيان فكان سببه التأثر بالفرس الذين لهم نظرة دونية للنساء
وبين أن الموسيقى والغناء في الأندلس كان نتيجة تفاعل وتلاقح بين الأعراق المتعددة والثقافات المتنوعة، تمخض في النهاية عن غناء ذي هوية أندلسية بحتة تحتوي في أعماقها الأنغام والإيقاعات والألحان العربية الحجازية والشامية والبغدادية والبربرية والزنجية والإسبانية المسيحية الكنسية «الغريغورية» والصقلبية «السلافية».
وأوضح: أن تطور الموسيقى الأندلسية بفضل قدوم الموسيقيين المشارقة من الحجاز والعراق، وأبرزهم زرياب «أبوالحسن علي بن نافع»، كان من أهم عوامل تطور الغناء والموسيقى، من خلال تقديم النغم على الوزن في المبتكر من التوشيح والزجل. وأشار إلى أن الموشح الأندلسي ساهم في إغناء الشعر العربي، وأخصب إنتاجه لبراعته الآخذة بالنفوس ولموسيقاه العذبة التي تطرب لها الأسماع، ولم يقتصر الإبداع الأندلسي على اختراع أنماط جديدة من الموسيقى وشعر الزجل، بل تعدى ذلك إلى النحت اللفظي على تلقيب الفني «ابن الدنيا» واللص «ابن الليل» والمتدين «ابن الإحسان» واليتيم «ابن الحجر»، وعلى الإنسان السطحي «ابن يومه» وعلى النبيل والمتميز بالشجاعة والكرم «ابن الخير».
ودارت مناقشات عقب انتهاء المحاضر، حيث طلب أحد الحضور من صلاح عدم استعمال كلمة البربرية، لأنها لفظ قاس وإنما الأفضل استبدالها بـ«الأمازيغية»، فوافقه المحاضر على الفور واستحسن رأيه، ثم أوضحت إحدى الحاضرات في مداخلته أن الأثر العربي مازال موجودا حى الآن بدليل وجود 4000 كلمة عربية في اللغة الإسبانية.