أن تكون شاعرا وناقدا في الآن، فأنت مدعوٌّ لكي تضع نفسك في مواجهة نفسها. مواجهة سينتصر فيها طرف على حساب الطرف الآخر. نادرةٌ هي المواجهات، من هذا النوع، التي تنتهي بلا غالب أو مغلوب؛ فقط لأنها مواجهة مؤسّسة على حوار معرفي مسجور بالوعي الدقيق بخطوط التماس بينهما، أي أيهما الأجدر بالآخر في كل محطة من محطات مواجهتهما لبعضهما. فإن تجعل نفسك تُصغي لنفسك (إبداعا ونقدا)، فإنك، ليس من شك، تشتغل بوعي مؤسّس، أقصد أنك تزُفُّ مشروعا خاصا بك في الكتابة. ولنا في أدونيس ما يُعفينا من ربْقة الإطناب والتفصيل في هذا الموضوع. قليلةٌ هي الأسماء المغربية التي حدست بهذا الوعي والنضج في مجال الشعر ونقده، في الوقت نفسه. والحق أن الشاعر والناقد الفذ صلاح بوسريف، يعتبرُ واحدا من هؤلاء القلة القليلة.
لقد استطاع صلاح الإرتقاء، عبر حدوسه الإبستيمية في الشعر، إلى مستوى التنظير، ما جعله يتبوّأ مكانة مرموقة في نقد الشعر في المغرب، في وقتنا الراهن.
وفي هذه الفسحة الميتا- نقدية، سنقف عند بعض أهم فتوحات هذا الناقد وكذا فهمه لبعض المصطلحات والمفاهيم التي ابتدعها كالقصيدة المركبة، وما بعد القصيدة، والكتابة، والشفاهي والكتابي، ضمن تصوره العام لشعر الحداثة الممكنة، وذلك في حدود ما تسمح به مساحة هذا السفر في جغرافية هذا المشروع النقدي المؤسَّس والمؤسِّس.
ووجبت الإشارة، قبل الإبحار في هذا اليم المتلاطمة أمواجه، إلى أن صلاح بوسريف، هو شاعر مائز، راكم من التجربة ما يكفي لكي يكون في طليعة الشعراء المغاربة المعاصرين. بمنطق الجيل، ينتمي صلاح إلى الجيل الثمانيني. إلا أننا نراه شاعرا مشاء، يتجاوز الزمن الفلكي إلى زمن الشعر (اللازمن)؛ وهو عطفا على ذلك، ناقد يتميز بتعدُّد معارفه: فلسفة، إبستيمولوجيا، نظريات أدبية قديمة وحديثة، تراث ديني رفيع، تاريخ قديم.
لقد سعى بوسريف، طيلة هذا السفر النقدي الباذخ، إلى العناية بمستقبل شعرنا وحداثته، مع عدم قبوله أو رضاه بواقع القصيدة العربية ومواضعاتها التي تكلّست وتحولت مع مرور التاريخ إلى أخلاق تُقدْسِ قصيدة الطلل؛ كلُّ ذلك تلبّد في طموح جامح نحو الأفضل والأرسخ.
لا ينظر صلاح بوسريف إلى الشعر إلا باعتباره كثرة، وأيضا باعتباره شعرنة للحدث من خلال مصفاة الذات، في تشوف للمستقبل. فالشعر، الجدير بهذا النعت، لا يعبأ البتة إلا بشعرية خطابه، لأنه تجربة رؤياوية تقيم خارج الزمان والمكان، خارج الأعراف والمواضعات المؤسّسية أيضا.
إن الشعر، وفق هذا المفهوم، هو في ترحُّل دائم، ولا ينبغي له أن يرسو، حصريا، عند حدود قصيدة الطلل؛ بل عليه، وهذا هو رهان الحداثة الشعرية، أن يتهندم بأنطولوجيا الاختلاف، ما سيجعله «شغوفا ومنفتحا على صيرورته».
بهذه الرؤية النقدية المتوهجة والمتشوفة للممكن عبر استيلاده من اللاممكن، استقوى الناقد صلاح بوسريف، في تصميم وتشييد مشروعه النقدي، بعيدا قريبا، من شواغله الإبداعية؛ واستطاع بذلك، أن يقطع، على هدى المشائين، مسافة مشروعه بزحف واثق ووثيق، كما استطاع أن يصعد نخلة حداثته بتدرج فطن وذكي، مضمخا بأناة وتؤدة العارفين بجذبة الإنسان العربي لمّا تجتاحه (ضلالة) البدع، ويُصاب برُهاب الفزع، فيُبرق ويُرعد ككائن عيادي مصاب بفوبيا الطارئ.
إن تصور هذا الناقد للكتابة الشعرية، على سبيل المثال لا الحصر، استهله، بداءة، بمشروع «القصيدة المركبة» كبديل لمأزق قصيدة التفعيلة، إذ يعرفها قائلا: «القصيدة المركبة، هي فضاء لكتابة النثر شعرا، ولفسح المجال أمام النثر كي يقول شعريته»؛ ثم ما فتئ أن هندم تصوره الشعري هذا لاحقا، بلبوس جديد وسمه بـ»ما بعد القصيدة»، أي (مفهوم الكتابة) على الغرار من أدونيس؛ لينتهي بعد ذلك إلى توصيف قديم جديد عنونه بـ»مضايق الكتابة».
هكذا هي المشاريع النقدية الأصيلة، تلك التي لا تؤمن سوى بالاستمرار بدل الانقطاع، وبالمجاوزة والمغايرة، من دون أن تُحدث جروحا أو ندوبا وألما. قد يبدو للعين العجلى، في ثنيات المشروع النقدي لدى صاحبنا، أن هناك تناقضا أو انقلابا نقديا متمثلا في دعوته، بداءة، إلى «القصيدة المركبة»، ثم تخليه عن هذا المفهوم لصالح مفهوم آخر متناقض تماما مع المفهوم الأول ألا وهو مفهوم ما بعد القصيدة؛ إلا أن الأمر لا يعدو أن يكون مجرد استدراج ماكر لعقلية محافظة. ولنا في منهجية تحريم الخمر في القرآن الكريم أسوة حسنة.
ونحن إذ نُضفي على هذا المشروع النقدي، عبارة الرونق، فإننا على ثقة مما نقول، لأن حلاوته آتية من جريان ماء مفاهيمه ومصطلحاته. فكيف انتظمت وتراصت اللبنات المفاهيمية لهذا المشروع ، من خلال مقولة نقدية اختزلت الجهاز المفاهيمي النقدي لصلاح بوسريف، وآثر وسمها بـ»الكتابي والشفاهي» في الشعر العربي؟
فعلى الغرار من أدونيس، الذي يُقرُّ في كتابه «الشعرية العربية»، بأن النقد الشعري العربي، قد تأسس على الشفوية الشعرية الجاهلية، حيث يقول: «هكذا نّظر إلى الشعر، نقديا، عبر معيار التأثير المطرب، وبُنيت الشعرية على جمالية الإسماع والإطراب»؛ قلت على الغرار من هذا الحكم ، سيخْلُصُ صلاح بوسريف إلى أن الخطاب الشعري العربي، خطابٌ شفاهي بكل المقاييس، حتى وهو يحاول التخلّص من ترسّبات قصيدة الطلل المتمثلة في النظام العروضي الخليلي أساسا، وذلك بالاستعاضة عن الوزن الكمي السالف، بنظام أقل صرامة وأكثر حرية ألا وهو نظام التفعيلة مع حركة الشعر الحر.
إن شفاهية الخطاب الشعري لحركة الشعر الحر كامنة أصلا في مصطلح «القصيدة» ذاته، ذلك أن المفاهيم التي «بنيت عليها القصيدة، أو بها تسمّتْ، بما فيها مفهوم القصيدة ذاته، كلها تعود إلى نظام واحد. وفي مفهوم القصيدة، ما يشير إلى شكل الخطاب، أي على وضعه الشفاهي، عندما كانت القصيدة تلقى وتنشد».. وهنا تحديدا يكمن الفتق والعطب، وهنا، أيضا وعطفا، حفرت المآزق أخاديدها في أرض الشعر، لأن الشعرية المعاصرة ظلت وفية لنظام إبستيمي شفاهي: «نحن إذن، لا نذهب إلى الكتابة بالمعنى الذي حاولت بعض البيانات الشعرية المعاصرة تحديده، وهي كتابة تبقى، في أساسها المعرفي آتية من أصل هو القصيدة، أي من نظام المعرفة الشفاهية. ولعل في البيان الشعري العراقي (1969)، الذي تم نسيانه، أو طيه في ما أتى من بيانات لاحقة، ما يشي بالذهاب إلى تخوم الكتابة، أو على ما سماه البيان ذاته بـ(اللاقصيدة) التي ستكون في هذا المقترح (مضادة للقصيدة ذات الجوهر الثابت)، وهو المأزق الذي لم تستطع باقي البيانات تجاوزه، أو تخطيه، لأن القصيدة ظلت كمفهوم، حاضرة بكل ما تستدعيه من إيحاءات لها صلة بالوعي الشفاهي».
لقد ظل الوعي الشفاهي حاضرا حتى حين أعلن الشعر العربي المعاصر تحرره، في إطار ما سمي بـ»حداثة القصيدة»، إذ لم تستطع هذه الأخيرة «الحدّ من ممارسة الشفاهية في النص، فظل الوعي الشفاهي ماثلا في النص، وفي شكل البناء أيضا».
إن وجود الشعر، مرتهن أساسا بوعي جديد كأحد أهم اشتراطات الحداثة، باعتبارها موقفا ونظرة قبل أن تكون شيئا آخر. وإن مصير الشعر عند صلاح بوسريف هو الكتابة وكذا الوعي بها على الصفحة، هذا يفرض علينا ضرورة المرور والعبور إلى زمن التفاعل الكتابي (إبداعا ونقدا)، لأن رهان الحداثة، هو الذهاب بالشعر إلى أبعد نقطة ممكنة في التخوم، والأقاصي، بمعنى أدق الانتقال من شفاهية قصيدة الطلل إلى شعرية الكتابة ومضايقها. والشعر في الكتابة الجديدة، لم يعد يحدّد في الوزن عملا بمقولة «الشعر كلام موزون ومقفى له معنى»، بل أصبح الوزن مجرد مكون من ضمن مكونات عدة للإيقاع الذي اعتُبر في النظريات الأدبية الحديثة أعم وأشمل من الوزن (هنري ميشونيك).
ولما كانت الصفحة دالا إيقاعيا مهما، من ضمن دواله الأخرى، فقد أصبحت لها أهمية كبيرة في الكتابة الجديدة، وأصبح النص، بذلك، «يمارس كتابته، فالوعي الكتابي بدأ بالتبدي والظهور بشكل جعل تلقي النص لا يحدث بوتيرة القصيدة نفسها، أو وفق نظامها الذي ظل محكوما بالوعي الشفاهي».
وفي الأخير نتساءل هل استطاع فعلا، الناقد المائز صلاح بوسريف، أن يمسك بيد الكتابة الجديدة باعتبارها فرعا من ضمن فروع عديدة لـ»شجرة النسب»، أي الشعر؟ ذلك ما حاولتُ تبيانه في هذه الفسحة المتواضعة.
شاعر وناقد مغربي
محمد الديهاجي